أسباب أمريكا لإحياء الحرب الباردة مع روسيا

أمريكا في معرض تغيير استراتيجيتها في الشرق الأوسط والعالم مع الرئاسة الأمريكية القادمة.

السبت، 29-10-2016 الساعة 21:37


منذ أن تسلم الرئيس فلاديمير بوتين رئاسة جمهورية روسيا الاتحادية، دعا إلى بناء دولة روسيا الاتحادية، ببعث الروح القومية للشعب الروسي أولاً، وبالسيطرة على الجغرافية الواسعة للدولة ثانيا، وبناء القوة العسكرية التي تواجه أعداء روسيا ثالثا، وبناء الاقتصاد الروسي العالمي رابعاً، وهذه الاستراتيجية بدأها بوتين في روسيا مع مطلع القرن الحالي، وواصلها خلال عقد ونصف بمساعدة رئيس وزرائه مدفيدف، وحيث أن أمريكا تعلم أن روسيا لن تحارب الغرب في حرب ساخنة فعلياً، حيث أنها لا تستطيع ذلك عسكريا وفضائيا، ولو كانت مغامرة لفعلت ذلك أيام الاتحاد السوفيتي، ولذلك لا تأمل أمريكا أن تدخل روسيا الاتحادية في حرب معها، وكذلك لا يمكن ان تسمح أمريكا لروسيا ولا غيرها بالتنافس معها على زعامة العالم، أو منافستها على مكانة الدولة الأولى، وبالتالي فإن أمريكا أمام خيار وحيد في هزيمة روسيا، وهو العودة بروسيا إلى الحرب الباردة فقط.

إن مدار الخطط الأمريكية في التعامل مع روسيا هي في كيفية إحباط مشاريع روسيا الاستراتيجية في النهضة وبناء روسيا القوية، أي في إحباط الخطط التي وضعها بوتين لنهضة روسيا بعد الاتحاد السوفيتي، وهذه الخطط لا يمكن مواجهتها إلا بتوريط روسيا في حرب باردة اولاً، وفي إرهاق روسيا الاتحادية في صراعات دولية لا تقوى على مواجهتها عسكريا ثانياً، وتستنزفها اقتصاديا ثالثاً، وتضعف التماسك القومي داخل روسيا الاتحادية رابعاً، لأن الشعب الروسي الاتحادي لن يوافق على الاستمرار في خسارة بشرية وعسكرية واقتصادية حتمية، واخيرا فإن ذلك سيؤدي إلى تفكك روسيا الاتحادية كما تفكك الاتحاد السوفيتي سابقاً.

هذه الخطط الأمريكية تبدو معالمها واضحة في توريط روسيا في حروب عديدة، منها حرب أوكرانيا والقرم وسوريا وغيرها، بل وضع موانع وضوابط لتمدد الغرور الروسي في استئجار وبناء قواعد عسكرية لروسيا في مصر وايران واليمن وغيرها، وقد حاولت روسيا تأسيس تحالف عسكري رباعي مع ايران وبغداد وجيش الاسد وتشكيل غرفة عمليات عسكرية مقرها بغداد بقيادة روسية، وقد عرضت روسيا على الحكومة العراقية في بداية عهد العبادي الأسلحة الروسية المتقدمة بما فيها الطائرات الحربية، ولكن أمريكا رفضت دخول روسيا منطقة نفوذها في العراق، فأفشلت الخطط الروسية في العراق، وكذلك لم تسمح لروسيا ببناء قواعد عسكرية لها في إيران ولا في مصر، فأمريكا لا تريد أن تسمح لروسيا في بناء قواعد عسكرية في العالم لتوسيع نفوذها وتقوية نفسها، وإنما الدخول في حروب استنزاف مباشرة، وليس الاستعداد ولا التحضير لحروب قادمة خارجة عن السيطرة، وامريكا تعلم ان استنزاف روسيا في موقع واحد كبير وخطير سيكون كافياً كما حصل في أفغانستان ما بين 1979 ـ 1988، فكان توريط بوتين في سوريا خطة أمريكية خطيرة ومحكمة في استنزاف روسيا وتوريطها في حرب باردة مع أمريكا وحلف الناتو والغرب، وما كان لأمريكا أن تنجح في هذه الخطة الماكرة لولا أن خامنئي وروحاني وجواد ظريف قد شاركوا أوباما وجون كيري في هذا المشروع الجهنمي، وإلا فما حاجة روسيا لهذا التورط المميت في سوريا، فهي لو قاتلت عشرين سنة وقتلت عشرين مليون من الشعب السوري لن تستطيع البقاء ولا الانتصار عسكريا في سوريا، لأن أمريكا لم تات بها لسوريا إلا للهزيمة العسكرية واستنزاف الاقتصاد الروسي الذي يشكل رأس مال الملياردير فلاديمير بوتين وشركاته عصبه الرئيسي.

من الشواهد على ذلك أن يصدر بيانين هامين في يوم واحد بخصوص ذلك، الأول تصريح الرئيس الروسي بوتين:" ان روسيا بذلت كل ما بوسعها للتفاهم مع امريكا في سوريا ولكن أمريكا امتنعت"، والتصريح الثاني لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بدعوة أعضائه للمساهمة في أكبر حشد عسكري على الحدود الروسية منذ الحرب الباردة، وقد عقدوا اجتماعهم يوم الأربعاء 26 تشرين أول / اكتوبر 2016 على مستوى وزراء دفاع دول الناتو في بروكسل لبحث نشر كتائب الحلف في دول البلطيق الثلاث، وبولندا، وتعزيز الوجود العسكري في رومانيا وبلغاريا، اعتباراً من أوائل العام المقبل 2017، فالأمين العام للحلف "ينس ستولتنبيرغ" قال في افتتاح الاجتماع: "إن الالتزامات ستكون برهاناً واضحاً لرباطنا عبر الأطلسي"، وقال: "من الضروري أن يرد الحلف إزاء الانتشار العسكري الروسي، وسبق أن واجهت سفن أمريكية أعمالاً غير مسؤولة من طائرات روسية".

ولم يُغفل أمين عام حلف الناتو ان يذكر المجتمعين بالوحشية الروسية في قصف حلب وقتل أهلها من خلال دعوة أمين عام الناتو روسيا "لوقف عدوانها على سوريا، والسماح بالعمليات الإنسانية"، وقد استجاب بوتين لذلك بعد يومين مباشرة، بتصريح له يقول فيه:""، إنه ليس من الصواب مواصلة القصف الجوي، وبضرورة فتح أبواب الهدنة من جديد"، أي أن سوريا هي إحدى أدوات حلف الناتو لإحياء الحرب الباردة مع روسيا، وروسيا تخشى الان من تزويد المعارضة السورية بالأسلحة النوعية والالكترونية المتطورة للتشويش على الطائرات الروسية وإسقاطها، وكذلك تزويدها بالأسلحة الذكية التي لا تستطيع التكنولوجيا العسكرية الروسية مواجهتها، فروسيا بدأت تخشى نتائج المعارك العسكرية في حلب، لأن أمريكا ستستخدم الأراضي السورية لاستنزاف روسيا، وقد تقوم امريكا بتهريب قوات تنظيم الدولة داعش إلى الصحراء السورية لمحاربة روسيا أيضاً، فالقيادة الروسية في حالة إرباك عسكري في سوريا الآن.

وما الإشكالية التي عملتها فرنسا في مجلس الأمن ضد روسيا إلا خطوة في هذا الاتجاه، كما ان طرد روسيا الاتحادية من عضوية مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عبر التصويت على طردها يوم الجمعة 28/10/2016 هي خطوة في هذا الاتجاه أيضاً، فأمريكا الآن تسير في إحياء الحرب الباردة مع روسيا فقط، ولن تسير في التحضير لحرب عالمية ثالثة إطلاقاً، لأنها تدرك ان روسيا سوف تتراجع عن خطواتها العسكرية خارج حدودها هربا من الحرب العالمية أولاً، وخوفا على اموال بوتين وشركاته ثانيا، بينما أمريكا تريد روسيا في الحرب الباردة فقط، وقد يكون ذلك مؤشر على إنتهاء أمريكا من صراع الحضارات والحرب على الإسلام أو الحرب على الارهاب الذي تمثله داعش في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وبالتالي قد تكون مسرحية داعش تشهد فصولها الأخيرة من وجهة نظر أمريكية على الأقل، أي أن أمريكا في معرض تغيير استراتيجيتها في الشرق الأوسط والعالم مع الرئاسة الأمريكية القادمة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة