أحمد داود أوغلو .. واستراتيجية حزب العدالة والتنمية للانتخابات المقبلة

نتائج انتخابات السابع من حزيران الماضي جرس إنذار دق ناقوس الخطر بالنسبة لحزب العدالة والتنمية كي يعيد النظر في سياساته.

الأحد، 20-09-2015 الساعة 14:12


بروفسور في العلوم السياسية، أو مفكر استراتيجي، أو سفير خاص، أو كبير المستشارين، أو مهندس السياسة الخارجية، وحتى وزير الخارجية وعميد الدبلوماسية لا تعد كافية ليكون صاحبها رجل سياسة في تركيا، إذ هناك مزايا وخصائص ومراحل أخرى كثيرة تفرض نفسها على من يخوض غمار المعترك السياسي بالغ الصعوبة والتعقيد. ربما كانت الأوصاف والمزايا أعلاه سبباً أساسياً وعاملاً مهماً في اختيار الرئيس رجب طيب أردوغان لأحمد داود أوغلو ليكون خلفاً له في قيادة حزب العدالة والتنمية، لكنها لم تكن وحدها كافية لجعله سياسياً من الطراز الأول في عيون الأتراك، ولا قائداً كاريزمياً في نظر منتسبي حزب العدالة والتنمية وقواعده ومؤيديه، بل كان داود أوغلو إلى وقت قريب يستمد قوته بشكل رئيسي من كونه حائزاً على ثقة الرئيس أردوغان ودعمه اللامحدود .

لكن الحق يقال فما إن تولى الرجل رئاسة حزب العدالة والتنمية ورئاسة الحكومة حتى وجد نفسه أمام ظروف سياسية بالغة الصعوبة والتعقيد؛ فقد استفتح مشوار قيادته باستحقاق انتخابي مصيري طاحن، أراد له الخصوم السياسيون أن يكون فرصة لتصفية حزب العدالة والتنمية وإزاحته عن سدة الحكم بجميع الوسائل وبأي ثمن كان، ثم أعقب تلك الانتخابات حرب داخلية ساخنة ضد حزب العمال الكردستاني وتوابعه في الداخل والخارج إثر نكوص الأخير، وتنكره لمسيرة المصالحة الوطنية التي كان يشارك فيها مع الحكومة، بذرائع وحجج واهية تشير إلى ضغوط خارجية مورست عليه وأرغمته على اتخاذ هذا القرار الصعب، والمقصود هنا حزب العمال الكردستاني..ثم واكب ذلك حرب داخلية باردة أشد صعوبة وشراسة من الأولى ضد جماعة فتح الله كولن، أو ما اتفق على تسميته الكيان الموازي، الممتدة الجذور داخل جميع مؤسسات الدولة وسلك القضاء والشرطة على وجه الخصوص. هذه الجماعة الإسلامية(!) التي كانت شريكاً أساسياً لحزب العدالة والتنمية في بداية مشواره، قامت في الخامس عشر والسابع عشر من شهر ديسمبر /كانون الأول عام 2014 بعملية انقلابية، استهدفت الحزب ورئيسه آنذاك، رجب طيب أردوغان، شخصياً مع أفراد عائلته، لكن المحاولة باءت بالفشل بسبب صمود جهاز المخابرات الذي عجزت تلك الجماعة عن اختراقه..يضاف إلى هذا كله نيران حرائق الحروب في البلدين المجاورين سوريا والعراق التي تمتد ألسنة لهيبها للعمق التركي، وما تفرزه تلك الحروب الدامية من نتائج كارثية باتت تشكل تهديداً مباشراً لأمن تركيا الاستراتيجي ووحدة ترابها، عدا عن المآسي الإنسانية التي تتحمل تركيا عبأها الأكبر.

رغم هذا كله استطاع داود أوغلو قيادة سفينته إلى بر الأمان رغم الرياح العاتية التي تعصف بالمنطقة بأسرها، ممّا أهله بجدارة ليكون المرشح الوحيد لقيادة حزب العدالة والتنمية في المؤتمر العام للحزب الذي عقد الأسبوع الماضي، ولينال ثقة قواعد الحزب بنجاحاته وجهوده الذاتية، وليس بتزكية من أحد هذه المرة.

على صعيد آخر سلمت الأحزاب السياسية قوائم مرشحيها للانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في الأول من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني القادم؛ أي بعد حوالي أربعين يوماً من الآن، إلى الهيئة العليا للانتخابات حتية لقدوم بقية القوات، حيث تتضمن البنية التحتية تهيئة المرافئ والمطارات وأماكن السكن وشبكة المواصلات والاتصالات ومستودعات الأسلحة وغيرها من الوسائل اللوجستية اللازمة لهذا الكانتون لتدخل تركيا أجواء الانتخابات الساخنة الصاخبة .

القراءة الأولية في قوائم مرشحي الحزب لانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة تشير إلى أن استراتيجية حزب العدالة والتنمية الانتخابية تقوم على أربعة محاور أساسية :

المحور الأول : التحرك باتجاه الناخبين من أصول كردية، وخصوصاً المحافظين منهم..تشير معلومات خاصة إلى اجتماع تم بين رؤساء العشائر الكردية وبعض كبار المسؤولين في الدولة، نتج عنه اتفاق شرف بين الطرفين، بأن تنحاز تلك العشائر الكردية إلى جانب الدولة ضد حزب العمال الكردستاني مقابل ترشيح أبناء تلك العشائر لنيابة البرلمان في الانتخابات المقبلة، وهذا ما رأيناه بالفعل من خلال الأسماء المرشحة عن تلك المناطق، إضافة إلى ترشيح بعض الشخصيات الكردية البارزة مثل وزير الزراعة السابق مهدي أكار ضمن قوائم المدن الكبرى، حيث يقطن مدينة إستانبول وحدها أكثر من مليون مواطن من أصول كردية، وكذلك تم مراعاة ذلك في كل من أنقرة وإزمير.

المحور الثاني : التحرك باتجاه القوميين الأتراك، حيث تم ترشيح أرطغرل توركش، نجل ألب أصلان توركش مؤسس الحركة القومية في تركيا، عن حزب العدالة والتنمية عن مدينة أنقرة. وكان توركش قد طرد من حزبه حزب الحركة القومي بعد أن كان نائباً لرئيس الحزب على خلفية قبوله الوزارة في حكومة الانتخابات الحالية مخالفاً مقاطعة حزبه لها..

إن ضم أرطغرل توركش إلى صفوف حزب العدالة والتنمية لن يتوقف عند شخصه بطبيعة الحال؛ إذ من شأنه أن يجلب معه تأييد شريحة معتبرة من الناخبين القوميين، خصوصاً بعد السياسات الإقصائية الصارمة التي ينتهجها رئيس الحزب دولت بهجلي ضد مخالفيه.

المحور الثالث : التحرك باتجاه قواعد حزب السعادة (المللي جوروش)، حيث تم ترشيح إسماعيل كهرمان أحد أهم الشخصيات الرئيسية لحركة الراحل نجم الدين أربكان ووزير الثقافة في حكومته عام 1995، ويعد اختيار كهرمان مصالحة مع قواعد حزب السعادة التي كانت تبحث عن غصن الزيتون يمتد إليها لأنها في حيرة من أمرها؛ فهي تدرك أن أصواتها تذهب سدى، بل تصب في خانة الضد سياسياً وإيدلوجياً، فقد أثبتت الدراسات الإحصائية أنه لو ذهبت أصوات حزب السعادة إلى حزب العدالة والتنمية، وخصوصاً في المناطق الحرجة في جنوب شرق تركيا، لاستطاع الأخير انتزاع عشرين مقعداً برلمانياً في انتخابات السابع من يونيو/حزيران الماضية من حزبي الشعوب الديمقراطي (الكردي) والشعب الجمهوري، ممّا كان كفيلاً وكافياً له لتشكيل الحكومة بمفرده، ولذلك فقد مورست ضغوط كبيرة على حزب السعادة ليدخل في اتفاق انتخابي -ولو كان مؤقتاً- مع حزب العدالة والتنمية ممّا يصب في مصلحة الطرفين، لكن ذلك لم يتم.

المحور الرابع : العودة للأصل ..

يقول المثل التركي: "مصيبة خير من ألف نصيحة".. لقد شكلت نتائج انتخابات السابع من يونيو/ حزيران الماضي جرس إنذار دق ناقوس الخطر بالنسبة لحزب العدالة والتنمية كي يعيد النظر في سياساته وسائر أموره، وبالفعل فقد تم تشكيل أربع لجان مهمتها قراءة الأسباب التي جعلت الناخب يبتعد عن الحزب ويفقد ثقته فيه، ودراسة الأخطاء ومواضع الخلل، ثم اقتراح الحلول ووضع الخطط والسياسات التي تكفل إعادة ثقة المواطن بالحزب وسياساته.

لكن يبقى السؤال قائماً: هل تمكن حزب العدالة والتنمية من تحقيق هذه المراجعات؟

في أحد لقاءاته التلفزيونية أجاب رئيس الحزب أحمد داود أوغلو عن هذا السؤال قائلاً: "هناك جهود كبيرة بذلت بهذا الصدد، لكن من الصعب بمكان القول بأننا وصلنا إلى نتائج ملموسة ومباشرة؛ بسبب ضيق الوقت وتسارع الأحداث، ثم لكون معالجة بعض القضايا تحتاج متسعاً من الوقت لكي تعطي ثمارها وتظهر نتائجها على أرض الواقع".

فائدة أخرى جناها حزب العدالة والتنمية من هذه المرحلة هي استعادته كوادر رئيسية كان قد حرم منها؛ بسبب مادة في نظامه الأساسي تقضي بعدم جواز ترشح شخص لنيابة البرلمان أكثر من ثلاث دورات متتالية، وقد سرى مفعول هذه المادة على شخصية رئيسية من الكوادر المؤسسة للحزب، والممسكة بزمام الأمور في الحكومة وإدارة الاقتصاد، مثل جميل تشيشك رئيس البرلمان الأسبق، ووزير الصحة السابق رجب أكداغ، ووزير الثقافة عمر تشاليك، ووزير المالية محمد شمشك، ووزير الاقتصاد علي باباجان، وغيرهم..وفي تطور لافت للانتباه فقد ساهم ترشيح محمد شمشك وعلي باباجان في ارتفاع مؤشر البورصة وصعود الليرة التركية، وفي ذلك إشارة قوية إلى قوة تأثير هذه الشخصيات والكوادر على مجرى الأمور السياسية والاقتصادية..الأمر الذي فسره كثير من المراقبين بأن حزب العدالة والتنمية قد عاد لأصله.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة