أمريكا تحكم ترامب

لم يُخفِ ترامب شيئاً من مكنوناته، قال كلَّ ما يؤمن به، ومضت قافلته بسلام حتى وصلت إلى أبواب البيت الأبيض.

الخميس، 10-11-2016 الساعة 10:40


فاز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، معلناً عن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. فاز ترامب وخالف كل التوقعات والترشيحات واستطلاعات الرأي التي كانت تشير إلى أن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ستدخل إلى البيت الأبيض برفقة زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون. فاز ترامب معلناً تدشين مرحلة جديدة، أو هكذا يريد أو يوحي لنا الإعلام الأمريكي، من دور أمريكا في العالم، ليكون ترامب، المختلِف والمختلَف عليه، زعيماً لأقوى بلدان العالم.

ترامب مختلف عن أيٍّ من رؤساء أمريكا السابقين، فهو لم يأتِ من خلفية سياسية، كحالهم، ولم تتلوث سنواته التي جاوزت السبعين بألاعيب وحيل السياسة، وكان طيلة خطاباته في أيام السباق الانتخابي، واضحاً بلا مواربة، يعبر فيها عن رأيه، الأمر الذي أثار عاصفة من الانتقادات والمخاوف من وصوله إلى البيت الأبيض، لكنه وصل.

لم يُخفِ ترامب شيئاً من مكنوناته، قال كل ما يؤمن به، ومضت قافلته بسلام حتى وصلت إلى أبواب البيت الأبيض، متحدياً كل الأعراف الديمقراطية العريقة التي دأبت عليها أمريكا منذ تأسيسها 1776، فترامب لم يكن مهذباً تجاه النساء، ولم يكن معترفاً بحقوق الأقليات والمهاجرين، وجرح كثيراً من المعاقين بتصريحاته التي لم تحمل أدنى قدر من اللياقة، كما أنه كان عدوانياً تجاه العديد من دول العالم، ومع ذلك فاز ترامب.

ترامب البليونير الذي جاء راكباً على صهوة طائراته الخاصة وثرواته التي لا أحد يعرف حجمها؛ كونه نجح في كثير من الأحيان في التهرب من الضرائب، يحمل بين طيات سياسته الكثير من الذي تبحث عنه أمريكا للسنوات الأربع الماضية، بغض النظر عن أن وصول ترامب للبيت الأبيض أغضب البعض أو أعجب البعض الآخر.

الكثير حول العالم اعتبر أن وصول ترامب إلى الرئاسة سيكون كارثةً على العالم، بعضهم وصفه بالأهوج وآخر وصفه بالمتهور الذي سيقود العالم إلى الهاوية، ودوماً ما ينسى هؤلاء أن أمريكا ليست دولة عالم ثالث أو دولة نامية. ترامب، وبعد فوزه بالرئاسة مباشرة، ظهر بخطاب مختلف تماماً عن خطابه خلال السباق الانتخابي، ظهر ابناً باراً للمؤسسة السياسية الأمريكية، نسي أو تناسى خطابات الكراهية والعنصرية التي كان يقذف بها عالياً في سماء المهرجانات الانتخابية.

بالعودة إلى الوراء قليلاً، نجد أن أمريكا لا يصل إلى سلطة بيتها الأبيض إلا من ترغب في وصوله المؤسسة الحاكمة الفعلية في أمريكا، مؤسسة المخططين والاستراتيجيين، الذين يرسمون ليس خطط أمريكا للأعوام الأربعة المقبلة وحسب، وإنما حتى للعالم، ربما.

عندما غزا جورج بوش الابن كلاً من أفغانستان والعراق، واجهت الجيوش الأمريكية الغازية مقاومة عنيفة، أعادت إلى واشنطن العشرات -بل ربما المئات- منهم في توابيت ونعوش، كما أن وجه أمريكا الديمقراطية تضرر كثيراً جراء الانتهاكات البشعة التي ارتكبتها في كلا البلدين، وباتت سمعة الديمقراطية الأعرق بالعالم في الحضيض، فكان لا بد من التغيير، فجاء أوباما بهذا الشعار، التغيير، الذي لم يكن يعني أكثر من الانسحاب من العراق، وفعلاً حصل، كما أن وصول أول رئيس أسود إلى البيت الأبيض في وقت كانت أمريكا تدافع بشراسة عن ديمقراطيتها، كان رسالة مفهومة المعاني والدلائل.

اليوم، هناك حاجة أمريكية، قبل أن تكون حاجة دولية، لتغيير بعض قواعد اللعبة، أمريكا اليوم تريد أن تعيد بعضاً من هيبةٍ، فقدت الشيء الكثير منها بإحجام أوباما عن التدخل في العديد من أزمات العالم، سواء في سوريا أو العراق، هذا ما تحتاجه أمريكا فعلياً، ومن هنا كان وصول ترامب أمراً طبيعياً، وليس وصول كلينتون التي كانت ستسير على خطى أوباما.

ما يجب أن نفهمه أن أمريكا -وهذا سر قوتها- لا تدار بأهواء أو حتى بأصوات الشارع الناخب، كما قد نعتقد ويعتقد البعض، وإنما تدار وفقاً لخطط واستراتيجيات تضعها مجموعة متحكمة، تعرف ماذا تفعل وأين تفعل ومتى تفعل.

حتى أصوات الأمريكيين ذهبت إلى المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، إلا أن نظام تصويت المجمع الانتخابي خالفها وذهب إلى ترامب، تلك ببساطةٍ أمريكا، وتلك ببساطة!

لا داعي للقلق، ترامب لن يفعل سوى ما تريده منه مجموعة إدارة أمريكا والعالم، التي يبدو أنها فعلياً تريد أن تعيد لأمريكا شيئاً مما فقدته، شيئاً مما فقدته عن قصدٍ خدمةً لبقائها قوية أولاً، وخدمةً لبقاء ربيبتها إسرائيل في المنطقة العربية ثانياً.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة