أزمة العرب السنة في العراق

المنطقة مهددة مرة أخرى بمشاريع التقسيم وممّا لا شك فيه أن تنظيم الدولة يخدم هذه المشاريع.

الأحد، 28-06-2015 الساعة 10:02


تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف إعلامياً بـ"تنظيم الدولة" أو "داعش"، زعيمه المدعو أبوبكر البغدادي عراقي ومعظم قادته أيضاً عراقيون. وسيطرة العراقيين على هذا التنظيم "اللغز" المثير للجدل واضحة لا غبار عليها. وهو، على كل حال، تنظيم عراقي المنشأ وإن توسعت دائرة نفوذه خارج حدود العراق.

تنظيم الدولة يسيطر على العرب السنة في المشهد العراقي، ولا توجد هناك فصائل عربية أخرى ذات وزن وثقل تقاتل جيش النظام العراقي الطائفي ومليشياته الطائفية، بخلاف المشهد السوري الذي قد نجد من السوريين من التحق بتنظيم الدولة، رغبة أو رهبة، إلا أننا نرى فيه أيضاً فصائل ثورية كبيرة تمثل العرب السنة وتقاتل النظام السوري وحلفاءه.

تعاطف كثير من العرب السنة في العراق مع تنظيم الدولة، يمكن تفهمه، لأنهم يعيشون في ظروف قاسية للغاية، في ظل طائفية النظام العراقي وضعف الزعماء السياسيين في تمثيلهم وحمايتهم من مجازر المليشيات الطائفية التي تستهدفهم أمام مرأى ومسمع العالم الذي يلعب دور القرود الثلاثة. ومع ذلك، فإنهم مطالبون بأن يطرحوا على أنفسهم أسئلة حول مدى تبنيهم لمشروع التنظيم ورؤيته المستقبلية. وهل يوافقون على الجرائم التي يرتكبها في العراق وسوريا وغيرهما من الدول العربية أم لا؟ وإلى أي هدف يريدون أن يصلوا إليه معه؟

العرب السنة في العراق يدعون الدول العربية والإسلامية إلى دعمهم وحمايتهم، ولكن بعضهم يؤيدون تنظيم الدولة الذي يستهدف تلك الدول ويتعاطفون معه، أو على الأقل يسكتون على جرائمه. وقد تكون الدول العربية والإسلامية مقصرة في حق الشعب العراقي ومخطئة في سياساتها الخارجية تجاه العراق، إلا أن مطالبة تلك الدول بما يعني الاصطفاف مع تنظيم الدولة تناقض واضح يتجاهله كثير من المتعاطفين مع هذا التنظيم حين يتساءلون: "أين الدول العربية والإسلامية؟"، ويناشدون التدخل لحماية العرب السنة في العراق، دون مراعاة ظروف تلك الدول والتوازنات الدولية والإقليمية المعقدة.

تنظيم الدولة قتل حتى اليوم عدداً كبيراً من المجاهدين والعلماء وقادة الثورة، وفي آخر حلقة لسلسلة جرائمه أعدم الشيخ أحمد علي صالح القيسي، رئيس قسم كلية الإمام الأعظم في بيجي. والتهمة جاهزة لدى التنظيم ومؤيديه لتبرير قتل هذا العالم المجاهد وأمثاله، وهي الردة والارتباط بما يسمى "الصحوات".

كتائب ثورة العشرين أصدرت بياناً نعت فيه الشيخ أحمد القيسي، عضو هيئتها الشرعية، وذكرت أن التهمة الموجهة إلى الشيخ القيسي لتبرير إعدامه باطلة وأبعد ما تكون عن واقع الشيخ رحمه الله الذي كان من المجاهدين الذين شهدت لهم ساحات الجهاد منذ أيام الاحتلال الأولى، إلا أنها في نهاية البيان دعت المجاهدين إلى عدم الانجرار للفتنة وعدم حرف بوصلة جهادهم، وقالت: "أعداؤنا قد وحدوا صفوفهم ضدنا فلا بد من رص صفوفنا لمواجهتهم"، في إشارة إلى عدم الرد على جريمة قتل الشيخ القيسي والانتقام من قتلته.

الفصائل المجاهدة ضد النظام السوري وحلفائه كانت في بداية الأمر تتجنب الحديث عن تنظيم الدولة واستنكار جرائمه خشية "الوقوع في الفتنة"، إلا أنها توصلت في النهاية، بعد سلسلة من الجرائم والغدر بالثوار، إلى أن هذا التنظيم "نبتة خبيثة" زرعت في أرض الشام ليسرق ثورة الشعب السوري ويخدم مشاريع الآخرين. وقد يكون بيان كتائب ثورة العشرين وتنديدها، ولو على استحياء، بإعدام الشيخ أحمد القيسي، خطوة نحو موقف فصائل الثورة السورية من تنظيم الدولة، لأننا نرى بعض الإعلاميين العراقيين الذين كانوا يروجون لهذا التنظيم و"بطولاته" يستنكرون اليوم جريمة إعدام الشيخ القيسي ويتذكرون قوله تعالى: "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً".

المنطقة مهددة مرة أخرى بمشاريع التقسيم، وممّا لا شك فيه أن تنظيم الدولة يخدم هذه المشاريع، وإن كان الإخوة العراقيون اختاروا تبني مشروع هذا التنظيم والمشي معه حتى النهاية عن إيمان وقناعة فهذا خيارهم ويتحملون مسؤوليته وتبعاته، وإن كانوا يعتقدون بأنهم يمكن أن يستغلوه في ضرب أعدائهم الطائفيين فلا بد من أن يحسبوا مكاسب هذا الخيار ومفاسده؛ لأن ما يخسرونه على المدى البعيد قد يفوق عدة مرات على ما يكسبونه، ولا يجدون بعد فترة من يتعاطف مع قضيتهم لوقوفهم إلى جانب التنظيم الذي يكفر الجميع ويعاديهم ويستهدفهم.

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة