آن أوان عواصف الحزم مع إيران

تركت جانباً تقيتها الدينية والسياسية، وراحت تكشف عن أطماعها الحقيقية في احتلال الحرمين بالمملكة السعودية.

الجمعة، 27-03-2015 الساعة 13:00


تغوّلت إيران وتجبّرت وطغت، حتى ظنّت أنها بلغت الدرجة التي وجب على العرب والمسلمين أن يخضعوا لجبروتها ويستسلموا لطغاتها وبغاتها، حتى وصل بها الحال إلى أن تركت جانباً تقيتها الدينية والسياسية والدينية، وراحت تكشف عن أطماعها الحقيقية في احتلال الحرمين بالمملكة العربية السعودية.

كل الخبراء، ونحن منهم، دائماً يؤكدون أن إيران ستغرق في بصقة من دولة عربية مثل السعودية، لو قررت أن تبصق على المشروع الصفوي الإيراني الذي صار على حدودها من اليمن عبر الحوثيين، ومن العراق عبر شيعة خامنئي، وحتى بتنظيمات متشدّدة مثل "داعش" التي تكنّ العداء للسعودية أكثر بكثير جدّاً من إيران.

لقد صار تنظيم "حزب الله" أكبر من دولة لبنان، والنصيرية الذين سمتهم فرنسا "العلوية" في سوريا تجاوزوا كل الحدود القانونية والأخلاقية في التعامل مع السوريين عموماً وأهل السنّة بصفة أخص، أما اثناعشرية العراق فشأنهم لا يختلف عما عليه شأن نظام الأسد في حروب إبادتهم لسنّة بلاد الرافدين.

الحوثيون بدورهم وصل حالهم إلى أن انتفخت أوداجهم بسبب دعم عصابات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، الذي انقلب على السعودية مع أنها آوته وعالجته وأنقذته من مخالب الثورة بمبادرة خليجية تحفظ اليمن من الحرب الأهلية، غير أنه غدر بها ووضع يديه في أيادي الحوثيين، الذين كان يزعم من قبل، أثناء وجوده في الحكم، بأنه يحاربهم، ولكن تبيّن لاحقاً أنه كان يتدرّب معهم على لحظة يصل فيها الحوثيون إلى العاصمة اليمنية صنعاء.

لقد تباهت إيران بعصاباتها ومليشياتها، وصارت تتبختر وتجالس الكبار وتفاوضهم على مشروعها النووي، وحتى المنوي أكرمكم الله، وكل ذلك يجري على حساب العرب في سوريا والعراق ولبنان واليمن والأحواز، بعدما نجحت في أن تستغل التشيّع وتشعل المنطقة بحروب طائفية، يقتل فيها العربي الشيعي مواطنه العربي السنّي، ويجري تدمير أوطانهم، وكل ذلك لمصلحة إيران التي تدرك تماماً أنه إذا لم تدمّر خصومها فسيدمرونها.

لذلك لجأت إلى هذه الحروب الاستراتيجية الاستباقية بالتعاون الخفي مع الكيان العبري، الذي بدوره على يقين أنه لا يمكن لـ"إسرائيل" أن تستمر في عمق العالم الإسلامي إلا بتدمير دول جوارها وتحويلها إلى مجرد "كنتونات" متصارعة فيما بينها؛ طائفياً وعرقياً وقبلياً ومذهبياً ودينياً، وهو ما حقّقته لها إيران في سوريا ولبنان، وتعمل على أن تحقق ذلك في مصر والأردن لاحقاً.

الحوثيون أقنعوا أنفسهم بأنهم سيطروا على اليمن، وصاروا يعقدون الصفقات تلو أخرى مع سادتهم في طهران، وراحوا يسوّقون للعالم أنهم الشعب اليمني، وما قاموا به هي مجرّد ثورة شعبية ضد نظام الرئيس هادي. وتحالف بلا شك حوثية طهران مع أزلام صالح الذي يقود ثورة مضادة ستدمر عروبة اليمن وتلحقه كمحافظة جديدة خاضعة وخانعة لمرشد الثورة الخمينية.

لا يمكن التعامل مع مليشيات إيران بالحوار السياسي ولا الديني ولا الوطني، فهم بلغوا البعض من مرادهم بقوة السلاح، ولا يمكن أن يردعهم غير السلاح المضاد، وهذا ما أيقنت به المملكة العربية السعودية فأعلنت النفير ضد معاقل الحوثي من خلال عاصفة الحزم، وسبق ذلك أن تدخلت قوات درع الجزيرة في البحرين، وبذلك ثبت بالبرهان أن حماية الأوطان العربية من مليشيات إيران تكون بالقوة العسكرية فقط دون غيرها.

لقد جاءت هذه العاصفة في وقتها لتنقذ عدن من السقوط تحت حوافر الحوثيين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تضع حدّاً لتقدمهم نحو الحدود السعودية وهذا أخطر ما يمكن أن يواجه بلاد الحرمين عندما تصير على حدودها دولة فاشلة تسيطر عليها مليشيات فاشية تتبع لدولة تبني مشروعها على المنطق الفاشي بكل ما تحمله الكلمة من معاني.

يجب أن نفهم أن وضع إيران الداخلي مهترئ للغاية، وسهل تحريك مياهه الراكدة بما سيغرقها في صراعات مدمّرة لكيان حكامها من المعمّمين وخريجي الحوزات المتطرفة، ويكفي أن الحراك الأحوازي والبلوشي، وحتى المعارضة الإيرانية المناهضة لحكم الملالي، لو تجد من يدعّمها ستفكك جغرافية إيران غير المتجانسة أصلاً، وبذلك تكفي المنطقة العربية شرورها العابرة للحدود.

أجزم أنه لو يدعّم العرب الأحوازيين سيكونون وحدهم الحصن المنيع الذي سيتصدى ويدمّر بعقر الدار كل مخططات الفرس في استعادة أمجاد إمبراطوريتهم التي أنهاها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

لكن إشعال الحروب الطائفية النجسة، في الدول العربية عموماً والسنّية تحديداً، سيشغلها عن التحرّك داخل الجغرافية التي وضعتها إيران لكيانها، فالمنطق الذي يتعامل به الملالي هو إشغال الآخرين بأنفسهم قبل أن يشغلوا الدولة الفارسية بنفسها.

عاصفة الحزم لا يجب أن تقتصر على غارات جوية، بل يجب أن تتجلى في دعم القوى السنّية على الأرض بالمال والسلاح، فالحوثيون يحتاجون إلى من يطاردهم بريّاً ويعيدهم إلى جحرهم في دماج كمدنيين، بعد نزع سلاحهم بصفة نهائية، فبقاء بندقية واحدة مع حوثي واحد ستجعله يعود مرة أخرى إلى عادته القديمة ما دامت إيران مستقرّة وتدعّم كل من يخدم مشروعها، ولو على حساب مواطنيها الفقراء والحقراء.

هذه العاصفة يجب أن تتعدّد وتتمدّد وتتشدّد وتتجدّد، حيث نشهد عاصفة حزم في سوريا، وأخرى في العراق، وثالثة في لبنان، وأيضاً في الأحواز، وبذلك ستضطر إيران إلى العودة لداخل حدودها لحماية وجودها، وستتخلّى حتماً عن كل شيعتها وتتركهم يواجهون مصيرهم، وحينها سيدرك شيعة العرب أنهم مجرد وسيلة عابرة لمشاريع غابرة سيكونون أولى ضحاياها إن أعلنت إيران إمبرطوريتها الفارسية لا قدّر الله.

بلا شكّ أن عاصفة الحزم بقيادة السعودية تأخرت نوعاً ما، ولكن المهم أنها جاءت وفي وقت حساس للغاية، نشهد فيه تقدم قوات المعارضة السورية، حيث كبدت قاسم سليمان الكثير من الهزائم والخسائر، وفي العراق نجد قوات الحشد الطائفية تتلقى ضربات موجعة حتى وإن كان كثيرها من تنظيم "داعش"، ولكن في النهاية تبقى إيران هي الخاسر الأكبر في حربها الباطلة.

أما في لبنان الذي يسيطر عليه تنظيم إيراني يسمى "حزب الله"، فالظروف مهيأة جداً للشعب اللبناني كي يتخلص من مليشيات حسن نصرالله الإرهابية التي تغرق حالياً في المستنقع السوري، وتتكبّد الكثير من الخسائر التي فضّلت أن تخفيها وتشيّع قتلاها في صمت وسرية.

بالنسبة لدولة الأحواز العربية، بدورها لم تعد القضية منسيّة كما كانت، بل نشهد الآن اهتمام الإعلام العربي عموماً والسعودي بصفة أخص، بها، كما أن الحركات التحررية صارت لها أجنحة مسلحة، وعلى رأسها حركة النضال العربي لتحرير الأحواز، التي نجحت في توجيه ضربات موجعة لإيران، سواء فيما يخص العمل الثوري الميداني داخل بلادهم المحتلّة، أو من خلال نشاطاتها في كل أنحاء العالم.

هذه هي الحقيقة بالرغم من تجاهل الإعلام الإيراني لحراك الأحوازيين الذي يعيش أزهى مراحله، رغم مرور أكثر من ثمانين عاماً على احتلال الأحواز، حيث مارست فيه إيران كل أنواع العنصرية لاجتثاث الهوية العربية، غير أن ذلك لم يحدث، فقد حافظ الأحوازيون على هويتهم، ولم تنجح حتى في احتواء كل الشيعة الأحوازيين، الذين يقاوم كثيرهم الاحتلال الفارسي، أما بالنسبة لمحو السنّة فهي لم تفلح، بل إن عدد شيعة الأحواز الذين تسنّنوا وتخلّوا عن تشيّعهم فاق كل التوقعات.

أما على المستوى الدبلوماسي، فإيران تواجه تحديات دولية كبرى فيما يخص مشروعها النووي، مع أن أمريكا أوباما قدمت لطهران ما لم يحلم به الخميني ولا خامنئي، إلا أن ذلك سيطير بمجرد أن ترى أمريكا أن زمام المبادرة تعود للدولة السنّية من خلال المقاومات التي تشتعل في كثير من دول تمكّنت إيران من بناء كيان لوجودها.

طبعاً أمريكا دينها هو مصلحتها، وحيث تدور المصالح تغيّر قبلتها، من دون أدنى تردّد، وهذا معروف في تاريخ كل الإدارات الأمريكية التي تردّدت على البيت الأبيض، فمن تحاربه واشنطن اليوم قد تتحالف معه غداً والعكس صحيح أيضاً.

لقد آن الأوان لعواصف الحزم ضد إيران أن تشارك فيها كل الدول العربية والإسلامية بلا استثناء ولا تردّد ولا تبريرات واهية عفى عنها الزمن، كما فعلت الجزائر مؤخراً للأسف الشديد، وبررت ذلك بأن الحل يكمن في الحوار السياسي بين الفرقاء في اليمن.

طهران لا تؤمن بالحوار ولا بالتعايش ولا بالتسامح بين المذاهب والأعراق والديانات والقوميات، فهي دولة عنصرية دينياً وسياسياً وقومياً، لا ينكس رايتها سوى فوهات البنادق وليس لقاءات الفنادق.

لا يجب أن يقتصر أمر عاصفة الحزم على اليمن، بل وجب أن يحدث ذلك وبسرعة في كل من سوريا والعراق ولبنان وبصفة مستعجلة، فإن نهاية المشروع الصفوي الفارسي العنصري الإيراني سيكون فعلياً بنهاية حوثية اليمن ونصيرية سوريا واثنا عشرية العراق، ثم تحرير الأحواز والبلوش، ومحاصرة المدّ الشيعي في دول المغرب العربي الكبير وعبر كل القارات.

بلا شك أن عاصفة الحزم رغم كل ما قيل فيها من طرف المغرضين والمشكّكين والمتصفونين العرب خاصة، إلا أنها ضرورية ولا خيار استراتيجي آخر سوى دعم السعودية التي فتحت عهدها الجديد برجال حكمها الجدد مرحلة جادة في مواجهة المشروع الصفوي الإيراني، الذي يفصله عن مكة المكرمة والمدينة المنورة مسافة تقدر بعدد العواصم العربية، وقد سقطت منها أربع عواصم لحدّ الآن.

لقد التقيت مع مفكرين وأكاديميين وعلماء ودعاة وإعلاميين ومسؤولين في السعودية، ووجدتهم جميعاً على قلب رجل واحد فيما يخصّ مواجهة إيران التي لن يردعها التعقّل ولا الهدوء من دون حزم وعزم، تجلّى أخيراً بامتياز في دكّ معاقل الحوثيين باليمن.

لا نفرط في التشكيك، كما لا نبالغ في التفاؤل، ولكن يجب أن نكون واقعيين، ومن أصدق صور الواقعية أن ندعم بكل قوتنا أي ضربة عسكرية ضد مليشيات إيران الإرهابية، سواء في اليمن أو غيره، ويكفي ما رأيناه من خلال تصريحات المسؤولين في إيران وما تنقله وسائل إعلامها، حيث بدأت تظهر الليونة والدعوة للحوار والتعقل، بعدما كان ذلك آخر ما يفكر فيه هؤلاء، وبلغت بهم العنجهية حدّ توزيع أرقام محافظات على دول عربية ذات سيادة.

وطبعاً أول غيث الحرية قطرة من الحزم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة