ألغام في طريق التقارب السعودي الجزائري

تشهد العلاقات الجزائرية مع الدول العربية بالشرق الأوسط حالة من الفتور، وخاصة مع أهم لاعب إقليمي عربي.

الأربعاء، 23-12-2015 الساعة 17:45


تنهمك الجزائر في محيطها الأفريقي من يوم لآخر، حيث تعطي أولوية كبيرة لذلك مقارنة بمحيطها العربي؛ ما يزيد من عزلتها عربياً حيث تستضيف هذه الأيام مؤتمر السلم والأمن الأفريقي بمدينة وهران، كما استضافت منذ أيام مؤتمر الشرطة الأفريقية "AFRIPOL"، ولقد أكد وزير خارجية الجزائر رمطان لعمامرة، على عمل الجزائر في شتى الأصعدة في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للبلدان ومنع دفع الفدية.

كما كان للقوات الجزائرية دور كبير في التمرين الميداني الثاني للقوة الأفريقية الجاهزة، الذي تم مؤخراً في جنوب أفريقيا، والهدف منه حسب الخارجية الجزائرية هو تحصين القارة من التهديدات الكبيرة التي تتربص بها، كما قامت القوات الجزائرية بنقل الوحدات التابعة للعديد من الدول خاصة من دول غرب أفريقيا، وتسعى الجزائر برفقة شركائها في الاتحاد الأفريقي لحل الأزمات بكل الطرق، وعلى رأسها الطرق الدبلوماسية والحلول السلمية والوقاية المستبقة، من خلال الاعتماد على مشاورات لجنة العقلاء، حيث شارك مؤخراً في أشغال اللجنة الديبلوماسية الأممي ووزير خارجية الجزائر الأسبق، لخضر الإبراهيمي، بصفته عضواً من هذه الهيئة التي كان يرأسها الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بلة.

كما تسعى دول الاتحاد الأفريقي للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وكذلك الحضور المتزايد في أزمات القارة، حيث صرح إسماعيل شرقي، مفوض السلم والأمن، بالتحضيرات الجارية من قبل الاتحاد الأفريقي لمواجهة جماعة بوكو حرام في نيجيريا، وإمكانية بعث قوة أفريقية إلى شمال مالي، ناهيك عن القوات المشتركة مع الأمم المتحدة في أوغندا.

ألغام سياسية يعج بها الطريق الديبلوماسي بين الجزائر والرياض.

وأمام تنامي الدور الإقليمي الكبير للجزائر في القارة الأفريقية، تشهد العلاقات الجزائرية مع الدول العربية بالشرق الأوسط حالة من الفتور، وخاصة مع أهم لاعب إقليمي عربي ألا وهو المملكة العربية السعودية، وذلك نتيجة اختلاف الرؤى والمواقف بين البلدين في أكثر من ساحة؛ سواء كانت سياسية أو اقتصادية، بدءاً بالأزمة السورية، حيث ما تزال الجزائر تعترف بنظام الأسد في حين استضافت الرياض مؤخراً مؤتمر المعارضة السورية، لتأتي الأزمة اليمنية لتعقد العلاقات وذلك بإصرار السعودية على المضي في تحالف عربي تحت قيادتها لتحجيم الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع عبد الله صالح، في حين تقدمت الجزائر بمبادرة ديبلوماسية وأعلنت استعدادها لاستضافة أطراف الأزمة، إلا أن الحل العسكري كان هو الأسرع، بالإضافة إلى عدم امتلاك الجزائر لأوراق ضاغطة على طرفي الأزمة اليمنية، وسرعة تحرك السعودية في الموضوع اليمني مقارنة بتدخلها المتأخر في سوريا؛ وذلك لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي السعودي وكل دول الخليج العربي.

وبعد رفض الجزائر المشاركة في عاصفة الحزم وإنشاء قوة عربية مشتركة، تجدد موقف الجزائر في عدم الانخراط في التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب بقيادة السعودية، دون أن ننسى موقف السعودية المؤيد للمغرب في نزاعه مع جبهة البوليساريو الحليفة للجزائر حول إقليم الصحراء الغربية.

- الألغام الاقتصادية

أما الألغام الاقتصادية، فساحتها منظمة الدول المصدرة للبترول (OPEk) وتداعيات أسعار البترول على الاقتصاد الجزائري الذي لا يتحمل أقل من37 دولاراً للبرميل، وهنا الاتهام موجه للسعودية مباشرة وعدم رغبتها في تخفيض العرض من الإنتاج، لتعود الأسعار إلى مستويات مقبولة لا تضر بالتوازنات الكبرى للاقتصاد الجزائري؛ ما زاد في حقن العلاقات لتتحرك إيران المتضررة هي الأخرى من انخفاص البترول وتلتقط اللحظة التاريخية التي أهديت لها، في تلغيم العلاقات الجزائرية السعودية، لتنشط إيران في تعزيز علاقاتها مع الجزائر.

حيث تتقاطع الدولتان في موضوع الاعتراف بنظام بشار الأسد وبدرجة أقل في الموضوع اليمني، حيث ترفضان التدخل السعودي، لتجد إيران ولو بشكل نسبي محاوراً عربياً ذا امتدادات إقليمية للخروج من عزلتها في العالم العربي.

وتجسد ذلك بزيارة نائب رئيس الجمهورية الإيرانية، إسحاق جانغنيجري، وهي زيارة ذات بعد استراتيجي حيث تم تفعيل اللجنة العليا المختلطة الجزائرية الإيرانية، وتم تعزيز هذا التعاون بجملة من الاتفاقيات في مجالات الشباب والرياضة والتكوين والتعليم المهنيين والثقافة والأشغال العمومية، وكذلك التعليم العالي والبحث العلمي، بالإضافة إلى الاستفادة من الخبرة الإيرانية لتطوير صناعة تركيب السيارات، كما يجري الحديث عن تعاون عسكري لتطوير المنشآت والقدرات للصناعة العسكرية الجزائرية.

إن الأهمية الاستراتيجية لهذا التقارب بين الجزائر وإيران تكمن في أن الأخيرة فهمت أن الدولة الأهم في شمال أفريقيا وأحد اللاعبين الرئيسين في القارة السمراء، والدولة العضو في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي التي لم تنخرط في التحالفات التي تقودها السعودية، بإمكانها فك الطوق المضروب عليها في العالم العربي.

إن تغريد الجزائر خارج السربين العربي والإسلامي في موضوع التحالفات العسكرية، له أسباب جوهرية لا بد من العمل على مواجهتها، خاصة أن الجزائر لا تريد أن تخسر دولتين مهمتين مثل إيران والسعودية، لترجح خيار التوازن ولعب دور الوساطة والبحث عن الحلول السياسية في الأزمة اليمنية وغيرها، كما تسعى الجزائر للتقريب بين وجهات النظر السعودية والإيرانية، خاصة وأن لها تاريخاً طويلاً في الوساطة بين العراق إايران الشاهنشاهية، وكذلك إيران الثورة، حيث دفعت الجزائر الثمن غالياً بإسقاط الطائرة التي كانت تقل الوفد الديبلوماسي الجزائري بقيادة وزير الخارجية، محمد الصديق بن يحيى، كما أن السعودية تعتبر الجزائر "بلداً مريحاً يختلف بكل وضوح، فتتعامل معه باحترام لوضوحه رغم العتب، المشكلة مع حليف (مصر) يبطن ما لا يظهر" وهذا ما تردده دوائر قريبة من صناعة القرار السعودي.

إن المحصلة الاستراتيجية للتقارب السعودي الجزائري مع الحفاظ على التقارب الجزائري الإيراني ستكون خادمة للتسوية السياسية للأزمة اليمنية، كما تكون إضافة مهمة للتسوية السياسية في سوريا.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة