أحزاب (الله) والمأزق السعودي ٢/١

يرى الأمين العام لحزب (الله) اللبناني حسن نصر الله أن السعودية تتحمل اليوم المسؤولية الأكبر في محاربة فكر تنظيم "الدولة الإسلامية".

الاثنين، 03-11-2014 الساعة 09:16


يرى الأمين العام لحزب (الله) اللبناني حسن نصر الله أن السعودية تتحمل اليوم المسؤولية الأكبر في محاربة فكر تنظيم "الدولة الإسلامية" باعتبارها مركز نشوء السلفية الوهابية.

ولنكون أمناء على قواعد البحث العلمي، علينا أن نوافق على أن ذلك يحمل جزءاً من الحقيقة، ولكن من زاوية غير الزاوية التي نظر إليها حسن نصر الله، فالمملكة الخليجية التي تطفو على آبار النفط ورمال الصحراء وتنفرد برمزية الحرمين الشريفين، تبنت الفكر السلفي في بداية مشوار قيام دولتها الحديثة، واستفادت منه في جمع أهل الديار حولها على قضية مركزية ورفعت شعارات (الإسلام السياسي) للوصول إلى توحيد أطراف ما كان يسمى (مشيخات نجد والحجاز) وصار يعرف اليوم باسم المملكة العربية السعودية، وكانت تلك السلفية في بدايتها دعوة تغييرية إصلاحية، وإن مارست القوة في حدود وأزمنة معينة -مفرطة أحياناً-.

ونتيجةً لاستقرار الدولة السعودية وسعيها لبناء وضع داخلي هاديء بما يناسب دولة يعتمد اقتصادها على استخراج وتصدير النفط بالدرجة الأولى، وحاجتها إلى بناء سياسة خارجية غير صدامية مع المحيطيْن الإقليمي والدولي، فقد غيرت المملكة من استراتيجتها وفكت الارتباط مع الإسلام السياسي، وجاء هذا التوجه نتيجةً لضغوط خارجية دولية، وأخرى داخلية سببته الزيادة والتمدد والتغيير في الأسرة الحاكمة، مما أدى إلى تعدد دوائر الرأي والقرار داخل منظومة الأسرة الحاكمة، أضف إلى ذلك عامل ظهور السلفية الجهادية العالمية كعامل يشكل قلقاً وضغطاً على الوضع الداخلي السعودي من جهة، والتخوف من أن يُحسب هذا الخط عليها دولياً -خصوصاً مع ظهور مصطلح ومنظومة محاربة الإرهاب- من جهة أخرى، مما حدا بها إلى تفكيك وتغيير طبيعة هذه العلاقة.

الإشكالية هنا تكمن حسب رأي بعض المحللين والخبراء، في أن الحكم السعودي لم يراعِ الحاجة الطبيعية لشعوب المنطقة في مناهضة العدوان والاحتلال والطغيان، في منطقة مضطربة تشهد اختلالاً في الموازين، فبدأ بمحاربة كل الأفكار والدعوات السياسية والإصلاحية والجهادية ذات المرجعية الإسلامية السنية، ولم يكتف بذلك بل دعم قيام حركات (سلفية المظهر) أنشئت لتقدم رؤىً وحلولاً تنتحر عندها الكثير من تساؤلات وطموحات الشباب المتحمس، وجاء قيامها لتشكل موازناً دعوياً في مقابل النماذج التغييرية، والسلفية الجهادية منها على وجه الخصوص.

أتى هذا الأمر بآثارٍ سلبيةٍ جعلت بعض الشباب في هذه المنطقة من العالم يتوجهون للانضام إلى أو تبني طروحات الحركات الأكثر تشدداً في ظل الشعور بالإهانة والطغيان وانعدام البديل التحرري والإصلاحي المعتدل.

نعود إلى خطاب نصر الله، إذ قال: "لا يكفي أن يؤسسوا تحالفاً دولياً لتأتي جيوش العالم لتقاتل تنظيم "الدولة"، في البداية -وهذا خطاب للكل-: "أغلقوا المدارس التي تخرج أتباع هذا الفكر الداعشي"، ولكنه لم يقل لنا لماذا تتحمل المملكة مسؤولية أفكار وأفعالٍ وتنظيمات لا تتبناها بل تعلن استنكارها ومحاربتها ليل نهار!، بل إن الأخبار تواترت أن الكثير من المطلوبين للقضاء السعودي، أو الذين يطاردهم من أتباع هذه التنظيمات قد مروا أو أقاموا -وبعضهم من المرجّح أنه ما زال يقيم- في إيران وهي الراعي الرسمي لحسن نصر الله، في حين هو يتجاهل أن النسخة الأخرى من الإرهاب والتكفير هي التي يتبناها حزبه ومليشياته بالذات، ومعه أكثر من أربعين حزباً ومليشيا تتحرك اليوم بحريةٍ وتجاهل دولي بين البحرين الأبيض والأحمر، وتحتويها وتشرف عليها وتخطط لها دولة الولي الفقيه في طهران، بل قد تكون هذه النسخة أشد ضرراً وأعظم خطراً من تنظيم "الدولة"، وذلك للبراغماتية التي تتميز بها عنه كمظهر من مظاهر التقية التي تمارسها كمعتقد راسخ في وجدانها، وللتماهي والتخادم مع مشاريع القوى الدولية على حساب مصالح وقيم وأعراف المنطقة، فإن كان تنظيم "الدولة" يقطع الرؤوس فهم زادوا على ذلك استعمال المثاقب لثقب الأعضاء والرؤوس، وماء النار والبنزين لحرق جثث ضحاياهم، وإن كان التنظيم يترك الجثث على قارعة الطريق فإنهم يعلقون جثث ضحاياهم على الأعمدة، وإن كان التنظيم لا يفرق في تفجير ما تصلها يديه من المساجد التي تحتوي القبور سنيةً كانت أم شيعية، فإن مرتزقة المليشيات يفجرون كل ما تصل إليه إيديهم من مساجد (ولكن سنية فقط) سواء حوت القبور أم لا، وما تركوا طريقةً للإمعان في إيذاء وترهيب خصومهم إلا اقترفوها، مما لم يعد هناك حاجة للتدليل عليه لاشتهاره وتنديد المنظمات الدولية به.

وأما في مسألة التكفير، فإن فريق طهران يقابل تكفير التنظيم بتكفير أشمل وأوسع زماناً ومكاناً وأفراداً وجماعات، فهم يكفرون كل من لا يؤمن بمبدأ النص على إمامة الأئمة الاثني عشر، وذلك يشمل كل أهل السنة والجماعة من أبي بكر وعمر وبقية الصحابة وإلى آخر سني على وجه البسيطة، إذ كل منكر للنص على الإمامة خائن ومرتد، والروايات الشيعية في هذا الباب كثيرة منها ما رواه الكلیني عن الباقر قوله: "المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا . وأشار بيده . ثلاثة". (الكافي 2/244). وكذلك الاختيار في معرفة الرجال للكشي (ص 5-10).

ولا تكتفي رواياتهم التي ينسبونها لأهل البيت عليهم رضوان الله بالتكفير، بل تدعو إلى القصاص من أحفاد الصحابة، وترسيخ ذلك في العقل الباطن عبر رفع شعارات من قبيل (يا لثارات الحسين).

وكما قال سلفه -المالكي- قبل عامٍ من الآن، فإن رئيس وزراء العراق الجديد حيدر العبادي أعاد الكلام في رسالة له بمناسبة أيام محرم وعاشوراء عن أتباع الحسين وأعداء الحسين -وهو وصف يشمل كل مطالب بحقوقه ورافض لسياسات الحكومة الطائفية- مع أنه ليس بيننا اليوم أحد من قتلة سيدنا الحسين ولا حتى من أحفادهم!!.

ولا يتوقف أمر القصاص عند هذا الحد، بل يتعدى حتى إلى الموتى، عبر نقل روايات تأباها نصوص الشريعة والعقول السليمة معاً، من ذلك ما ينقله المجلسي عن جعفر الصادق زعمه خروج المهدي، ونبش قبري أبي بكر وعمر وإحيائهما، لمحاكمتهما على الجرائم المزعومة فيقول: "... كل ذلك يعدده عليهما ويلزمهما إياه فيعترفان به، ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر ناراً تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحاً فتنسفهما في اليمِّ نسفاً" بحار الأنوار ج: 53 ص: 12.

ومن عجيب ما ظهر هذه الأيام ما جرى قبل شهور في النجف، من محاكمات أسموها "تأريخية شعبية"، من بينها محاكمة قتلة سيدنا زيد بن علي التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، في خطوة تجمع بين الفكاهة والمأساة والعقد التأريخية المتأصلة.

هل يحق بعد كل هذا لحسن نصر الله بالذات أن ينتقد المملكة ويطالبها بمعالجة مسألة الغلو والإرهاب!!؟

وإن افترضنا أن فعلت السعودية ذلك واستطاعت التغلب على ظواهر الغلو والتشدد في شقه السني، فمن الذي سيعمل على تجفيف المنابع حول الغلو والتشدد والإرهاب في شقه الشيعي؟!

ومن الذي سيتحمل المسؤولية الأكبر في محاربة الفكر المتطرف والإرهاب الذي تمارسه كل المليشيات و"أحزاب الله" الشيعية التي احتكرت الله ودينه حتى عبر أسمائها وشعاراتها، ومن الذي سيغلق المدارس والحوزات التي تخرج أتباع هذا الفكر الصفوي الثيوقراطي، ويغلق "أبواب التكفير والحكم على الناس لأنهم مشركون لأدنى الأسباب"!!؟

متى بدأ المأزق السعودي؟ وأين يكمن في مقابل مشروع أحزاب الله؟ وما هي أبرز مظاهره وآثاره؟ هذا ما ستتم الإجابة عنه في القسم الثاني من المقال، وهو الأهم.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة