أجيال حائرة في المنعطف

لا يعيش الخليج منعزلاً عن حركة العصر ومتغيراته، بكل ما في المرحلة من فرص وتحديات، أو مكاسب ومخاطر.

السبت، 09-05-2015 الساعة 10:06


لا يعيش الخليج منعزلاً عن حركة العصر ومتغيراته، بكل ما في المرحلة من فرص وتحديات، أو مكاسب ومخاطر. ومن ينفذ ببصره إلى أعماق الحالة الثقافية والفكرية والاجتماعية الراهنة في الخليج وعالمه العربي والإسلامي؛ لن يسعه غض الطرف عن ملامح التحوّل الكبرى التي تجري بصمت أو ضجيج في هذه اللحظة التاريخية.

تراكمت العوامل المحفزة على التحوّل الذي يخامر نقلة الأجيال الراهنة التي تواكبها متغيرات متسارعة. فالعولمة تفرض سطوتها، ومجتمع المعلومات يرسم شروطه، وآفاق التواصل تتجاوز الحدود. وفي ظلال المشهد تأثيرات شتى تتفاعل في الثقافة والاجتماع، ولا تتوانى عن جرف ثوابت عالقة في طريقها.

يميل التفكير البشري في منطقِه الراهن المُعولَم إلى النسبية ونبذ المطلق والاستعلاء على المقدس، وتستهويه الظواهر المعبِّرة عن سيولة القيم والتذمر من الثبات. هو منطق صاغته الاتجاهات الفلسفية الغربية في الأساس، بما تملكه من تأثير طاغ في فضاءات الفكر والثقافة والفن، فهبط المنطق بلا مناقشة عميقة على أمم الأرض، بما فيها النطاق الخليجي والفضاء العربي الإسلامي ككلّ.

إنها النسبية المفضية إلى العدمية، فالتسليم بمنطقها لن يُبقي حجراً على حجر، فلا ثابت معها ولا مُطلق، حتى إنها أعادت تعريف النُّظُم والقيم، فافترق معها الدالّ عن المدلول. إنها من ملامح نزعة ما بعد الحداثة، التي تنثر الشكوك في طريقها، وتستهوي إخراج الأشياء من معانيها، فبلغ الأمر حدّ تفكيك الأواصر الإنسانية بمفاهيم وتطبيقات جديدة عن الزواج والأسرة، والذكورة والأنوثة، فرضخت لها مواثيق النظام الدولي وأدبياته، وتجاوبت معها الأنظمة التشريعية في أقاليم شتى حول العالم.

ليس الخليج معزولاً عن هذه التفاعلات وإن لامسها بتجليات مغايرة، وهذا ما يفرض الوعي بها وصياغة خيارات التعامل الرشيد معها. صحيح أنّ الخليج وأمّته يقفان على أرضية عقدية ثابتة؛ لكنّ اتجاهات المراجعة والتفكيك لا تتوانى عن نبش الملفات، نبشها جميعاً على نحو غير مسبوق في طرائقه ووسائطه التي لن تترك ثابتاً ولن تحترم مقدساً.

لم تعد المجتمعات مسوّرة، فهي تفقد مركزية البث والتلقين والتلقي. ولكلّ فكرة أو نزعة فرصة غير مسبوقة في التعبير عن ذاتها وحشد مريدين حولها، مهما بدت هامشية أو معبِّرة عن "أقلية". يسري هذا على الآراء والأفكار والمذاهب التي كان يُحسَب أنها تمثل هوامش وأقليات، فكثير منها يسجِّل حضوراً غير مسبوق تقريباً ويرفع رأسه ويحشد قواه ويتفاعل بالصوت والصورة. يضمحلّ المركز وتتفكك الأنساق الجامعة في عمليات متسارعة من التفكيك وإعادة التركيب، تكتشف معها المجتمعات أنها لا تقف على أرضية قيمية أو معنوية ثابتة بكل ما يستثيره هذا من حيرة وقلق.

إنه موسم مديد يخالجه تحطيم المرجعيات، والإطاحة بالتاريخ، ولن تبقى معه قامة ولا هامة دون سهام تستهدفها أو معاول تلاحقها، بل سيطيب لبعض الطامحين أو المغامرين خوض هواية تدنيس المقدس وتشويه المكرّم، وسيجدون من يغدق عليهم أوسمة الفخار وألقاب التكريم، أو من يتابعهم في فضاءات التواصل ويكيل لهم المديح.

تتوالى إشارات وقرائن عن ظواهر استجدّت، وسيول تمضي بين الأقدام، وهزّات فكرية تعصف بالشباب، وحيرة تجتاح الكبار، واضطراب في صفوف المثقفين، وارتباك في تفاعل العلماء. كلّ هذا رغم أنّ الجولة ما زالت في بدايتها، مع أولى ضربات المعاول.

من المرجّح أنّ الوعي الجمعي لم يتهيّأ لاختبارات كهذه، وأنّ مناهج التعليم القائمة على حشو الرؤوس لم تمنح الأجيال القدرة على الإجابة عن الأسئلة واجتياز المنعطفات الحادة، وأنّ صفوة المجتمعات مسكونة بالعجز والكسل، وأنّ أهل الرأي والنظر والعلم والفكر متكئون على الأرائك ولم ينهضوا بمسؤولياتهم بعد.

ينبغي الاعتراف بحاجة الأجيال إلى ما يجدد ثقتها بالمقدسات وبالثوابت في زمن الشكوك، وإلى ما يعزز إيمانها بالقيم وبالمبادئ في موسم السيولة، وإلى ما يضع عنها إصرها والأغلال التي راكمها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

إنه وقت الإقرار بحاجة الأجيال للانعتاق من منطق طابور الصباح وتحية العلم الرتيبة وتقديس مقولات القيادة المحلية، على أن يجري تمكينها من إدراك عيشها في واقع لا يعترف بأسلاك الحدود أو بطقوس التجزئة. ولا يصح تنزيل مطالب المراجعة والتجديد على الخطاب الديني وحده، الذي يريده بعضهم مشجباً يحتمل الأوزار جميعاً.

يبقى أنّ متغيرات العصر لا تحفل بالتحديات والمخاطر وحدها؛ بل تختزن المكاسب والفرص أيضاً، بيد أنها مرصودة لمن يتقن الإبحار وسط الأمواج المتعالية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة