أرضروم التركية .. وعبق الأجداد

نعود بالتاريخ الى تلك الحقبة من الزمن، نعود الى ولاية بيروت أيام السلطنة العثمانية ..

الأحد، 10-01-2016 الساعة 15:05


طال انتظار القطار، العيون شاخصة مترقبة، الأجساد ملت من الانتظار، الأهل والأحباب يتحلقون حول الأبطال، تلك الام تتأكد من جهوزية حقيبة إبنها خشية أن ينقصه ثوب أو شيئ من طعام، وتلك الأخت تودع أخاها وتدعو له بالتوفيق والعودة سالماً، وذلك الأب يربت على كتف ابنه الشاب يفتخر به بين أقرانه أن أصبح لديه رجل بطل يستعد أن يخدم بلده ودينه.

صخب وضجيج محطة القطار مع فخر الشباب المجاهد الغيور يمتزج مع دموع الشوق والفخر لامهات الابطال.

صوت قادم من بعيد، يصحبه هدوء مفاجئ مع صافرة بدأ يصل صداها الى الجموع، يسأل الطفل الصغير أحمد والده، يا أبتي الى أين سيمضي أخي؟

يجيبه الوالد بكل فخر واعتزاز: أخوك يا بني بطل، التحق بالجندرمة للدفاع عن أرضه وعرضه وخدمة دينه ووطنه من غزو الاعداء،

وصل القطار .. وصل القطار ينادي الصغير أحمد، يطل القطار من بعيد .. تشخص اليه الابصار، إنه قطار سفر برلك ..

تتم مراسم الوداع على عجل .. يصعد الابطال على متن القطار وينطلق بهدوء الى حيث المجد ينتظر الابطال.

إنه العام 1914 ميلادي .. والحرب العالمية الاولى في بدايتها.

نعود بالتاريخ الى تلك الحقبة من الزمن، نعود الى ولاية بيروت أيام السلطنة العثمانية ..

نعود إلى تقرير (السالنامة) الصادر سنة 1894 عن ولاية بيروت في الصفحة 146 وهو تقرير سنوي يصدر عن الولايات العثمانية المختلفة لنقرأ التالي:

" إبّان الحكم العثماني، حسب التقسيم الإداري لولاية بيروت، كانت الولاية تتألّف من: سناجق بيروت (جبل لبنان)، طرابلس الشام، اللاذقية، نابلس وعكا . و كان عدد السكان في هذه السناجق يبلغ 560 ألف نسمة ومساحة ولاية بيروت حوالي 30 ألف و500 كلم مربع".

في حين تبلغ مساحة لبنان الحالي الذي أنعم علينا به المحتل الفرنسي والانجليزي 10452 كلم مربع أي حوالي ثلث المساحة المذكورة، ويمنّون أن أنعموا عليك بدولة بعد أن اقتطعوا منها جميع أطرافها وأبقوا لك القلب بكافة متناقضاته الطائفية والعرقية والإثنية والمذهبية.

انه الثاني والعشرون من شهر كانون الأول، ذكرى معركة "صاري قاميش" في محافظة أرضروم التركية في شمال شرق تركيا، تلك المعركة التي شارك فيها أجدادي من ولاية بيروت العثمانية جنبا الى جنب مع إخوانهم من الولايات العثمانية الأخرى، من اسطنبول وكونيا وسامسون وقيصري ومصر وطرابلس الغرب وحلب والقدس ومكة، كتفاً الى كتف لصد الهجوم الهمجي الروسي الذي كان يطمع باحتلال تلك البلاد وحاول الدخول الى عمق الدولة العلية العثمانية من منطقة القوقاز.

وصلنا الى أرضروم، استُقبلنا بحفاوة كبيرة لا تعلم لها معنى إلا بعد أن تعلم أن أهل تلك البلاد لا يزالون أوفياء الى دماء أجدادي الشهداء التي سالت على تلك الأرض الطاهرة.

درجة الحرارة في المطار تشير الى عشرين درجة مئوية تحت الصفر، بالنسبة الى سكان تلك البلاد الجو شبه طبيعي، أما بالنسبة لي فبوادر أزمة صحية تلوح في الأفق إذ أن مثل تلك الاجواء لم نعتد عليها من قبل في بلداننا.

ننام ليلتنا في الفندق لننطلق في اليوم التالي الى قرية (غازيلر) أو قرية قدامى المحاربين، نبيت ليلتنا كما بات أجدادنا ليقام في اليوم الذي يليه احتفال رسمي وشعبي وعسكري في ذكرى الشهداء الأبطال.

تنتهي المراسم يستعد الجميع للسير على خطى الشهداء .. الخشوع يزداد .. والنفوس شاخصة لقضاء ثلاثة أيام بلياليها كما عاش وسار أجدادي قبل أكثر من مائة عام .

ينادي القائد آمراً جميع المشاركين بالتجمع، يبدأ بإعطاء بعض التعليمات والتوجيهات الأساسية، تأثر وانتباه واضح يظهر على الجميع.

حقيبتي على ظهري .. كل ما أحتاجه لقضاء تلك الايام والليالي على الجبل موجود في داخلها، تجهيزات متطورة معطف مقاوم للمطر والرياح، حذاء مضاد للماء انتعله في قدمي، أنا جاهز والنية لا تفارقني: السير على خطى أجدادي الشهداء في ظروف كالظروف التي مروا بها .. وفي أجواء طبيعية تحاكي تلك الاجواء.

اقتربت الشمس من المغيب، وبدأت درجة الحراة بالانخفاض أكثر فأكثر ...

بدأ المسير الى جبل "الله أكبر" (3,120 م)، الجميع يسير في قطار آحادي منظم بخطى هادئة بصمت وخشوع.

انتبه !!

تذكر!!

أنت تسير على خطى الشهداء .. أنت هنا لتحيي ذكرى الأجداد الأبطال.

ويستمر المسير ويتتابع الصعود الى الجبل ويبدأ الارتفاع بالاشتداد وتزداد درجة الحرارة في الانخفاض.. والخطوات ثابتة والجميع يسير على قلب رجل واحد وفي خط واحد كأننا جيشا نظامياً مدرباً.

بدأ التعب يظهر على جميع المشاركين حتى أصبحت حقيبة الظهر عبئاً ثقيلاً على حاملها..

يا هل ترى، يا جدي، كم كانت تزن حقيبتك وأنت تصعد ذلك الجبل في مثل هذه الايام؟!

كيف كنت تسير والبندقية في يدك وحقيبتك على ظهرك.. رحمك الله يا جدي.

ونتابع المسير وصديقي الذي أمامي بدأ يعييه التعب، نحاول مساعدته بالتخفيف من حمله .. لكن قدميه لا تسعفانه في السير، يتقاسم الرفاق حمولته ونحاول قدر الامكان مساعدته ورفع معنوياته..

فالقافلة تسير ولا مجال أبداً للتوقف.

تزداد حلكة الليل بظلمتها وتزداد درجة الحرارة بالانخفاض لدرجة أحسست خلالها أن أطرافي بدأت بالتجمد .. وزميلنا بدأ يسترد شيئا من أنفاسه بعد أن كاد يفقدها.

انقضت ساعات المسير الاربع للوصول الى قمة الجبل كأنها سنوات أربع ..! وصلنا بعدها الى هدفنا ومبتغانا لنبيت ليلتنا في قرية صغيرة فيها أكواخ مبعثرة يسكنها بعض العجائز .. آثروا البقاء في قريتهم وعدم الانتقال الى المدينة..

تم توزيع المشاركين على غرفتين صغيرتين يوجد فيهما مدفأة على الحطب .. تم فيهما إسكان اكثر من ثلاثين شاباً.

استلقى الجميع على الأرض محاولين استرداد شيئ من طاقتهم التي أزهقوها خلال المسير.

تناولنا طعام العشاء، صلينا المغرب والعشاء جمعاً وقصراً .. وخلدنا الى أقدارنا نفترش الارض داخل أكياس نوم في محاولة بائسة لتقينا قر تلك الليلة الليلاء التي وصلت درجة حرارتها لأكثر من ثلاثين درجة مئوية تحت الصفر.

نعود الى اجدادي الشهداء والى تلك المعركة الشهيرة التي كانوا متجهين لخوضها في تلك الجبال الشاهقة في ذلك الجو العاصف..

اعود اليهم .. قبل مائة عام، كيف كانوا يتحملون صعوبة تلك الاجواء.

أعود الى معركة "صاري قاميش"، تلك المعركة التي نشبت بين الجيش الروسي والجيش العثماني الثالث عام 1914 خلال الحرب العالمية الأولى شرقي تركيا التي أدت إلى نهاية تراجيدية، استشهد فيها عشرات الآلاف من الجنود من شدة البرد، كما أسر آلاف آخرون ليلقوا حتفهم فيما بعد من الجوع.

أعود الى استشهاد أكثر من 90 ألف جندي عثماني تجمدًا من شدة البرد والثلوج في جبال “الله أكبر”، دون إطلاق طلقة واحدة على العدو.

اعود الى أجدادي الأبطال .. الى أبناء ولاية بيروت لأجد أن 311 شهيداً منهم قد سقط في تلك المعركة.

استيقظ الجميع على صوت أحد الاخوة ينادي لصلاة الفجر.

وما أصعب أن تقوم لصلاة الفجر في ذلك اليوم، لا يوجد ماء، فالماء كله متجمد، قمنا بإذابة بعض الثلج لنتوضأ فيه .. لا أدري، هل صلى ذلك الفجر جدي أم كان مع الرفيق الأعلى في عليين حينها؟!

تناولنا طعام الفطور وانتظمنا في طابور صباحي رفعنا فيه الاعلام وانشدنا فيه الاناشيد الوطنية، تدرعنا بألبستنا لتقينا شر تلك الرياح العاتية، وانطلقنا الى وجهتنا التي جئنا لاجلها..

انطلقنا الى حيث عبق الشهادة يفوح بعد مرور أكثر من مائة عام..

انطلقنا لنقول لأجدادنا: لقد جئنا، نحن لم ننساكم.

انطلقنا لنقرأ لهم الفاتحة لروحهم الطاهرة.

سرنا والثلج من تحتنا يُثقلُ المسير .. لنصل الى أضرحة الشهداء بعد أكثر من ساعة ونصف من السير على الاقدام.

موقف مهيب، تحلقنا حول الضريح، تلونا القليل من الآيات تلاوة جماعية بصوت خاشع..

دعا لهم شيخ جليل دعاء أبكاه وأبكانا.

وقف كل واحد منا مع ذاته وقفات .. وسمع ضميره للحظات.

ما هو ذلك السر الكبير الذي دفع كل هؤلاء بالمجيء الى هذه الجبال ؟؟

ما هو ذلك السر الكبير الذي حمل أجدادي من بلاد الشام، على قطع كل هذه المسافات للاستشهاد في هذه البقعة النائية من المعمورة ؟!

لا أدري، أهو حب الشهادة أم أن أجدادي كانوا على علم بما يخطط له أعداء أمتنا من تقسيم لبلادنا ليتمكنوا من نهب ثرواتها ومقدراتها فقرروا أن يكونوا خط الدفاع الأول لإفشال هذه المؤامرات والحفاظ على وحدة الأمة وكيانها.

رحمكم الله يا أجدادي ..

لقد أديتم واجبكم ..

سنبقى نتعلم من مدرسة تضحياتكم ..

فاهنؤوا .. بإذن المولى .. في جنات النعيم ..!!

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة