ألوان في الفضاء وكوارث على الأرض

معارك طاحنة على الأرض وألوان بهيجة في الفضاء التلفزي، تلخِّص تناقضات الحال العربية الراهنة.

الخميس، 02-10-2014 الساعة 09:14


معارك طاحنة على الأرض وألوان بهيجة في الفضاء التلفزي، تلخِّص تناقضات الحال العربية الراهنة.

يأتي الإغراق في الترفيه وإظهار البهجة على الشاشات؛ تعميةً على واقع ينضح بحقائق وتفاصيل لا تبعث على الرضى.

لمسلك التخدير هذا تقاليده. كان مقصّ الرقيب السُّلطويّ الذي عفا عليه الزمن، يتحاشى أساساً تَبرعُم مشاعر التذمّر لدى الجمهور المكبوت، بما قد يحيل التذمّر إلى نوْبات من السّخط والغضب تشحن إرادة التغيير.

تكشف خبرات الأمم عن شواهد طريفة في طقوس التوزيع الجماهيري للحبوب المنوِّمة. كان رقيب البلاط الملكي النمساوي البائد، مثلاً، يمعن في تحوير الألفاظ الواردة في صحف القرن التاسع عشر، فيزيح مفردة "الحريّة" ليضع "السّعادة" مكانها، مستفيداً من التقارب اللفظيّ بينهما في اللغة الألمانيّة.

أمّا اليوم؛ فما الذي تُنجزه بعض الفضائيّات في زمن "تحرير" البثّ من اجتياز قنطرة الرقيب؛ سوى إشاعة مشاعر الرضى، ونقل المشاهدين إلى عوالم افتراضيّة صاخبة من الأضواء والألوان والمعزوفات، تشي بالبهجة الغامرة، وتبعث على الرضى بالواقع الذي يُخيّل أنه يستدعي كلّ هذه الاحتفاليّات المتواصلة والابتسامات العريضة.

ليس المجال للمقارنة بين تلك المشاهد وما يمكن إبصاره ومعايشته في معظم تفاصيل الواقع العربيّ؛ بل لإثارة التساؤل عن ما تتسبّب به هذه المسالك من التعمية على الواقع ومنح تقديرات مضلِّلة بشأنه.

إنّ وفرة من المحطّات العربيّة هي اليوم المكان الأمثل لبَلْوَرَة وَعيٍ زائف منفصم العرى عن الواقع، بل قد تدفع إلى تبلوُر اهتمامات وتصوّرات لا مصلحة للمشاهدين فيها البتّة.

فهل ما يندلق على المشاهد العربيّ عبر شاشات التلفزة يستجيب حقّاً للمعضلات والتحدِّيات التي تواجهها أمّته؛ التي تتقاسمها حالات التشظي والاحتلال وضمور السيادة وتمزّق نسيجها الاجتماعي وبروز ظواهر العنف المسلح؟ إنها الأمة ذاتها التي تتدهور في قعر المؤشِّرات العالمية في مجالات التنمية الشاملة، وتعلق مع هزالها في حقول العلوم والمعارف والتقانة، وينخر في بنيانها الفساد بصوره وتجلِّياته، وتفتقر زيادة على ذلك إلى الشفافيّة والحكم الرشيد والمشاركة الشعبية.

تتزاحم المؤثِّرات الإعلاميّة المتداخلة عبر الجغرافيا وتنوّع الوساط؛ فتتصارع على وعي الجمهور موظِّفة ما هو مُتاحٌ من الأدوات والقوالب والمضامين الإعلاميّة.

والتساؤل الملحّ هو عن مآل الجمهور الذي يقبع في خانة التلقي بلا مشاركة في صياغة الواقع الإعلامي الذي يغمره، وينزوي في ركن الخضوع غير الواعي للمؤثرات الواردة من أي مكان مع التدفقات الكثيفة؛ دون توظيف كلّ ما هو ممكن أو قابل للاستحداث والتطوير من أدوات النقد والاعتراض.

فالمشاهدون الذين يُراد لهم أن يظلّوا عالقين في خانة الفُرجَة والتصفيق؛ هم في الواقع من يمنحون الشرعيّة للبرامج والمضامين، وهم يقفون في مركز العمليّة التواصليّة؛ لا في هامشها أو على أطرافها، لكنهم لم يستعملوا خياراتهم حتى الآن، ولم يتوجّهوا إلى فرض إرادتهم وتسجيل حضورهم في مواجهة أرباب التدفقات المخدِّرة.

تغيب الأصوات وتستقيل المجتمعات، في عالم عربي بهيج وملوّن في الشاشات فقط، ثمّ يسألون من أين تأتي "داعش".

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة