أرض السوادين

لقد كان من الممكن أن يتقدم العراق بمشروع على مستوى الأمة ليسارع في تحريك الدورة الحضارية الكونية لصالح هذه المنطقة.

الثلاثاء، 23-08-2016 الساعة 09:16


القادم إلى أرض العراق من جهة الصحراء يرى كأن هناك سواداً يلف هذه الأرض لكثافة الظلال التي تتركها الأشجار والنخيل المكتظة حول دجلة والفرات وما يلحق بهما من روافد وتفرعات، إضافة إلى الأهوار والبحيرات والعيون المبثوثة والمتناثرة في طول البلاد وعرضها، من ثَمَّ أطلق الصحابة الفاتحون على هذه الأرض (أرض السواد).

كانت تلك الظلال منطقة جذب كبيرة على مدار تاريخها، تجذب العقول والأموال والخبرات والقدرات والفاتحين والغزاة، فامتزجت فيها العلوم والفنون والصناعات والاختراعات والمذاهب والفرق.

ثم لما كشفت الأرض عن ثروتها الجديدة وأمدت ساكنيها بما أودعه الله في بطنها من طاقة هائلة ما زالت تسد حاجة البشرية في أغلب مجالاتها تبين أيضاً أن أرض السواد كان لها النصيب الأوفر، فأضيف سواد (الذهب الأسود) إلى سواد ظلالها، لتبقى محتفظة بهذا اللقب دون منافس أو منازع.

وإذا كانت بلادنا العربية في الغالب تتقاسم الموارد بقسمة ثنائية، فمنها من يملك الموارد البشرية بلا ثروة، ومنها من يملك الثروة بلا موارد بشرية، فإن العراق ربما يكون البلد الوحيد الذي جمع بين الثروتين أو الموردين، فمع كثافته السكانية لديه كثافة هائلة ومتنوعة في موارده الطبيعية تحت الأرض وفوق الأرض.

لقد كان من الممكن أن يتقدم العراق بمشروع على مستوى الأمة ليسارع في تحريك الدورة الحضارية الكونية لصالح هذه المنطقة، بعد أن ظن الأميركيون أن الزمن قد توقف على أعتابهم، وأن الشمس لن تشرق على غيرهم بعد اليوم.

لا أدري إن كان هذا الهاجس هو الذي صنع الأحداث الأخيرة التي بدأت بكارثة غزو الكويت ثم تدحرجت كرة الجليد إلى الحال الذي وصلنا إليه اليوم؟

اليوم ليس في العراق سواد الظلال الذي كان يدهش عيون العرب القادمين من الصحراء، فالعراق اليوم يستورد الفاكهة والخضر حتى البطيخ من دول الجوار!

أما نفطه أو ذهبه الأسود فلا يعلم العراقيون عنه شيئاً ولم يشمّوا رائحته منذ سنوات، فلا حساب ولا كتاب، ولا نسمع سوى الاتهامات، تارة لدول الجوار، وتارة للدول الكبار، وتارة لمجتمع (الحرامية) الذي صنعته أصابع الاحتلالين الأميركي والإيراني.

اليوم هناك سواد مخيف تتشح به أرض السواد متعدد الأشكال والواجهات، ومتنوع الولاءات والارتباطات، سواد العمائم المتاجرة باسم الدين والتي تراها في كل طرف وصوب، وفي كل وليمة وغنيمة، يبثّون الفرقة والكراهية وثقافة الدم، مع خليط من الخرافات والترهات التي يشمئز منها العقل وتستقبحها الفطرة، وأكاد أجزم أن هؤلاء لم يكونوا ينتمون لمدرسة ولا لدين ولا لمذهب، بل هم جزء من وقود المعركة المعدّ لتدمير هذه الأمة وتفكيكها وتحطيمها من داخلها، وهناك أيضاً الرايات السوداء للخلافة الموهومة والتي فعلت فعلها المكافئ والموازي في المجتمعات السنّية لإشاعة التخلف والتوحش والدمار الشامل على كل المستويات الإيمانية والأخلاقية والعلمية والحضارية وكل ما يمس الإنسان من قريب أو بعيد، ومن هؤلاء وأولئك اتشح العراق كله بسواد الحزن والجهل والفقر والتخلف.

إن الفارق بين سواد الأمس وسواد اليوم هو الفارق بين العراق الذي قدم للأمة والعالم تجربته الحضارية الرائدة والعراق الذي يجرّ المنطقة بأسرها إلى هاوية الفوضى والطائفية والتوحش الأعمى.

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة