أمور ثلاثة للوقوف على طبيعة الصراع في معركة العصف المأكول

سيعمد الاحتلال الإسرائيلي إلى إلحاق خسائر بشرية ومادية ضخمة بخصمه، حتى يعوض بعض كسر السمعة والهيبة والإذلال الذي انتهى إليه

الأحد، 20-07-2014 الساعة 11:31

وسط زحمة الأخبار وتراشق التصريحات والاتهامات والمبادرات، وما تنطوي عليه من مكاسب أو تنازلات، ومع التطور السريع لمسار الأحداث والارتفاع الطبيعي للفاتورة البشرية للمعركة، والثمن الباهظ للنصر القادم الذي ندفعه من خيرة أبناء هذه الأمة، ثمة أمور ثلاثة متعلقة بسير الأحداث، تشكل منطلقات مهمة لفهم وتقييم الأوضاع، نحتاج إلى النظر فيها:

 

الأول: إن المعركة التي تدور اليوم بين الفلسطينيين والصهاينة بالنسبة للمقاومة ما هي إلا واحدة من المعارك التي وَجدت المقاومة الفلسطينية نفسها مضطرة لخوضها وفق تطور معين لظروفٍ الاحتلال مسؤول عنها أكثر من أي طرف آخر، وبالعودة الى خطاب السيد مشعل الذي ألقاه مع بداية اندلاع الأزمة على وسائل الإعلام سنجد كم هو من الواضح حديثه عن معركة فُرضت على الفلسطينيين لا مفر من مواجهتها، ولا نحتاج إلى كثير من التعمق أو الاطلاع لنقرر بأن المقاومة قد أظهرت من الحرفية والانضباط والإتقان ما لم يكن في الحسبان، ولذلك فإن أي خروج مشرّف اليوم من هذه المعركة هو مكسب كبير للفلسطينيين وخسارة كبيرة لجيش الاحتلال، ولكن يبقى تعريف كلمة (مشرّف) في هذه المرحلة هو المحدد الذي يختلف من طرف لآخر ومن وقت لآخر.

 

ففي الوقت الذي بادرت فيه المقاومة الفلسطينية لتقديم تعريفها لكلمة (مشرّف) بجملة من الشروط اللازمة لوقف إطلاق النار -والتي لم تزد عن الحد الأدنى من مقومات الحياة لشعب يعاني الأمرّين في سبيل استمرار وجوده- ثبت للمرة الألف -وربما أكثر- أن دولاً ومؤسسات ممن تصدوا مراراً وتكراراً لإدارة الصراع ولعب دور الفاعل فيه كانوا ولازالوا مأسورين لمعادلات واتفاقيات ومصالح وأعراف ابتدعوها، تمنعهم من تجاوز سقوف معينة في كل ما يقولون ويفعلون وما يفكرون حتى، بعكس آخرين في هذه الأزمة كان لهم موقف لا يجب أن ينكر في احتضان المقاومة وتبني مطالبها والتناغم معها والتعبير عنها إن لزم الأمر، في وقت خذلها فيه الكثيرون وتنكر لمسؤوليتهم تجاهها العديدون.

 

وبينما حرصت المقاومة على تجاوز المعركة باتباع استراتيجية الهروب إلى الأمام، كان جلياً أن ثلة معينة من بيننا لا تعرف وسيلة للركض إلا إلى الخلف، حتى بلغ من تضعضع وضعها أن تلوم المتجهين إلى الأمام وتعتبرهم المسؤولين عن الجريمة.

 

الثاني: وبعد أن بلغت المعركة من الجدية والحدية ما بلغت، فمن الأمور المهمة بالنسبة للصهاينة مراقبة الوضع وتركه ليمتد ولو قليلاً حتى يتبينوا سقف القدرات الحقيقي للمقاومة الفلسطينية وما تملك في جعبتها من مفاجآت، فكلما زاد أمد هذه المعركة كلما كانت المقاومة مضطرة أكثر إلى تقديم المزيد مما لديها حتى لا يبقى لديها مزيد، وفي المقابل سيكون على الصهاينة تحمل تبعات ما يترتب على الخسائر والانتكاسات التي تصيبهم. وككل مرة فسيعمدون إلى إلحاق خسائر بشرية ومادية ضخمة بخصمهم حتى يعوضوا بعض كسر السمعة والهيبة والإذلال الذي انتهوا إليه.

فبقدر ما يحاول العدو الصهيوني الظهور بمظهر الحضاري المتمدن، فإن مراجعة بسيطة لتاريخ المعارك السابقة وطريقة إدارته للصراع ستظهر بوضوح كيف أن الحل الذي يتم دائماً اللجوء إليه من قبل هذا الكيان إنما يكون باستخدام التكنلوجيا والأسلحة الفتاكة -المتوفرة لديه بدعم من العالم المتقدم الحر- ليوجه ضربات وحشية تستهدف المدنيين والحاضنة الشعبية للمقاومة وتوقع الخسائر الكبيرة بين النساء والأطفال.

هذا اللجوء المستمر لهذه الطريقة الوحشية هو وحده المعيار الذي يجب الاستناد إليه في تقييم آفاق العلاقة الممكنة مع هذا الكيان الفاقد للإنسانية الموغل في الدماء، المغلق التفكير على وسائل الإجرام والقتل والذي لا يعرف حلولاً أو وسيلة منطقية للتعامل مع الآخر، فهو إما أن يحاصر الأطفال والنساء ويتفرج عليهم ببهجة وهم يموتون ببطء، وإما أن يهاجمهم بأسلحته الفتاكة ويتلذذ بمشاهد أشلائهم ودمائهم وقد غطت الأرض والجدران.

 

الثالث: إن الانقسام الطائفي والمذهبي والحزبي في صفوف الشرائح المختلفة لأبناء المنطقة العربية وخصوصاً بلاد الشام والعراق، بلغ من الشدة والحضور في المشهد ما جعله المحدد الأساس لتوجهات جميع العناصر الفاعلة في هذه المنطقة، ومهما حاولنا أن نجمّل الصورة أو أن نخفي هذا الجانب المخجل منها فإن الواقع للأسف أجلى من أن نتعامى عنه أو أن نتهاون في تقييمنا له، لقد وقف عدد غير قليل من القوى والمؤسسات والجهات إلى جانب الصهاينة إما بشكل غير مباشر عبر صمتهم وعدم بذلهم ما يستطيعون من جهد معنوي أو مادي لصد هذا العدوان، وإما عبر التعبير المباشر بالفعل أو بالقول بأنهم يفضلون الوقوف إلى جانب الصهاينة والمستوطنين على أن ينتصر إخوانهم في معركة يضطرون بعدها للإقرار بفضلهم خوفاً من أن تتطور الأمور إلى الإقرار بأحقيتهم بتصدر المرحلة.

هذا المستوى من الانحطاط في تقدير الأولويات والانحراف في توظيف الأدوات الذي لا ينفك يبرز في مثل هذه الظروف الحالكة، لا شك وأنه عائق فعلي أمام تحقيق انتصار حقيقي على عدو يثبُت يوماً بعد يوم أنه أضعف بكثير مما يبدو عليه، وأن ما يفصلنا عن انتزاع حقوقنا منه متعلق بما نملكه من مقومات نسيء استخدامها، أكثر بكثير مما هو متعلق بما يملكه العدو نفسه من أدوات مزعومة لا نملك بعد وسائل صدها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة