أردوغان إذ يضطهد الصحافة ويطارد الصحفيين!

قراءة الصحف، ومتابعة وسائل الإعلام التركية يوماً واحداً فقط، كفيلة بأن تثبت أن حرية الصحافة في تركيا لا يقل مستواها عن أي بلد ديمقراطي متطور آخر.

الثلاثاء، 12-04-2016 الساعة 09:12


انتقاد، الرئيس رجب طيب أردوغان، قرار المحكمة الدستورية العليا القاضي بإطلاق سراح الصحفيين "جان دوندار" و"أردم جول"، بقوله: "أنا لا أحترم هذا القرار، ولست مجبراً على تطبيقه"، أثار ردود أفعال كثيرة بين مؤيد ومعارض، ليعكس حالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد على خلفية نجاحات "حزب العدالة والتنمية" المتتالية، وفوزه في جميع الانتخابات التي خاضها منذ عام 2002، وحتى انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني من العام المنصرم، وفقدان الأمل لدى الأحزاب السياسية، والقوى المعارضة الأخرى في لي ذراع الحزب الحاكم من خلال صناديق الاقتراع، إذ لم يبق في جعبتها سوى الأساليب القديمة في الضرب من تحت الزنار، والاصطياد في المياه العكرة، والاستعانة بالحلفاء من الخارج.

لمحة قصيرة عن العلاقة بين مؤسسة السياسة ووسائل الإعلام في تركيا:

يروى عن زعيم الحركة الإسلامية في تركيا، ورئيس الوزراء الأسبق الراحل نجم الدين أربكان، قوله: "كنا نحاول ضم جنرال إلى صفوفنا، أما الآن فنحاول كسب صحفي"، ظاهر كلام أربكان ربما يدل على أهمية السلطة الرابعة، وأنها أضحت الأولى كما تشير الأحداث، لكنه يحمل في طياته قدراً غير قليل من معاناة السياسيين الذين ولجوا ميدان السياسة من طرق غير تلك التي رسمها "النظام المؤسس"، أو "الدولة العميقة"، أمثال: عدنان مندرس، وتورغوت أوزال، ونجم الدين أربكان، ورجب طيب أردوغان، مما يطرح للنقاش طبيعة العلاقة بين الصحافة والسياسية.

فقد أدت الصحافة دوراً معارضاً فاعلاً ومؤثراً ضد نظام الحكم في السنوات الأخيرة للدولة العثمانية، لكن دورها المعارض تلاشى شيئاً فشيئاً؛ مع تمكن حكم الحزب الواحد "حزب الشعب الجمهوري" من إحكام قبضته على الدولة، ثم على جميع مناحي الحياة السياسية، بما فيها الصحافة والإعلام، مع ذلك فإن واقع الصحافة بدأ يتغير -بعض الشيء- بالتوازي مع التحول نحو التعددية السياسية في الخمسينيات من القرن الماضي، ثم استمر صعوداً وهبوطاً، وتقدماً وتراجعاً بحسب مسيرة الحالة الديمقراطية التي تعرضت للانقلابات مرات متتالية، بواقع انقلاب لكل عشر سنوات، لتصبح الصحافة أحد أهم قلاع "الستاتيكو"، أو "النظام المؤسس"، أو بقايا "الدولة العميقة"، بل احتلت موقعاً متقدماً في التصدي لمحاولات التغيير نحو الديمقراطية، والتحول نحو الدولة المدنية، بدل أن تكون "الدينامو" الدافع، والمحرك لذلك التحول، كما هي الحال في الدول المتقدمة.

لذلك أصبح مألوفاً رؤية كثير من الصحفيين المرموقين يطالبون العسكر بالتدخل المباشر لحسم الصراعات السياسية! وقد بدا ذلك واضحاً في تناغم الأداء بين المحكمة الدستورية العليا، والصحافة العميقة في قضية إطلاق الصحفيين سالفي الذكر، حيث تجاوزت المحكمة العليا صلاحياتها الدستورية، وقامت بإطلاق سراحهما في تحد صريح للحكومة ورئيس الجمهورية، ولعل من غريب الصدف أن الطيب أردوغان، و"حزب العدالة والتنمية" هما من قنّن المادة التي تعطي المواطن الفرد حق الشكوى المباشر للمحكمة الدستورية العليا، والتي استندت عليها المحكمة في قرارها المثير للجدل.

العلاقة بين رجب طيب أردوغان والصحافة

يبدو أن الطيب أردوغان، لم ينس صورة أيدن دوغان صاحب أكبر مؤسسة إعلامية في تركيا، وهو يستقبل سلفه، رئيس الوزراء الأسبق مسعود يلماز، مرتدياً "بيجاما" النوم، ولم ينس أيضاً معاناة، الرئيس تورغوت أوزال، مع الصحافة، بالرغم من كونه ليبرالياً محافظاً، ولم يغب عن باله الكم الهائل، والأسلوب الهابط الذي كانت تستخدمه الصحافة ضد سلفه الآخر، نجم الدين أربكان، فعمد إلى استراتيجية إحداث التوازن في ميدان الصحافة، حيث أفسح المجال لنمو صحافة قوية احترافية تخاطب شريحة العلمانيين والليبراليين، إلى جانب المحافظين والإسلاميين، استطاعت خلال سنوات قليلة تحقيق التوازن، والقضاء على التحكم والسيطرة المطلقة للصحافة العلمانية المعارضة، التي دافعت دفاع المستميت عن مكانتها وموقعها، لكن دون جدوى، حيث اعتدلت كفتا الميزان، ولم يعد ميدان الصحافة حكراً على لون واحد كما قبل.

لكن في الجهة المقابلة، لا بد من الإشارة إلى أن الطيب أردوغان، نشأ في بيئة إسلامية محافظة، ما زالت تعتبر النقد انتقاصاً وعدواناً وجحوداً، كما أن أصوله من منطقة البحر الأسود، التي يمتاز أهلها بقدر من عصبية المزاج وسرعة الغضب، قد سبب له ذلك كثيراً من المتاعب في حياته السياسية، حيث تشكل القابلية على الاستفزاز نقطة ضعف كبيرة، طالما استغلها خصومه، ونجحوا في جره إلى معارك جانبية استنزفت من جهده ووقته الكثير، وأضرّت بصورته وشخصيته الكاريزمية عند الجماهير.

ثمة قضية أخرى لا بد من الإشارة إليها، وهي ارتباط المؤسسات الإعلامية بعالم المال والأعمال، وخصوصاً في فترة الحكومات الائتلافية في التسعينيات، حيث كان لكل شركة قابضة، تقريباً، مؤسسة إعلامية مرتبطة بها، إضافة إلى جنرال حديث التقاعد من الجيش تضمه إلى مجلس إدارتها، ما جعل الاقتصاد حكراً ودُولة بين حفنة قليلة من الشركات العملاقة، التي تسلطت على مقدرات الدولة ومواردها فنهبتها، وتركت خزانتها صفراً، ليدفع الاقتصاد التركي ثمناً باهظاً فاق خمسين مليار دولار، وأوصلت تركيا إلى حافة الإفلاس، ما دفع المواطن التركي إلى البحث عن أي بديل.

وقد تجلى ذلك في اكتساح "حزب العدالة والتنمية" ميدان السياسة، بفوزه بأكثرية ساحقة في أول انتخابات يخوضها رغم حداثة تأسيسه، وتصفيته -بالضربة القاضية- للرموز والقيادات السياسية التي قادت البلاد في تلك الحقبة، أمثال مسعود يلماز، وتانسو جليلار، وغيرهما، فأصبحوا أثراً بعد عين، وطياً للنسيان خلال فترة قصيرة جداً لم تتجاوز عشر سنوات.

لماذا سجن الصحفيان "جان دوندار"، و"أردم جول"، وما هي التهمة الموجهة إليهما؟

حرص المسؤولون الأتراك على إنكار جميع المزاعم والتهم الموجهة إليهم بتزويد بعض فصائل المعارضة السورية بالسلاح، غير أن حادثة وقعت بتاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر جعلتهم في موقف صعب حرج، وذلك بعد أن تم إيقاف شاحنات قرب مدينة "أضنة"، كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى سورية، حيث تم العثور في تلك الشاحنات على أسلحة خفيفة ومتوسطة.

عملية التفتيش تمت رغم إبراز عناصر المخابرات التركية المرافقين للشاحنات وثائق إثبات مهمتهم، وإصرارهم على أن محتويات الشاحنات أسرار للدولة، ولا يجوز تفتيشها، لكن ضابط الجندرمة، ومعه المدعي العام أصرا على التفتيش، متخطين صلاحياتهم القانونية، وقد تمت عملية التفتيش بحضور بعض وسائل الإعلام، التي حضرت إلى المكان بقدرة قادر، لكن قوات الشرطة قامت بإبعادها عن المكان فيما بعد!

عملية التفتيش هذه سبقتها عملية أخرى استهدفت أربعة وزراء، ومدير عام "خلق بنك"، الذي وجد في بيته 3 مليون دولار، وأعقبها شريط، تبين أنه مركب (ممنتج)، نسب للطيب أردوغان، وهو يأمر ابنه بلالاً أن يخفي أموالاً وأشياء أخرى، ليتبين فيما بعد بأن جماعة، فتح الله كولن، التي سميت فيما بعد بـ"الكيان الموازي" هي التي نظمت وأدارت هاتين العمليتين؛ من خلال أذرعها في الجيش والشرطة والقضاء، وبالتعاون والتنسيق مع الصحافة.

اعتبر، الرئيس أردوغان، ومعه "حزب العدالة والتنمية" الحاكم هذه العمليات إنما هي محاولة انقلابية واضحة المعالم ترتيباً وتنظيماً وأداء، فشرع في متابعة خيوطها، وتعقب منفذيها، ومن وقف وراءهم من قوى وشخصيات.

ولكون القضية متعلقة بأسرار الدولة، وانخراط أكثر من مؤسسة أمنية في تفاصيلها، فقد أصدر قاضي التحقيق أمراً يمنع نشر أي شيء يتعلق بهذه القضية، لكن جريدة "جمهوريت" قامت بتاريخ 29 أيار/مايو بنشر وثائق متعلقة بالقضية، متحدية قرار المحكمة، على أساس أن ذلك جزء من حرية الصحافة. فقام، الرئيس أردوغان، بعد يومين بالرد على الادعاءات، وتفنيدها بالقول بأن الأسلحة كانت مرسلة للتركمان في منطقة "اللاذقية" بسورية، كما رد على بقية المزاعم والاتهامات الأخرى، لكن جريدة "جمهوريت" استمرت بالنشر في محاولة لدحض كلام الرئيس أردوغان، ثم قامت الجريدة بنشر صور الحادثة، والوثائق المتعلقة بها، متحدية قرار المحكمة، فأصدر مدعي الجمهورية العام قراراً بتاريخ 27 تشرين الثاني/نوفمبر يقضي بتوقيف رئيس تحرير الجريدة جان دوندار، ومدير مكتبها في أنقرة أردم جول، ثم قضت المحكمة باعتقالهما وإيداعهما السجن بتهمة إفشاء أسرار الدولة، والتجسس لصالح جهات أجنبية، حيث مكثا في السجن، إلى أن أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارها بإطلاق سراحمها بتاريخ 26 شباط/فبراير 2016؛ بناء على شكوى التظلم التي تقدما بها ضد قرار اعتقالهما.

مما سبق رأينا جلياً أن سبب اعتقال الصحفيين دوندار وجول، لم يكن على خلفية ممارستهما لمهنتهما الصحفية، بل لتحديهما قرار المحكمة، كما أن هناك بعض حالات اعتقال لصحفيين ثبت تورطهم بقضايا جنائية وأخرى إرهابية، مثل تأمين الدعم اللوجيستي لحزب العمال الكردستاني، أو تنظيم داعش الإرهابيين.

لكن بعض وسائل الإعلام الغربية والروسية والإيرانية، بالإضافة إلى بعض الدول، والقوى الإقليمية، التي تريد الضغط على تركيا؛ لتسحب يدها من الملفات الإقليمية، مثل القضية السورية، والمسألة العراقية، وغيرها، عمدت في الآونة الأخيرة إلى خلق صورة نمطية في الأذهان، تصور الجمهورية التركية كبلد يضطهد الصحفيين، ويلاحقهم، ويسجنهم بسبب آرائهم السياسية، أو مهنتهم الصحفية!

صحيح أن قراءة الصحف ومتابعة وسائل الإعلام التركية يوماً واحداً فقط، كفيلة بأن تثبت أن حرية الصحافة في تركيا لا يقل مستواها عن أي بلد ديمقراطي متطور آخر، لكن كثرة الدعاوى والشكاوى المفتوحة من طرف رئيس الجمهورية ضد الصحفيين والسياسيين حتى لو كانت محقة، فإنها، فضلاً عن كونها لا تخدم الديمقراطية والسلم الاجتماعي في تركيا، تضر بصورة البلد، كما تصب في صالح أولئك الذين يريدون الاصطياد في الماء العكر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة