"أستانة" وغياب الدور العربي في قضايا المنطقة

يبقى مؤتمر أستانة الفرصة الأخيرة لعودة الدور العربي خصوصاً دور السعودية المدعوم من بقية دول الخليج.

السبت، 14-01-2017 الساعة 17:57


مع اقتراب مؤتمر "أستانة" الخاص بتسوية الأزمة السورية هل سنشهد حضوراً عربياً متميزاً، في ظل غيابهم عن أي دور فاعل في الاتفاق الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران بخصوص وقف إطلاق النار في سوريا (2016/12/29)؟

هذا المؤتمر الذي من المفروض أن تبدأ فيه المفاوضات السياسية بين النظام والمعارضة، أم أن الغياب سيكرس النفوذ الروسي التركي الإيراني في هذا البلد العربي لينهي أي دور مستقبلي لأية دولة عربية أو أي منظمة عربية إقليمية (جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي)، رغم أن دول الخليج العربي ومعهم الأردن هم أكثر المتضررين من أي اتفاق يحدث في غيابهم، ويسمح لهذه القوى الإقليمية بالحضور القوي في المنطقة، وخصوصاً إيران التي توسع بذلك من دائرة نفوذها على دولة عربية أخرى، بعد أن تم ذلك في العراق ولبنان، لنقترب أكثر وأكثر من تحقيق الهلال الشيعي والذي حذرت منه الأردن مبكراً.

واضح أن الإيرانيين يشتغلون بطريقة أكثر جدية وعقلانية؛ حيث أثبتوا أنهم يملكون وسائل عرقلة أي اتفاق بخصوص الأزمة السورية يتم في غيابهم وخارج إرادتهم، وهم الذين حرصوا على انتهاز فرصة الإجهاز على المعارضة السورية في حلب، وفهموا أن الفرصة للتصفية لا للتفاهم لهذا بقوا خارج التفاهمات الروسية التركية محتفظين بكامل أدوات العرقلة التي راكموها طيلة سنوات الحرب في سوريا، ليحركوها في الوقت المناسب ويساهموا بطريقتهم في الوصول إلى الاتفاق.

في حين تصرف الروس بطريقة براغماتية واضحة، محاولين استثمار وجودهم العسكري لتحقيق المكاسب السياسية والاستراتيجية التي تدخلوا بسببها في سوريا، وأهمها الإعتراف بهم كقوة دولية جديدة في المنطقة تعزز وضعهم في بقية المناطق المتواجدين فيها، خاصة دول الجوار الروسي التي تريد موسكو أن يتكرس فيها نفوذها السياسي هناك، وقد راعت روسيا العالم السني بل وحرصت على إعطاء صورة بأنها بعيدة كل البعد عن أي إيحاء إيديولوجي، وذلك بإرسالها قوات الشرطة العسكرية لمدينة حلب مشكلة من جنود وضباط روس من الشيشان وقيرغيستان.

اقرأ أيضاً :

100 مليار دولار استثمارات خليجية مرتقبة في تركيا

أما إيران فهي حريصة كل الحرص على الحضور الإيديولوجي لكن لا تغيب عنها النظرة الواقعية، وهي التي تملك تاريخاً طويلاً في التفاهم والحوار مع الشيطان الأكبر (الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة الأمريكية وقبله إيران كونترا وكونترا غيت)، وفي انتظار أن ينهي الأمريكان بعد أيام قليلة استقبال الوافد الجديد للبيت الأبيض، الذي يملك الورقة الكردية في سوريا، كما أنه متواجد في أرض المعركة بقواعد عسكرية على الأرض السورية، وهو الطرف الدولي المرحب به في كازاخستان (مؤتمر أستانة).

أما تركيا المتضررة من الوضع في سوريا وكذلك العراق فهي تسعى لتحقق مكاسب أمنية وسياسية في المنظور القريب، واستراتيجية واقتصادية في المنظور المتوسط والبعيد؛ لتتفرغ لحربها الطويلة مع متمردي حزب العمال الكردستاني والمنظمات المتفرعة عنه، والتي ازداد عبثها بالأمن القومي لتركيا.

تدرك تركيا أن قدرتها على الضغط على المعارضة السورية سيمّكنها من المحافظة على دور رئيسي رفقة اللاعبين الآخرين في التسوية السياسية النهائية في سوريا، وغلق ملف حرب الوكالة التي خاضتها ضد الإيرانيين في الساحة السورية، رغم أن هذه الحرب لم تؤثر على العلاقات الاقتصادية الإيرانية التركية والتي واصلت نموها وحقق الميزان التجاري بين البلدين 14 مليار دولار في سنة 2014، والاتفاق على مضاعفته إلى 30 مليار في السنوات القادمة، كما أن ملف الطاقة الحيوي بالنسبة للبلدين ساهم بشكل كبير في الحفاظ على استقرار العلاقات بين الجارتين؛ حيث تزود إيران تركيا بالغاز وبأسعار تفضيلية، وهنا تبرز العقلانية التركية الإيرانية للأحداث في المنطقة وخاصة سوريا والعراق بل التفهم والقبول لدور كل منهما.

إذاً نحن أمام قوى إقليمية (روسيا تركيا إيران) تحاول الوصول إلى ترتيبات واتفاقات حول مستقبل الأزمة السورية، في غياب أي دور عربي فاعل بصورة أو بأخرى حيث يبقى مؤتمر أستانة الفرصة الأخيرة لعودة الدور العربي، وبالخصوص الدور السعودي المدعوم من بقية دول الخليج، وهذا الدور مرحب به من طرف الأتراك والروس ومعادى من طرف الإيرانيين، حتى ولو كان هذا الدور يأتي من بوابة إعمار سوريا؛ لأن إيران تريد أن تقصي نهائياً السعودية ودول الخليج من الملف السوري مستفيدة من وضعها التفاوضي الجيد في سوريا وشراكتها الاقتصادية مع تركيا، حيث أن الميزان التجاري بين تركيا وإيران يفوق جميع دول الخليج مجتمعة، ومواصلة التنافس مع تركيا بعد إنهاء حرب الوكالة على الأراضي السورية.

إن أي قدوم عربي للساحة السورية ومد اليد لتركيا ودعمها في مفاوضتها السياسية وتنمية العلاقات الاقتصادية معها وذلك برفع التبادل التجاري معها، سيزعج إيران ويصّعب عليها تحقيق أهدافها في الترتيبات والتفاهمات المستقبلية في سوريا وغيرها من دول مشروع الهلال الشيعي، فعلى دول الخليج وعلى رأسها السعودية أن يدركوا أنهم لا يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم إلا بالحضور الميداني في الساحة السورية كما حضرت القوى الأخرى (إيران روسيا تركيا أمريكا) ليُسمح لهم بالجلوس في طاولة المفاوضات، لا كمساندين للأتراك فقط ولكن كطرف يملك جزءاً من أوراق اللعبة ولقد جربوا ولا زالوا بصورة أكثر وضوحاً في الساحة اليمنية، وحققوا مكاسب نسبية واستفادوا من أخطائهم السابقة رغم أنهم ما زالوا في حالة من التردد في حسم الأمور هناك، ودعم حلفائهم في الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً للدخول إلى صنعاء، والسيطرة على المحافظات الشمالية ومباشرة المفاوضات السياسية في وضع جيد، للتفرغ بعد ذلك للجبهة الشمالية (سوريا والعراق).

وبعد ذلك يمكننا أن نتحدث عن عودة للدور العربي والخليجي بالتحديد في قضايا المنطقة ومقاومة تداعيات زلزال الإحتلال الأمريكي للعراق في 2003، الذي حل محله بعد ذلك ولحد الآن التواجد والنفوذ الإيراني، والذي امتد لسوريا مستغلاً ضعف النظام السوري وحاجته الماسة للدعم والمساندة، في ظل انشغال الدول الفاعلة في الخليج العربي بدعم القوى المقاومة للتحول الديمقراطي، في بلدانها وخاصة الدعم الكبير الذي تلقاه الانقلاب العسكري على أول حكومة ديمقراطية في مصر؛ ممّا زاد في جراحات العرب بانسحاب أكبر دولة عربية من قضايا المنطقة، حيث غرقت مصر في أزماتها المتعددة الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، ورغم جرعات المساعدات القادمة إليها من دول الخليج العربي إلا أنها لم تنعش لحد الآن الاقتصاد المصري، ولم تفلح جميع الإجراءات الأمنية في استتباب الأمن في البلد وخاصة في سيناء.

أما دول المنطقة المغاربية فهي تعاني من الوضع المتدهور في ليبيا والتدخلات السلبية لبعض الدول العربية، واكتفاء الجزائر بالدعم السياسي والديبلوماسي في غياب أي دور ميداني في الساحة الليبية، ممّا ساهم في مُرواحة الإتفاق السياسي مكانه، الذي يحتاج إلى دعم قوي من طرف الجزائر وهي التي تملك علاقات حسنة مع جميع الأطراف الليبية، وأي تأخر في دخول الجزائر سيفسح المجال لقوى دولية للتدخل وإعادة السيناريو السوري بشكل آخر.

هذا الدور الجزائري لا بد أن يقابله تنسيق وتعاون مع مصر الداعمة للغرب الليبي (جيش حفتر والقوى السياسية المتحالفة معه)، وأي تأخر من مصر والجزائر في التدخل الإيجابي في الأزمة الليبية سيؤخر التسوية للأزمة، ويفتح الباب أمام قوى دولية للتدخل المباشر.

إن التدخل المصري الجزائري في حل الأزمة الليبية باعتبارها قضية تهم الأمن القومي لكلتا الدولتين، بل تدخل ضمن واجباتهما للمحافظة على السلم والأمن في كامل الإقليم ببعده العربي والأفريقي والمتوسطي، يمكن بعد ذلك الحديث عن دور فاعل لأكبر قوتين عسكريتين في أفريقيا والعالم العربي (مصر والجزائر) في قضية تخص بلداً عربياً أفريقياً ينتظر فرقاؤه دعمهم لتوسيع الاتفاق السياسي وطي صفحة الأزمة الليبية نهائياً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة