أخطاء الأحزاب الكردية في تركيا

بدأ حزب العدالة والتنمية مشروعه في المصالحة التاريخية مع الأكراد على يد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عام 2005.

الجمعة، 31-07-2015 الساعة 18:21


خاضت الدولة التركية تجارب كثيرة في التعامل مع حزب العمال الكردستاني (ب ك ك)، منها الأمنية المسلحة والمطاردة وسفك الدماء، ومنها السياسية ومشاريع المصالحة الوطنية، ولئن كانت التجربة الثانية قصيرة جداً بالنسبة للأولى، فإنها كانت هي التي تحظى بدعم أبناء القومية الكردية من المواطنين الأتراك، فالمواطنون الأتراك من أصول قومية كردية يعيشون مع كافة القوميات التركية بود وسلام وأمن وأمان، وعلاقات اجتماعية عريقة وواسعة حتى لا يكاد الشعب التركي يميز بين مواطن ومواطن مهما كانت أصوله العرقية أو المذهبية أو الإثنية، فهم في الأصل أبناء أمة واحدة وحضارة واحدة، وقد استطاعت الحياة الاقتصادية المفتوحة والحرة أن تزيد من الاندماج الفطري والطبيعي والمنفعي والمعيشي بين أبناء كافة القوميات التركية، التي يزيد عددها على أربعين قومية وإثنية متنوعة.

وفي الذاكرة القريبة فإن التجربة الأولى التي خاضتها الدولة التركية ضد العمليات الإرهابية التي قام بها حزب العمال الكردستاني منذ عام 1985، يوم أعلن عن استخدامه العنف والإرهاب طريقاً لتحقيق أهدافه ومطالبه في تحقيق الحقوق الكردية في تركيا، والتي كانت في بعض أبعادها ذات توجهات انفصالية، وأخرى حقوقية خالصة، كان من نتائج المرحلة الإرهابية الأولى، والتي دامت نحو ثلاثين عاماً، كان من نتائجها مآس على طرفي النزاع، فقد سقط أكثر من أربعين ألف قتيل بين طفل وشاب وامرأة وشيخ عجوز، وأضعافهم من الجرحى والمعاقين، ونحو سبعة آلاف جندي وعنصر أمن من الأتراك، وأكثر من تريليون ونصف تريليون دولار أمريكي كخسائر مادية في المباني المدنية والمدارس ومراكز الأمن والمرافق العامة التي استهدفها إرهابيو حزب العمال الكردستاني خلال تلك الفترة الزمنية، ولكن في النهاية لم تكن تلك النتائج إلا خسائر على تركيا وطناً وشعباً من كل قومياته وأطيافه، بمن فيهم الأكراد قبل غيرهم.

لذلك كان التوجه إلى المرحلة الثانية؛ مرحلة السلام الوطني، ضرورة لكل الأطراف، وبالأخص الأكراد الذين يخضعون لإرهاب حزب العمال الكردستاني وعملياته الإرهابية في مدنهم وقراهم، بالرغم من توجيه تلك العمليات التركية ضد الحكومة التركية التي تمثل كل الشعب التركي بمن فيهم أبناء القومية الكردية، والطرف الآخر الانفصالي حزب العمال الكردستاني، وحيث إن حزب العمال الكردستاني كان يجد مساعدة وتحريضاً من الخارج وبالأخص من النظام السوري البعثي العلوي أيام حافظ الأسد، الذي كان يقارع تركيا العداء بحجة توجهات القومية المزيفة، فإن تغير الأوضاع السياسية في سوريا، ولو شكلياً بعد موت الأسد، وتولي ابنه بشار للسلطة وتولي حزب العدالة والتنمية للحكم منذ عام 2002 والسعي إلى عملية المصالحة الوطنية؛ كان فرصة تاريخية كبيرة، وبالأخص أن عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، الذي أطغاه الأسد والفكر اليساري إلى تبني أفكار يسارية معادية للحضارة التركية التاريخية والمعاصرة، استغل وجوده في السجن لمراجعة مساره الإرهابي وأفكاره الشوفينية، وجعلته يقتنع بأن الدعوة القومية هي دعوة تدميرية، وأن تركيا كدولة متنوعة الأفكار والأعراق والقوميات والإثنيات يمكن أن تكون دولة كل الأتراك، إذا سارت على طريق الدولة القانونية والديمقراطية والمواطنة المدنية، وبهذه الأفكار وجد التجاوب الإيجابي والترحيب من الحكومة التركية وأردوغان وكل الشعب التركي.

بدأ حزب العدالة والتنمية مشروعه في المصالحة التاريخية مع الأكراد على يد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عام 2005، فأعلن على الشعب ما كان محرماً قبل سنوات، وما لم يكن يستطيع أحد من الزعماء الأتراك إعلانه ولو بعد حين، وهو أن لا مفر من المصالحة الوطنية بين القوميات التركية كلها، بما فيها القومية الكردية، والتي أذاق أحد أحزابها اليسارية الويلات والأحزان، وهو حزب العمال الكردستاني، كان ذلك الإعلان من زعيم تركي بمثابة انتحار سياسي، كان يمكن أن يواجه بالانقلاب الشعبي قبل الانقلاب العسكري؛ لأن المؤسسة العسكرية كانت أكثر معاناة وخسائر من عمليات الحزب الإرهابية، ولكن محبة الشعب التركي لأردوغان وثقته به، كزعيم تركي حريص على المصالح التركية القومية والحضارية معاً، جعله يقبل هذا العرض من أردوغان على أمل أن يجد نتائج إيجابية تخلصه من الإرهاب الأوجلاني وليس الكردي، فالشعب التركي كان ولا يزال يشعر بالمصالحة مع الشعب الكردي وكل القوميات التركية، ولكنّ خصومته مع تنظيم إرهابي يحاول أن يتزعم الشعب الكردي رغماً عنه وبقوة السلاح والإرهاب.

لذلك سارت حكومات العدالة والتنمية في عمليات المصالحة وشرعت بسن القوانين التي تمنح الحقوق لكل القوميات التركية، وليس الأكراد فقط، وترفع الحظر الذي كان مفروضاً على كل حقوق الهويات القومية في تركيا وليس للأكراد فقط أيضاً، وذلك من خلال تبني البرلمان التركي لحزم ديمقراطية بلغت عشر حزم، كلها كانت تمهد للمصالحة الوطنية، بما فيها حقوق كافة القوميات باستعمال لغاتهم في المرافق الحكومية والأماكن العامة وفتح المدارس وإصدار الصحف والمحطات الإذاعية والقنوات الفضائية، وكذلك تأسيس الأحزاب على أسس سياسية غير دينية ولا قومية انفصالية، وقد ساعدت هذه الحزم الديمقراطية على تحسين أجواء المصالحة الوطنية.

وجاءت رسائل عبد الله أوجلان، في عيد النيروز عام 2014 وعام 2015، لتؤكد صحة هذا المسار وقناعة أوجلان السير في المصالحة، وقد تم توقيع بنود اتفاقية أولية بين الطرفين في مطلع 2014 وافق من خلالها حزب العمال الكردستاني على وقف عملياته الإرهابية، وترك السلاح، وترحيل العناصر العسكرية إلى جبال قنديل شمال العراق، ومواصلة مباحثات عملية السلام للوصول إلى الاتفاقية النهائية، وحيث لم يكن للأكراد من يمثلهم في البرلمان التركي بصفة حزبية فقد كانت عناصر من حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان تقوم بصفة مؤقتة بدور الوساطة بين السجين عبد الله أوجلان وعناصر أمنية من المخابرات والحكومة التركية، حتى تم تمثيل حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان في الانتخابات الأخيرة بتاريخ 2015/6/7، حيث أصبح وجودهم في البرلمان باسم حزب الشعوب الديمقراطي الذي يستطيع أن يفاوض الحكومة في بنود ومشروع المصالحة الوطنية، فكان الأمل بدخول حزب الشعوب الديمقراطي البرلمان التركي بارقة في تسريع المباحثات وتشريعها قانونياً.

هذه النتائج والتطورات التاريخية في العلاقات المتوترة بين الدولة وحزب العمال الكردستاني بشرت الشعب التركي بخير، حتى إن بعض المواطنين الأتراك صوتوا لنواب حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات الأخيرة وهم ليسوا من الأكراد على أمل أن يساهم ذلك في تسريع عملية السلام وتوثيقها على أيدي النواب الأكراد، إلا أن الأمور لم تسر على هذا النحو الإيجابي، بل دخلت الأحزاب والقوى الكردية في تنازع داخلي كاد أن يضيع الجهود المضنية للتوصل إلى مصالحة وطنية، فبعض العناصر المتشددة من حزب العمال الكردستاني، وبالأخص قيادة قنديل، غير موافقة على ترك السلاح ولا وقف العمليات الإرهابية ضد الدولة التركية، حتى تحقيق السلام بالكامل، ويرون أن وقف القتال يضعف المفاوض الكردي، وهذا بالرغم من أنه مخالف لسياسة زعيم الحزب عبد الله أوجلان وما التزم به للحكومة التركية سابقاً، فإن الخطورة فيه أن العناصر التركية المتشددة من الطرف الآخر سوف تتشدد في مواقفها أيضاً، وسوف ترفض توقيع اتفاقية لا يزال هناك من الأحزاب والقوى الكردية من يرفضها ويمارس الإرهاب والتفجير والقتل.

وهكذا فإن تناقضات مواقف القوى والأحزاب الكردية بين بعضها البعض قد أضر بالعملية السلمية، ويكاد أن يطيح بمشروع السلام مع حزب العمال الكردستاني الذي تم انتظاره طويلاً من الشعب التركي كله، بما فيهم أبناء الشعب الكردي، وكان دخول زعيم حزب الشعب الديمقراطي على خط المفاوضات ومحاولة توسطه بين التشدد في قنديل وعبد الله أوجلان مخفقاً أيضاً، وربما يكون إخفاق زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرطاش في التوسط، أو الإمساك بالملف الكردي وحده، بسبب عدم خبرته السياسية، أو بسبب تحكم الرئيسة الثانية في حزب الشعوب الديمقراطي، التي تكبره سناً وخبرة في العمل السياسي، والأكثر تأييداً للعمليات الصدامية مع الحكومة التركية ودعماً للمواقف الإرهابية، حتى إن ديمرطاش لم يستطع التنديد بالعمليات الإرهابية التي وقعت من قبل عناصر متشددة من حزب العمال الكردستاني ضد جنود وعناصر أمنية تركية، كانت تقوم بواجبها الرسمي، مما أثار رفضاً وتنديداً من الأحزاب السياسية التركية الأخرى، في مقدمتها حزب الحركة القومية، الذي يطالب بمحاسبة النواب الأكراد الذين لا ينددون بالإرهاب ضد الدولة التركية، بل ويطالب برفع الحصانة البرلمانية عن كل نائب يؤيد العمليات الإرهابية التي يشنها عناصر متشددة من حزب العمال الكردستاني ضد الدولة التركية.

لذلك ينبغي التفريق بين المواطنين الأكراد الذين هم الطرف الحقيقي بالمصالحة الوطنية وعملية السلام، وبين الأحزاب السياسية التي تدعي تبني القضية الكردية، وتدعي أنها تمثل الشعب الكردي، فهذه الأحزاب والقوى السياسية والمسلحة قد أضرت بالبقية التركية وأضرت بمصالح الشعب الكردي في تركيا وفي سوريا أكثر مما أضرت بها في أماكن أخرى، فرض قيادة قنديل لمواقف زعيم الحزب عبد الله أوجلان يمثل انشقاقاً على القيادة السياسية وليس مناورة سياسية لتقوية مواقف المفاوضين؛ لأن عدد العمليات الإرهابية التي قامت بها العناصر المتشددة في السنتين الماضيتين بعد توقيع الاتفاقية المبدئية التي تم الاتفاق فيها على إلقاء السلاح ورحيل المسلحين إلى جبال قنديل تجازت ألفي (2000) عملية إرهابية ضد الدولة التركية، وهذه ليست في مجال المناورة السياسية وإنما قناعة عدائية ضد مشروع المصالحة، فإذا كانت قيادة جبال قنديل لا يريدون السلام للأكراد في تركيا فعليهم التخلي عن ادعاء قيادة هذا الشعب، وكذلك ينبغي أن يكون نواب حزب الشعوب الديمقراطي ممثلين للشعب الذي انتخبهم وليسوا ممثلين عن جبال قنديل، وتنديد هؤلاء النواب بالعمليات الإرهابية التي تستهدف الشعب التركي ورجال أمنه وجيشه هو الذي يكسب هؤلاء النواب الثقة من الشعب التركي كله، وفي مقدمتهم الأكراد الذين انتخبوهم ليكونوا نوابهم في تركيا وليس نوابهم في قنديل ولا دمشق ولا طهران.

إن أخطاء قادة الأحزاب والقوى السياسية الكردية ينبغي أن تتوقف من أجل الشعب الكردي، فالشعب الكردي هو صاحب القضية الحقيقية، وهو المعني بعملية السلام الوطنية، وهو الذي يخطط لمستقبله ويختار نوابه ليمثلوه حقيقة في البرلمان التركي، وخضوع الأحزاب والقوى السياسية الكردية للأوهام الأمريكية في سوريا، أو لأطماع بعض الأوروبيين في تركيا، أو التحالف مع الطائفيين المنهزمين في دمشق وطهران، كل ذلك لن يحقق للأكراد حقوقهم ولا مصالحهم ولا أمنهم، والأمر لا يحتاج لكثير عناء للتدليل على خطئه، فثلاثة عقود سابقة كانت خير دليل على خطأ النهج الإرهابي، وهي نفسها أكبر دليل على خطأ الاعتماد على المشاريع الخارجية التي تتاجر بالقضية الكردية، سواء في تركيا أو في سوريا، وما وصل له الأكراد في تركيا من حقوق اجتماعية وقومية وسياسية مبشر بالخير، فلا ينبغي تخريبه لصالح عناصر متشددة في الجبال لا ترى النور إلا من خلال قنديل ضعيف وهزيل.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة