أشلاء في المسجد

هوية الضحايا وطائفتهم أنهم "يشبهوننا تماماً"، فهم أناس مثلنا يشاركوننا الملامح ذاتها ولون البشرة.

الجمعة، 03-04-2015 الساعة 08:43


وجوه مغموسة بالدم، أشلاء متناثرة في مسجد، بقايا بشرية موزَّعة في الأرجاء. ولا تتوقف المأساة عند المذابح المتلاحقة في أوقات الاجتماع للصلاة أو التجمهر في الساحات؛ بل تتجسّد أيضاً في استسهال "المشاهدين" هذه الوقائع اليومية، وتكيّفهم معها، في زمن القتل على الهوية الفرعية والانتماء الطائفي. من يسأل عن هوية الضحايا وطائفتهم قبل أن يقرِّر تشغيل تعاطفه معهم؛ قد يعميه الجواب عن أنهم "يشبهوننا تماماً"، فهم أناس مثلنا، يشاركوننا الملامح ذاتها ولون البشرة، وحتى مواصفات اللباس تقريباً.

إنْ رضخ "المشاهدون" لهذا الاستسهال؛ فستكون الاستساغة التي تستبطن الرضى عن الفظائع، من أعراض المجتمعات غير السوية، المتجردة من إنسانيتها.

مهما كانت الملابسات؛ فلا ينبغي التسامح مع نزعات كهذه، أو الاستسلام لغواية التقويض الذاتي لمنظومة القيم والمبادئ التي يهوي بها الواقع. فقد يَسهُل اكتشاف من يلوم الضحايا في قرارة نفسه، ويحمِّل ذوي الأشلاء الممزقة مسؤولية ضمنية عمّا أصابهم في بهو مسجد أو زحام سوق.

إن كان هذا هو الحال حقاً، فلا غنى عن خوض مُساءلات شرعية ومحاسَبات أخلاقية ومراجعات تربوية، وفحص النفسيات العامَّة للجماهير وما آلت إليه في موسم الشحن والضغائن. هي عِظة لا تؤجّل حتى لو دقّت طبول الحرب أو هاجت عواصف الحزم.

فما هو مؤكّد أنّ المنطقة تعايش مرحلة الإسراف في سفك الدماء، مشفوعةً بشعارات منسوجة وذرائع محبوكة، فتتلاحق الوقائع المرعبة التي ترسم أقسى المشاهد. وفي النهاية؛ ستَعلَق الأشلاءُ الملوّنة بالأذهان، فتستقرّ في كوامن المجتمعات التي تتأجّج فيها صناعة الأحقاد وثقافة الكراهية.

تعلِّمنا تجارب الأمم وخلاصات الاجتماع الإنساني أنّ الجماهير قد تنزلق إلى التوحّش إن تحوّلت الفظائع من حولها إلى سلوك مقبول ولم يكبحها دين أو أخلاق أو ضمير. مثل هذا حدث حقاً في القارات كافّة؛ عندما تعطّلت الضمائر.

والثابت أنه ما من أحد في المنطقة إلاّ وعايَن واقعة ذبح أو حادثة تفجير، أو عايَش فظاعة حزّ رأس أو إحراقٍ على قيد الحياة، تحقّق له ذلك ضمن ما يراه من النافذة أو ما يضخّه الواقع اليومي المصوّر إلى غرفة الجلوس عبر الشاشة. إنه علاوة على تفاعلاته المتعددة؛ ينتصب تحدّياً عسيراً لتنشئة الأجيال في فضاءات التربية والتعليم والإعلام والثقافة.

لا يصحّ مع هذا كله جَلد ظهور الشعوب مع إعفاء الأنظمة ومراكز القوى في الداخل والخارج من الظواهر المتفاقمة. وهي ظواهر قد يدرك الجميع كيف تراكمت، ولا يعلم إلاّ الله وحده ما ستُفضي إليه من عواقب.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة