أحزاب (الله) والمأزق السعودي 2/2

المأزق السعودي لم يظهر جلياً ومهدداً لكيان المملكة كما ظهر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعياته.

الاثنين، 10-11-2014 الساعة 18:55


ربما الأصعب لم يواجه المملكة العربية السعودية بعد، وفي إجابتنا عن الأسئلة التي طرحناها في آخر فقرة من القسم الأول من المقال فإننا نشير فقط إلى الوضع المعقد والمأزق الصعب الذي وجدت المملكة نفسها فيه، في ضوء المتغيرات المتسارعة التي تموج حولها من كل جانب، وسنأتي إلى القراءة المستقبلية في موضوع منفصل لئلا يطول بنا المقام كثيراً في هذا المقال.

هذا المأزق ربما تشكل قبل عقود، وترجع بداياته إلى التغير الذي حصل في السياسة الخارجية السعودية والتراجع عن خطها بعد اغتيال الراحل فيصل بن عبد العزيز، وهو الملك الذي تبنى بوضوح كل قضايا الأمة وقرَّبَ قادة الحركات الإصلاحية ومفكريها، وكان في نظر الكثيرين يمثل قيادةً ناضجة لمشروع جامعٍ للأمة، وربما هذا ما عجل بقتله، ولعل الله تقبله شهيداً كما تمنى في خطاب له بعد حادثة حرق المسجد الأقصى الشهيرة قبل أكثر من أربعة عقود.

ولكنه؛ أي المأزق، لم يظهر جلياً ومهدداً لكيان المملكة كما ظهر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعيات هذا الاحتلال الذي كانت المملكة راضيةً عنه ومساهمة فيه، بحدود معينة، ويبدو جلياً اليوم أنها لم تحسب حساباتها حوله بصورة دقيقة، ثم توالت الأحداث والمواقف متسارعةً لتزيد المأزق حرجاً يوماً بعد آخر، وتُظهر المملكة وهي تستنزف طاقاتها وعناصر قوتها في الميادين الخطأ.

هل كان رهان المملكة بربط برامج ووسائل معالجتها لملفات المنطقة وسياستها الخارجية عموماً بالرؤية الأمريكية رهاناً خاطئاً؟ يبدو أن ما آلت إليه الأحداث في العقد الماضي، والسنوات الثلاث الأخيرة منه تحديداً، ستوصل أغلب التيارات داخل مؤسسة الحكم ودوائرها السياسية في المملكة إلى هذه النتيجة، فبعد كل هذه السنوات من العلاقة المميزة والتنسيق عالي المستوى (!!) مع البيت الأبيض تجد المملكة نفسها محاصرةً بأحزاب الله اليوم؛ من جهة اليمن الذي يتهيأ حزب أنصار (الله) فيه لتوجيه بندقيته إيرانية الصنع إلى رأس المملكة، بعد أن زُرِعت بندقيتا أحزاب (الله) في العراق والشام في خاصرتيها، ولا يوجد عاقل واحد يقبل بفرضية أن يحصل هذا التمدد لمشروع دولة الفقيه بدون الرضا الأمريكي، وربما كان الأمر أبعد من الرضا.

فمن الواضح أن من يقرأ الاستراتيجية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص، في القرن الماضي سيدرك أن سعي هؤلاء لزرع كيانٍ دخيلٍ (على أرض فلسطين) وإن كان شكل منطقةً عازلةً حالت دون أي شكلٍ من أشكال الوحدة بين دول المنطقة، إلا أنهم لم يستطيعوا رغم كل الضغوط المباشرة والممارسات الدكتاتورية التي تغاضوا عنها أن يأتوا بشعوب هذه المنطقة إلى بيت الطاعة الأمريكي، والقبول بالتطبيع التام مع قيم ومخرجات الثقافة الشعبية الأمريكية على حساب قيمهم وأعرافهم التأريخية، وهنا لا أتحدث عن الآليات والإجراءات الإدارية للعملية الديمقراطية، بل على العكس أظهرت شرائح واسعةٌ من هذه الفعاليات الشعبية صلابةً في التمايز الثقافي، رغم حالة الهزال التي تمر بها حكومات المنطقة مقارنةً بأممٍ أخرى أكثر مناعة، والدوائر الغربية قرأت هذا الصمود وما يمثله من خطر مستقبلي على الاحتلال في تل أبيب وعلى المصالح الغربية في المنطقة، وحتى على استمرارية بعضها كقوى جيوستراتيجية في ظل صعود واضح لبعض القوى الإقليمية والدولية وما تؤشره من متغيرات ستطرأ حتماً على خارطة القوى الدولية، مما فرض عليها أن تستعين بلاعبٍ آخر من المنطقة ولا تكتفي بتل أبيب، سعياً لخلط الأوراق فيها وإحياء الصراعات البينية واللعب بالأوراق العرق-طائفية، وإشغال شعوب المنطقة بهذه الصراعات عن التنمية والطموحات، وواضح أن إيران ستصبح شرطي الغرب على الخليج العربي والمحيط الهندي وتبقى تل أبيب شرطيهم على البحر الأبيض المتوسط، واللعب بشرطيين أنفع من شرطي واحد بالتأكيد.

مشكلة المملكة هنا لا تتوقف عند التمدد الإيراني وتناغمه مع المشروع الغربي فحسب، بل ما يكسبه هذا التمدد من ولاءات عربية - بعضها خليجية - تؤيده علناً أو خفية؛ فبعد تحرك قطر في مسارها الخاص خارج عباءة الدبلوماسية السعودية، ها هو عقد الدول الخليجية يكاد ينفرط في ظل الضغوطات الكبيرة والحسابات الشائكة ورياح التغيير العاتية التي تشهدها المنطقة، هل نتكلم عن الكويت التي صرح أميرها من طهران بأن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنه ئي هو مرشدٌ لكل المنطقة وليس لإيران فقط؟ وهو ما قرأته الأقلية الشيعية في الكويت ضعفاً وباتت وجوهها (كعبد الحميد دشتي) تطلق تصريحات نارية بخصوص ترتيبات المنطقة؟ أم نتكلم عن عمان التي باتت تمثل دور المحلل بين أمريكا وإيران، وهي التي مهدت للقاء المباشر بينهما في الجولة الأولى ثم الثانية التي تجمع اليوم بين وزيري خارجية البلدين تمهيداً للتفاهمات التي ستسبق اجتماع قوى (5+1) بخصوص الملف النووي الإيراني؟ أما ما فجره أكاديمي إماراتي معروف بقربه من ولي عهد إمارة أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، فذلك يشكل صدمةً حقيقيةً للدبلوماسية السعودية، وقد يسبب صداعاً كبيراً لها على المديين المتوسط والبعيد ويهددها وجودياً، فهي حقاً مفاجأة من العيار الثقيل عندما أعلن من واشنطن "أن الولايات المتحدة ستنسحب من المنطقة وستسلمها للإمارات وإيران باعتبارهما أبرز قوى بالمنطقة"، وأفصح الدكتور عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية "عن رغبة واضحةٍ في المطبخ الأمريكي بالابتعاد عن المنطقة وترك حل مشكلاتها العويصة للقوى المحلية، ولا بأس في قيام دولة كالإمارات بهذا الدور الإقليمي"، وذلك في إشارة إلى ما يعتبره تراجعاً لأهمية الدور السعودي، مشيراً إلى أنه خرج بتلك الاعتقادات بناء على معلومات تلقاها خلال مشاركته في عدة ندوات ومؤتمرات بمركز "ويلسون" للخبراء والمجلس الوطني للعلاقات الأمريكية الخليجية بواشنطن، هذه التصريحات يقرؤها البعض في سياق سعي إمارة أبوظبي للعب الدور السعودي بالمنطقة مدعومة من شريكتها الاستراتيجية إيران، فقد جاء في تصريحات سابقة لوزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد، خلال زيارة له لطهران قبل أشهر، أن بلاده تعتبر إيران "شريكاً استراتيجياً".. رغم أنها ما تزال تحتل ثلاثاً من جزر بلاده في الخليج العربي، ولا بأس أن ننقل هنا ما كشفه مصدر سياسي أمريكي، رفض الإفصاح عن اسمه، لـمنير الماوري مراسل "العربي الجديد" في واشنطن، حيث "أشاد بمسؤولي دولة الإمارات قائلاً: "أصدقاؤنا في دولة الإمارات أكثر عقلانية من بعض حلفائنا الآخرين في السعودية وإسرائيل وتركيا…" لنعرف أن المسألة جدية وأنها تطبخ على نار هادئة في المطبخ الأمريكي.

لا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى الداخل السعودي، فطموحات طهران في المنطقة لا تحدها حدود، ولا يشك عاقل أن لديها خلايا نائمة تعمل على ملفات متعددة لخلخلة الوضع وتوسيع الاختراق في الداخل السعودي، تمهيداً للانقضاض عليه بعد تقويضه من الداخل كما فعلت مع دول سابقة، وهي لا تخفي أن سقف طموحاتها يمتد حتى الهيمنة على الحرمين الشريفين، فبالإضافة إلى خلايا التخريب الأمني، فقد حذر خبراء عقاريون من مواقع إلكترونية مجهولة تعمل من خارج المملكة وتتوسط في بيع العقارات وشرائها داخل مدنها وخاصة في المدينة المنورة، وتتقاضى عن الصفقات التي تنفذها مبالغ مالية كبيرة تصل إلى ملايين الريالات (حسب صحيفة عكاظ)، وأكد الخبير تركي السهلي للصحيفة أن أولئك الوسطاء يحصلون بطرقهم الخاصة على أرقام هواتف أصحاب العقارات الراغبين في بيعها، وفي حال إتمام البيع يتم تحويل قيمها لهم مباشرةً أو عبر أبناء جلدتهم المتواجدين داخل مدن المملكة ودول الخليج، وناشد السهلي الجهات المختصة تتبع هذا الأمر الذي وصفه بالظاهرة الخطيرة، وتوعية المواطنين وتحذيرهم منها. وهكذا صار وضع المملكة اليوم يبدو كرجل وضعوا البنادق على خاصرتيه وأشهروا مسدساً على رأسه بينما قيدوا يديه (مجاله الحيوي الخليجي) وتهيؤوا لسرقة أعضائه الداخلية.

الأصعب الذي لم تواجهه المملكة بعد، يكمن فيما ستفضي إليه نتائج النزاع داخل سوريا ونتيجة المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، فلو حصل التوافق الدولي على إعادة إنتاج وتأهيل نظام بشار الأسد فإن ذلك سيزيد من المأزق السعودي ويقوِّي الدور الإقليمي لإيران، هذا الأمر لا يبدو مؤكداً لغاية هذه اللحظة على الأقل، ونتيجته تخضع لتنازعات قوى إقليمية ودولية، لكن الأمر مختلف فيما يخص مفاوضات الملف النووي الإيراني حيث بات في حكم المؤكد أن إيران ستتنازل عن أحلام السلاح النووي كما ورد على لسان مسؤوليها عشية لقاء مسقط، أو ربما توقفه لفترة ثم تواصل العمل به تحت الأرض، فوفقاً لوكالة "إرنا" الرسمية، فقد قال لاریجاني (رئيس مجلس الشورى الإيراني) في کلمة ألقاها السبت الفائت: إن "إيران لن تتجه نحو إنتاج السلاح النووي، وقد بینت هذا الأمر بشكل جلي… وهناك فرصة جیدة لتسویة هذه القضیة. أعتقد أن تسویة القضیة النوویة بإمكانها أن تؤثر في القضایا الإقلیمیة الأخری"، وهو هنا يلمح إلى المزايا والمكافآت التي سيحصل عليها في مقابل تخليه عن أحلام السلاح النووي، (وأذكر أنني قلت في لقاءٍ لي على إحدى القنوات المرئية قبل ست سنوات أن نتيجة الملف النووي الإيراني ستكون على حساب دول المنطقة في كل الأحوال في ظل انعدام مشروعها الخاص، فإن قدرة إيران على امتلاك السلاح النووي سيضيف عامل قوة لها وضغط أكبر على خصومها، كما أن قبولها بالتراجع عند حافة الهاوية - كما أتوقع - سيكون مقابل حزمة مزايا ومكافآت كبيرة ومؤثرة، وفي الحالين ستكون دول المنطقة - ودول الخليج على وجه الخصوص - هي الخاسر الأكبر).

يبدو أن الحكومة والدبلوماسية السعودية باتت تدرك أبعاد هذا المأزق الكبير، وصار الكتاب المقربون من هذه الدوائر يتكلمون بلغة مختلفة فرضها الواقع الجديد؛ فجمال خاشقجي يتحدث عن الخيارات الصعبة التي تواجه المملكة، وآخر يتوعد الكويت ويذكرها بفضل المملكة عليها إبان غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لها، بل وصل الأمر بعبدالرحمن الراشد أن يكتب مقالاً يطالب فيه أمريكا - الحليف الاستراتيجي للمملكة - بالاختيار بين السعودية وإيران، وهذا يكفي للتدليل على حجم شعورهم بالمأزق والضغوط التي يولدها، هل هذا يعني أن المسألة قدرية وأنه لا فكاك من هذا المأزق الخانق؟ أعتقد أن الأوان قد آنَ لتفكر المملكة السعودية بجدية وسرعة في مراجعة وإعادة رسم سياستها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية والدولية، وترتيب أولويات خصومها وخصوماتها، ونحن على أبواب "… شرق أوسط جديد يختلف عن النظام القديم في جانبين على قدر كبير من الأهمية: الدور المعزز الذي يلعبه الأكراد وإيران، وتضاؤل نفوذ القوى السُنّية في المنطقة"، كما جاء مؤخراً في مقال ذي قيمة استراتيجية لوزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر، وذلك قبل أن نفيق على صبحٍ يمسك فيه خامنه ئي على حجر الكعبة الأسود كما فعل أشياعه القرامطة من قبل… ولذلك حديث آخر.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة