«الذئاب المنفردة» تعولم «داعش» وإرهابه

باتت سهولة تنقّل الخليجيين بين دول مجلس التعاون من الوسائل التي يستخدمها الإرهابيون لتحريك عناصرهم وتمويه وجهاته

الاثنين، 06-07-2015 الساعة 10:57


لا هاجس إلا الأمن. هذه هي حصيلة الاختراق "الداعشي"، ولا فرق في ذلك بين بلد وآخر؛ لأن هذا التنظيم مزيج من استغلالات شتى تنسلّ بين نقاط الضعف الموجودة بالضرورة في أي مجتمع بفعل تعدد المذاهب والانتماءات. أصبحت التوصية السائدة هي توقّع غير المتوقّع، وتكاد تصبح الشك في أي شخص. ثمة دول تشكو فيها الأجهزة الأمنية من قيود قانونية تحدّ من فاعليتها ودول أخرى لا حدود فيها ولا قيود لكنها تعاني جميعاً من ظاهرة "الذئاب المنفردة" التي يصعب رصدها واستباق انفلاتها في العنف.

لم يسبق للجهات الأمنية السعودية أن عرفت فهد بن سليمان القباع، ولا أهله لاحظوا تصرّفات غير مألوفة لديه، لكن قائده أو "أميره" في تنظيم "داعش" يعرفه، فقد أشرف على تعبئته وإعداده للانتحار، بل طلب منه الكُمُون والانتظار إلى أن أمره بالسفر إلى الكويت حيث استقبله مَن زوّده بالحزام الناسف وأمّن له الوصول إلى مسجد الإمام الصادق المكتظّ بالمصلّين في يوم جمعة رمضاني فيقوم بـ "واجبه الجهادي"، وهو التوصيف الكاذب لجريمة متعمّدة كاملة الأركان. لا المدعو فهد ولا المدعو "أميره" ولا قيادتهما في سوريا أو العراق فكّروا في أن الأمر يتعلّق بجريمة تحرّمها كل الأديان والأعراف. ليس هناك استغلال للدين أكثر جهالة ووحشية، وليس هناك استغلال لطاقة الشباب أكثر بشاعة مما نشهده على أيدي هذه العصابة المتاجرة بكل أنواع الممنوعات وأهمها سلعة الضلال والتضليل.

باتت سهولة تنقّل الخليجيين بين دول مجلس التعاون من الوسائل التي يستخدمها الإرهابيون لتحريك عناصرهم وتمويه وجهاتهم، جاعلين من مكسب كهذا يقرّب بين الشعوب والمجتمعات حركة مشوبة بالارتياب ومحفوفة بالهواجس الأمنية. ذاك أنها سهلت لأشخاص كثيرين إخفاء آثار ذهابهم إلى سوريا أو العراق ثم العودة منهما وقد أصبحوا مجرّد أدوات مصنّعة للقتل وقنابل موقوتة جاهزة تنتظر من يضغط على الزر لتفجيرها. لا يمكن لأي جهاز أمني أن يحيط وحده بكل جوانب هذه الظاهرة المقضّة للمضاجع، فهي بطبيعتها تضع الجميع دولةً ومجتمعاً وأسراً ومساجد ومدارس أمام مسؤولية لم يعد ممكناً التملّص منها.

ماذا قال ذوو التونسي سيف الدين الرزقي وأصدقاؤه بعد اكتشافهم أنه هو مَن ارتكب مجزرة السياح الأجانب على شاطئ أحد فنادق سوسة. كانوا مصدومين جميعاً ومستغربين، إذ لم تُعرف له معاناة شخصية، ولا كان يناقش أو يبدي آراء معينة، ولم يُظهر ما يثير الشكوك، بل على العكس كان من المتحمّسين لكرة القدم ومن هواة الموسيقى والرقص. قال عمه إن سيف "وقع ضحية"، ملقياً اللوم أولاً على المكان الذي قصده لتلقي العلم -مدينة القيروان- التي أصبحت معقلاً لـ "جماعة أنصار الشريعة"، وثانياً على "الإنترنت" التي يبدو أنه اصطيد من خلاله فإذا بموقع التجنيد يربطه بأشخاص سلبوا عقله وأدخلوه حياة ثانية موازية لتلك التي يعيشها بل استطاعوا إقناعه بإخفاء أنه صار "خلية نائمة" متحركة. كشف تشريح جثته وجود كمية من المخدرات في دمه، ولا يمكن لإنسان ارتكاب تلك المجزرة إلا إذا كان قد تحوّل إلى "روبوت" يعمل بما بُرمج عليه ويخلو دماغه المصطنع من أي روادع، يصبح البشر أمامه أهدافاً ينبغي قتلها، ولا مجال لديه للتفكير بأبناء بلده الذين يعوّلون على الموسم السياحي لمواجهة تكاليف العيش. هو استفاد أيضاً من الحرية الملازمة للاصطياف والسياحة، فليس متصوَّراً أن يكون في مستطاع أي بلد أن يجرّد جيشاً لحماية السياح.

أما في فرنسا فتوصل المحققون مع ياسين صالحي إلى أنه نفّذ "التعليمات الجهادية" بحذافيرها، فهو كان يمكن أن يكتفي بقتل مدير المصنع الذي يعمل فيه، وقد فعل، لكنه تعمّد ذبحه وقطع رأسه كما لو أنه "التوقيع" المطلوب من التنظيم، حتى إنه أرسل صورة "سيلفي" له مع الرأس المقطوعة. كان يعتزم تفجير المصنع لكنه أوقف في اللحظة الأخيرة. ما المصلحة التي حققها التنظيم من عملية كهذه؟ الأرجح أنها الإرعاب، وكذلك إبلاغ السلطات بأن نماذج من الذبّاحين الذين يظهرون في الأشرطة على "يوتيوب" صارت متوفرة على الأراضي الفرنسية. ومنذ الهجوم على مجلة "شارلي إيبدو" اتخذت باريس كل الإجراءات التي تخطر على البال، لكن التنظيم وجد الثغرة التي ينفذ منها عبر هذا القاتل المعدّ مسبقاً. وبديهي أن مجزرة سوسة وجريمة ليون (فرنسا) أنذرتا جميع المعنيين بمكافحة الإرهاب في مختلف الدول بأن "داعش" تعولم واخترق الأطواق الأمنية التي نصبت لاعتراضه، بل إن الأجهزة مصدومة بوجود أعداد من الذين سافروا إلى سوريا لـ «يتدعشنوا» ثم عادوا وذابوا في خلاياهم من دون أن تعرف بأمرهم وتضعهم في إطار الشبهات.

هكذا أصبحت مطاردة "الذئاب المنفردة" مهمة جديدة للسلطات في كل مكان، لكنها بالغة الصعوبة وغير مضمونة النتائج. فهذه الظاهرة لا تضغط فقط على أجهزة الأمن بل باتت تقضم من أمان الناس وحرياتهم، فحيثما حلّوا سيجدون إجراءات لا حدّ لها. وهي لا تعزز التشدد الأمني فحسب بل تدفع باتجاه تشديد التشريعات، لأن السلطات لم تعد مستعدة لانتظار الفعل بل تريد استباقه وإجهاضه بجلب أي مشتبه به، ومع ذلك لا يمكن التحوّط من أي قاتل مهووس يخرج صباحاً من بيته العائلي إنساناً عادياً ليُفاجأ أهله قبل سواهم بأن وحشاً بشرياً كان يعيش بينهم تحت سقف واحد. أكثر من جريمة قتل جماعي عرفتها الولايات المتحدة، وآخرها في كنيسة تشارلستون (ساوث كارولينا)، بدوافع عنصرية أو غيرها، لكن هذه نماذج معزولة لا تربط بينها «عقيدة» ولا يخضع منفذوها لتدريبات ممنهجة يعتقدون أنها تقودهم سريعاً إلى الجنة.

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة