أردوغان .. والانقلاب المعاكس

بذات الوقت ليس بعيداً هو استخدام الرئيس التركي للمحرض الحيوي السياسي والعسكري بغية الإسراع بهذا الانقلاب.

الخميس، 21-07-2016 الساعة 14:11


واقع الأمر أنّ الانقلاب التركي يعتبر أنجح أنواع الانقلابات في حقبة التاريخ المعاصر، بخلاف ما يسوق الكتاب وساسة العالم! فانقلاب تركيا لم يكن انقلاب الجيش التركي على النظام السياسي حتى يفشل، بل انقلاب النظام السياسي على الجيش التركي، وانقلاب الدولة السياسية على الدولة العميقة، وانقلاب الشعب على الدبابة والبندقية! بل الانقلاب التركي هو تحطيم سياسي لقيود الاحتلال والوصاية الدولية وإعلان تركيا دولة مستقلة ذات سيادة. لا أبالغ إن وصفت الـ15 من شهر يوليو/ تموز، بأنّه يوم الاستقلال الحقيقي واليوم الأول لتأسيس الدولة التركية الحديثة والخارجة من رحم ديمقراطية الشرق الأوسط والذي اشتهر عادة بالعقم الديمقراطي.

فأحد ما كان لينكر أن القرار السياسي وديمقراطية الشرق الأوسط تعيش تحت وطأة عبودية القوة العسكرية التي تقودها الدول العميقة الابن الشرعي للاستعمار والخارجة من رحم احتلال الدول الكبرى أو "الفيتو" والتي أبت بدورها أن تعتق رقاب شعوب المنطقة وأنظمتها السياسية لوجه الديمقراطية!

خطأ هو الظنّ بأنّ القوة العسكرية قد تغيب يوماً واحداً عن الحكم السياسي، فهي الغائب الحاضر الذي لا يمكن تجاهل ضرورته البتة، لأنّ العلاقة بين الجناح السياسي والعسكري علاقة وجود وعدم، ولا يمكن للجسد السياسي أن يحيا دون دماء العسكرة، فالحكومة السياسة "شيك" من غير رصيد، إذا لم يكن لها قوة عسكرية تمنحها الاستقلال السياسي.

حتى إذا ما أخذنا الانقلاب التركي أنموذجاً، فنجد أن فشل الانقلاب العسكري، هو أيضاً بسبب نجاح الانقلاب العسكري المتحالف مع النظام السياسي الديمقراطي والناتج عن الإرادة الشعبية. فالانقلاب السياسي على العسكرة ليس انتصاراً للسياسة على البندقية، بل التوصيف الأدق، هو أنّه استيقاظ البندقية الوطنية وتحالفها مع إرادة الشعب وتحطيم قيود الاستعمار والدولة العميقة المتحكمة بالقرار السياسي.

فالصور الاستعراضية التي التقطها الشعب التركي أمام الطائرات والمدافع وكأنه يتصور مع الممثل التركي المعروف" نجاتي شاشماز" المشهور بمراد علم دار في الأوساط العربية، ما كان لهذا الشعب أن يحظى بها، لو لم تحمه قوة عسكرية موازية داخل الجيش التركي نفسه، بالإضافة لقوى الأمن والمخابرات والشرطة التركية، والمتحالفة بدورها مع النظام الديمقراطي الناتج عن الإرادة الشعبية.

ما يبدو أنّ استيقاظ البندقية التركية من غيبوبتها والانقلاب على ذاتها وانتقالها من مرحلة الاستلاب المسلح لمرحلة الاستقلال السياسي والمصالحة مع الدولة المنتخبة بدلاً من ارتهانها للدول العميقة ذات الأجندات السياسية الغامضة، دفع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للتلويح غير المباشر باحتمالية طرد تركيا من حلف "الناتو" العسكري في حال إصرار الرئيس التركي على عمليات التطهير الواسع في الأجهزة السياسية والعسكرية داخل مفاصل الحكومة، حيث قال: "إن الناتو يراقب التزام تركيا بالديمقراطية".

أيضاً فإنّ المصالحة بين النظام السياسي والعسكري وانقلاب بعض الأخير على بعضه الآخر، وإعلان خضوعه للنظام السياسي الناتج عن الإرادة الوطنية، يفسر بدوره دفاع دول "الفيتو" عن الانقلابيين ومطالبة الحكومة التركية بضبط النفس والكف عنهم!

ففي الحقيقة إن قبول" الناتو" بجعل القوات التركية أحد مكوناته العسكرية بالمرحلة السابقة، ما كان ليكون إلّا لعلم دول "الناتو" أنّها تشكل الدولة العميقة للدولة العميقة في تركيا، وهذا يعني أنّ "الناتو" هو من دخل تركيا وليس تركيا من دخلت "الناتو"؛ لذا فيعتبر الميلاد الحقيقي لدخول تركيا كدولة ديمقراطية ذات سيادة لحرم" الناتو الدولي" هو الـ 15 من شهر يوليو/تموز.

لكن الاحترافية المتناهية التي واجهت الانقلاب العسكري بانقلاب معاكس يبقى لغزاً سياسياً خلقه الحزب الحاكم في تركيا، وما إن كان على دراية وعلم مسبق بهذا الانقلاب أم لا، إلا أنّ المتابع إذا ما قرأ هذا الحدث بسياقه السياسي، من خلال محاولة أردوغان قبل عدة أيام تجبير العلاقات الدولية مع روسيا والاحتلال الاسرائيلي والدول المجاورة والكبرى، يعلم أنّ سياسة التجبير المؤقت ربما، كان دافعها الأهم، هو توقع الرئاسة التركية بأنّ التحركات الانقلابية على إرادة الشعب التركي وتكريس لعبة الدولة العميقة التي يقود بها العالم الخارجي دول الشرق الأوسط باتت قاب قوسين أو أدنى من الانقلاب على الديمقراطية والواقع السياسي.

بذات الوقت ليس بعيداً هو استخدام الرئيس التركي للمحرض الحيوي السياسي والعسكري بغية الإسراع بهذا الانقلاب؛ من أجل إجرار بعض المتآمرين في الحكم العسكري لأرض المعركة بالزمان والمكان المناسب، وهذا لا يعني أن الانقلاب مسرحية درامية مطلقاً، ولكن لا ينفي أن يكون هناك أشخاصاً عسكريين حقنهم الرئيس التركي في الجسم الانقلابي بالمؤسسة العسكرية كمحرض حيوي هدفه الاطلاع على ما يحاك وإجهاض الجنين الانقلابي قبل اكتمال نموه.

أيضاً، الظهور الواثق لأرودغان وإطلاقه اسم "محمد" على الجيش التركي وهو في أوج أزمته السلطوية، يدل أن الانقلاب لم يكن معلوماً ربما، ولكن بذات الوقت كان متوقعاً وليس مفاجئاً البتة، فكلماته لم تكن نتاج ارتجال شاعر أو أديب، بل هي رؤية سياسي وحاذق، أراد بهذه اللحظة التاريخية واستخدامه لوصف الجيش بـ" محمد" كاختصار سياسي، أن يتحدى السياسة الدولية عن طريق مخاطبتها بما تكره، هادفاً من التحدي إعلان استقلال القرار السياسي التركي، إضافة لطمأنة شعبه بأنّ السلطان يقوى بكم وليس بضعيف وأن الواقع كان ولم يزل تحت السيطرة، مشيراً بهذا الاختصار العقائدي والاجتماعي أيضاً، إلى أنّ المرحلة القادمة عنوانها: إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والسياسية وتحريرها من قمقم عبودية دول" الفيتو والناتو" وإرجاعها آنفة لبيت طاعة الشعب.

ويبقى الخوف هو أن تدخل تركيا أثناء ترويضها للكيان الموازي المعطل بإيقاع الشعب والشرائح الاجتماعية في إطار الاستنزاف الداخلي، خاصة وأنّ حركة السيد فتح الله كولن والملقب بأبي الإسلام الاجتماعي والمتهم بحياكة الانقلاب ضد الشرعية، تعتبر هي الأقوى في سيطرتها على مفاصل الحياة الاجتماعية في تركيا. لذا ليس بالأمر المستبعد أن تلبي أمريكا طلب الحكومة التركية بتسليم "كولن" ليس حباً بالحكومة التركية ولا انصياعاً للقانون؛ ولكن بغية دفع الواقع الاجتماعي التركي نحو التفكك، وإدخاله باطار الاستنزاف الاجتماعي والصراع الإسلامي الإسلامي والذي يؤثر بدوره على مسيرة الإسلام السياسي الذي يقوده الزعيم التركي رجب طيب أردوغان.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة