أطفال الشوارع

إن تضييق الخناق على صور التعبير حتى إذا كانت على سبيل السخرية والتهريج، يسيء إلى النظام بأكثر مما ينفعه.

السبت، 14-05-2016 الساعة 15:40


ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية في 5/10 الحالي أن قوات الأمن المصرية ألقت القبض على أعضاء فرقة غنائية ساخرة تسمى "أطفال الشوارع"، تنفيذاً لقرار ضبط وإحضار أعدته النيابة العامة. ونقلت عن المصادر الأمنية والمحامين المصريين قولهم إن التهمة التي وجهت إلى أعضاء الفرقة الستة أنهم قاموا بالتحريض على مؤسسات الدولة. إلا أن وكالة أنباء أسوشيتدبرس قالت إنهم انتقدوا الرئيس عبد الفتاح السيسي وكان موقع صحيفة الأهرام قد ذكر في 7 مايو أن نيابة مصر الجديدة أمرت بحبس أحد أعضائها (عز الدين خالد ــ 19 سنة ــ طالب بكلية التربية) لمدة 4 أيام على ذمة التحقيق.. وفي وقت لاحق ألقي القبض على بقية أعضاء الفرقة.

كانت تلك المرة الأولى التي سمعت فيها باسم الفرقة، الأمر الذي أغراني بتتبع نشاطها. فوجدت أنها ضمت عدداً من الهواة الذين لجأوا إلى تأليف بعض المقاطع الساخرة التي تنتقد الأوضاع السياسية الراهنة في مصر، وأنهم ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي. وعلمت أنهم نشروا أخيراً مقطعاً تحت عنوان "السيسي رئيسي"، كما تندروا على شعار "تحيا مصر". وقد حاز فيديو الفرقة الأخير على أكثر من 285 ألف مشاهدة على صفحتها على موقع فيسبوك.

حين طالعت المقاطع التي أعدها هؤلاء وجدتها خفيفة الظل وبسيطة التعبير، ولم أجد مضمونها يختلف كثيراً عن الرسوم الكاريكاتورية التي تنشرها الصحف المستقلة. ورغم ضعف ثقافتي الفنية فإنني لم أجد في أداء "أطفال الشوارع" شيئاً يختلف كثيراً عمّا يتردد في حلقات الجالسين على المقاهي، الذين يتداول بعضهم أحدث النكات والقفشات في السياسة وغير السياسة.

لا أعرف من الذي نصح بملاحقة الفرقة وسخرياتها المرة. وأخشى إذا استمرت تلك السياسة أن يتحول نصف الشعب المصري إلى متهمين لأن النكتة لا تفارق جلساتهم. في الوقت الذي لا أشك في أن الداخلية قدمت خدمة جليلة للفرقة المغمورة. حين حولت أعضاءها إلى نشطاء سياسيين رغماً عنهم ووفرت لهم حملة دعائية لم يحلموا بها. ذلك أن الإجراء الذي اتخذ بحقهم صار خبراً بثته الإذاعة البريطانية في أكثر من فقرة، وتناقلته بعض وكالات الأنباء العالمية. كما أنه حظي بحصة معتبرة من النشر في الصحف المصرية والعربية.

ما لاحظته أيضاً على التغطية الإخبارية للحدث أن مصادر التحقيق كررت اتهام الفرقة بالإساءة إلى مؤسسات الدولة. وفيما تابعته من تسجيلات فإنني لم أجد أثراً لمثل تلك الإساءة، فضلاً عن أنها لم تتضمن إشارة إلى أي مؤسسة في الدولة. وحدها كانت وكالة أسوشيتدبرس التي تحدثت عن أن إشارة الفرقة إلى اسم الرئيس السيسي هي السبب الحقيقي لإجراءات الضبط والتحقيق التي أجريت لهم. وكانت جريدة "الشروق" ضمن الصحف التي ذكرت في أحد عناوينها: "التحقيق مع فرقة أطفال الشوارع في التحريض على مؤسسات الدولة".

القصة لها دلالاتها التي تثير الانتباه. ذلك أن لجوء تلك المجموعة الصغيرة من الهواة إلى الأسلوب الساخر في نقد السياسة له مغزاه المهم. إذ كان بوسعهم أن يحققوا الانتشار وأن يصبحوا "نجوماً" إذا سلكوا طريقاً آخر لا يكلفهم شيئاً. واختيارهم هذا الأسلوب يعبر عن متغير حاصل في المجتمع وحيوية ما زالت جذوتها مشتعلة بين الشباب. وبدلاً من تفهم الحالة والتعامل معها بأسلوب واع ورصين، فإن الأجهزة الأمنية لجأت إلى قمع الشباب وتأديبهم. فتصرفت بحساسية واعتبرت أن أي انتقاد للرئيس حتى إذا جاء في سياق فقرة ترويحية إساءة للدولة بأسرها. ليس عندي أي دفاع عن الإساءة إذا حدثت، وأزعم أن احترام مقام الرئاسة واجب كل مواطن، لكنني أفرق بين انتقاد الرئيس والإساءة إليه. إذ الانتقاد ينصب على السياسة ويتعامل مع المجال العام، في حين أن الإساءة توجه نحو الشخص وتتعامل مع مجاله الخاص. والأول مباح ومطلوب لتصويب المسار وتوفير عناصر النجاح، والثاني محظور لأنه يخل بواجب الاحترام للشخص والرمز والمقام.

إنني أخشى من المبالغة في الحساسية وضيق الصدر، حتى لا يشيع الانطباع بأن السلطة وأجهزتها الأمنية لا تنظر بعين الرضا والترحيب إلا للتأييد والتصفيق. وإن كل ما عدا ذلك صار من مواصفات أهل الشر المغضوب عليهم.

إن في مصر جهات باتت تتفنن في إسكات أصوات النقد بمختلف السبل، وسمعت في هذا الصدد من بعض المحامين عن تهم مدهشة تسعى لفرض الإسكات باسم القانون. من ذلك مثلاً اتهام من أعلن اعتراضه على إلحاق الجزيرتين بالمملكة السعودية بأنه: "استخدام القوة اللفظية لمنع الرئيس من أداء واجباته". ومصطلح القوة اللفظية بمثابة صياغة مبتكرة للإسكات. من ذلك أيضاً توجيه تهمة "الجهر بالصياح" لمن هتف بما لا يرضي السلطة.

إن تضييق الخناق على صور التعبير حتى إذا كانت على سبيل السخرية والتهريج يسيء إلى النظام بأكثر مما ينفعه، فضلاً عن أنه يشيع حالة من الإحباط واليأس بين النشطاء الذين يفترض أن يكونوا في طليعة المتفائلين بالمستقبل. وقد شعرت بالحزن حين قرأت لأحدهم مدونة قال فيها: ما هو العمل العام الذي يمكن أن يستشعر المرء فيه حريته واستقلاله، ولا تؤدي به ممارساته إلى السجن في نهاية المطاف؟

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة