أنا جزائري وضد بشار الأسد

الجزائر قزّمتها دبلوماسيتها إلى أكثر ما يمكن تخيله، ومن سافر في أصقاع العالم سيدرك صورة الجزائر البائسة.

الاثنين، 25-04-2016 الساعة 12:10


"أنا جزائري وضد الأسد"، هذا ليس عنوان أغنية، ولا هو شعار في مظاهرة وتجمع سياسي، بل هو وسم (هاشتاق) أطلقه الجزائريون في مواقع التواصل الاجتماعي كرد فعل على مواقف حكومتهم المخزي جداً من الأزمة في سوريا.

لقد تعاملت الحكومة الجزائرية مع ما يجري في سوريا من منطلق معادٍ لثورات ما سمي بـ "الربيع العربي"، وكان هذا الاصطفاف واضحاً وجلياً ولا غبار عليه، وقد بدأ مع ثورة الليبيين ضد العقيد معمر القذافي، التي كان من الممكن أن تلعب الجزائر دوراً إيجابياً فيها يجنب ليبيا حرباً مدمرة تداعياتها خطيرة جداً على الأمن القومي الجزائري.

العداء الرسمي الجزائري للثورات الشعبية ليس وليد اللحظة، ولا هو نتيجة لمسار غير متوقع، لكنه متجذر في العقلية الرسمية وظهر من خلال تصريحات الرئيس بوتفليقة ووزيره الأول عبد المالك سلال، وكثير من وزراء حكومته، الذين ظلوا يهاجمون الثورات الشعبية ويطعنون فيها، بل جعلوها فتنة ومؤامرة دولية على استقرار الأوطان وأمنها.

لقد تأكد الموقف خصوصاً في الآونة الأخيرة، ولكن في بداية الثورات التي انطلقت من تونس، لم يكن يجرؤ أيّ مسؤول جزائري على الطعن في أيّ ثورة شعبية، بل إنه بمجرد أن تحرّكت بعض المظاهرات في العاصمة الجزائرية سارع بوتفليقة في أبريل/نيسان 2011 إلى توجيه خطاب إلى الشعب رغم وضعه الصحي الذي ظهر بائساً ومثيراً للجدل، وكان آخرَ خطاب وجهه بوتفليقة للشعب الجزائري.

وعد حينها الجزائريين بإصلاحات جذرية، وهذا الذي لم يحدث لاحقاً لما تحوّلت الثورة الليبية إلى حرب دامية، ولحقتها سوريا فيما بعد، ثم آل الوضع اليمني إلى حرب أخرى بين مليشيات الحوثيين الإيرانية بالتحالف مع نظام المخلوع علي عبد الله صالح.

الوضع الدموي الذي آلت إليه ثورات "الربيع العربي" خدم نظام الجزائر كثيراً جداً، حيث إنها أعادت إلى المخيال الشعبي سنوات الدم التي عاشها الجزائريون في التسعينيات، والتي قتل فيها ما يقارب ربع مليون مواطن في إحصائيات غير رسمية، أما الرسمية فهي تتحدث عن نحو 100 ألف جزائري سقطوا ضحايا تلك الحرب القذرة، التي أشعلها الجنرالات بقيادة الجنرال خالد نزار، ووجدوا ضالتهم في خطاب متطرف تبنته جبهة الإنقاذ في ذلك الوقت.

يجب أن نقرّ بأمر هام جداً؛ أن ثورات الشعوب التي اندلعت في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، عملت أطراف كثيرة على أن تتوقف في منعطفها الخامس مع نظام بشار الأسد، ولم تجد هذه الأطراف- ومنها الجزائر طبعاً- سوى المسار الدموي وصناعة بعبع إرهابي كخيار استراتيجي لوقف تساقط الأنظمة تباعاً عبر مظاهرات سلمية وشعبية.

إن الوحشية التي تعامل بها بشار الأسد مع الشعب السوري الذي لم يكن مطلبه سوى إصلاحات سياسية لو استجاب لها لجنّب البلد هذا الخراب غير المسبوق، جاءت بضوء أخضر من أطراف دولية وعبر توافق استخباراتي؛ من أجل إيقاف تمدد الثورات حتى لا يسقط الكثير من الحكام، وهذا يتعارض مع القوى العظمى التي لديها مصالحها الاستراتيجية مع أنظمة قائمة.

الجزائر لم تكن بعيدة عن الثورات الشعبية لأسباب عديدة؛ فظروفها الداخلية كلها كانت تؤكد أنها المحطة السادسة بعد سوريا في أقوى تقدير، وهذا يعود لأسباب عديدة، منها الاقتصادية والاجتماعية وفساد منظومة الحكم، وأيضاً حصاد سنوات الحرب التي ظلم فيها الملايين من الجزائريين، بينهم من قتلوا، وآخرون عذّبوا، وأكثر من 27 ألف مفقود لا يعلم عنهم أهاليهم أي شيء حتى الآن، وكذلك المنفيون في أصقاع الدنيا ممن حرموا من عائلاتهم قرابة عشرين عاماً.

لم يفلح في تضميد الجراح حتى مسار المصالحة الوطنية الذي سار فيه جنرالات الجيش، الذي بدأ بقانون الرحمة في عهد الرئيس الأسبق اليمين زروال، ثم توج بالوئام المدني في بداية عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، ووصل إلى ميثاق السلم والمصالحة، وراهنت أطراف على العفو الشامل الذي لم يتجسد بسبب تطورات أخرى في المشهد العربي.

مآل الثورات الشعبية كان في مصلحة أنظمة كانت مهددة بالسقوط، ففي تونس انتهت بعودة الحرس القديم للرئيس زين العابدين بن علي وبدعم جزائري واضح، حيث إن السلطات الجزائرية كانت ضد بقاء منصف المرزوقي في الحكم، وعملت ما في وسعها من أجل إسقاطه عبر صناديق الاقتراع، وهذا ليس تحليلاً بل معلومات سمعتها شخصياً من مسؤولين جزائريين إبان حكم المرزوقي، والسبب هو ماضيه الحقوقي مع الجرائم ضد الإنسانية التي وقعت في الجزائر، كالتعذيب والإعدامات الميدانية والمجازر بحق المدنيين، وغير ذلك.

أيضاً في مصر انتهى مسار الثورة الشعبية بالانقلاب العسكري على محمد مرسي قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي، وهو أحد رجال نظام حسني مبارك، وطبعاً أيدته الجزائر، وكانت أول دولة عربية تستقبله حين صار رئيساً.

أما في اليمن فعاد عبد الله صالح إلى المشهد عبر خيانته للاتفاق الذي رعته السعودية، وارتمى في أحضان إيران من خلال مليشيات الحوثيين الإرهابية، التي انقلبت على الشرعية والجزائر لم تصدر حتى بيان تنديد، ولا دعمت الشرعية، ولا وقفت ضد هذه المليشيات، بل إن بعض الحوثيين ترددوا على الجزائر عدة مرات.

ليبيا غرقت في حروب وصراعات بين تنظيمات ومليشيات متشددة، وحاولت الجزائر أن تلعب دور رجل إطفاء، ولم تفلح بسبب ماضيها السيئ مع القذافي، وأيضاً نواياها التي لم تكن صادقة؛ فهدفها هو استمرار الدماء فقط وليس حقنها عبر مخرج سياسي يحافظ على كيان الدولة ويدعم خيارات الشعب.

في سوريا لا يزال نظام بشار الأسد يبيد السوريين بأسلحة ثقيلة، وبراميل متفجرة، وكيماوي، من دون أن يتحرك المجتمع الدولي، بل وصل حال سوريا إلى درجة الاحتلال من طرف إيران وروسيا.

الموقف الجزائري مع سوريا كان متواطئاً، وهو الذي سبق أن تحدثنا عنه في مقال على "الخليج أونلاين"، ولم تكن الحكومة حيادية كما تزعم، فهي التي لم تستقبل رسمياً المعارضة السورية، ولا قدمت أيّ خدمات إنسانية لضحايا المحرقة في مخيمات اللاجئين، في حين قدمت معونات إنسانية لبشار الأسد عبر هلاله الأحمر، وأيضاً قدمت خدمات عسكرية وأمنية، وتوجتها بدعم دبلوماسي من خلال استقبال وليد المعلم، ثم زيارة أخرى للوزير الجزائري عبد القادر مساهل إلى دمشق.

تدعي الحكومة الجزائرية أنها مع الشعوب في تقرير مصيرها، وهذا الذي جسدته مع قضية الصحراء الغربية، ولكنها لم تدعم الشعب السوري الذي يتعرض لحرب إبادة، ولم تقتصر على نظام الأسد بل إنها تحالفت مع كل من إيران وروسيا وهما يحتلان سوريا احتلالاً كامل الأركان لا ينكره إلا جاهل.

لم تصدر يوماً السلطات الجزائرية بيانات تنديد بالتدخل الأجنبي في سوريا، ولا نددت بتدخل حلف الناتو في ليبيا، بل إنها فتحت الأجواء الجزائرية للطيران الفرنسي كي يعبر نحو مالي ويقصفها، وهذا ما يتنافى مع قيم الدولة الجزائرية التي كانت ترفض أي عدوان على دولة أخرى فضلاً أن تكون مسلمة ولها حدود مع الجزائر.

كما أنها وطّدت علاقاتها مع إيران التي تحتل خمس دول عربية (الأحواز، العراق، اليمن، لبنان، سوريا)، وجزر الإمارات أيضاً، وتكيد لدول أخرى مثل البحرين وغيرها، وتعمل على زعزعة استقرار المملكة العربية السعودية. كما رفضت الجزائر تصنيف "حزب الله" كمنظمة إرهابية وهو الذي تدخل عسكرياً في سوريا ويقتل الشعب السوري دفاعاً عن النظام السفاح بشار الأسد.

فهل تقدم الحكومة، التي ترفض التدخل الأجنبي، خدمات للمتدخلين عسكرياً وأمنياً ودبلوماسياً واقتصادياً؟

الحكومة الجزائرية تدّعي الحياد ولا تتدخل في شؤون الدول العربية، وهي التي ترعى قضية الصحراء الغربية من ألفها إلى يائها، ولم تتعامل بمسافة واحدة مع أطراف الأزمة السورية، بل كل خدماتها قدمتها إلى طرف واحد وهو نظام الأسد فقط.

أفتصل الحيادية إلى حد دعم عسكري لنظام الأسد في حين لم تستقبل يوماً المعارضة السورية بصفة رسمية؟

تزعم الجزائر أنها تقف مع الشرعية، ولذلك تتعامل مع نظام بشار الأسد بصفته الجهة التي تمثل الدولة، ولكنها لم تر الشرعية الأخرى في اليمن، حيث إن عصابة الحوثيين انقلبت على رئيس منتخب وشرعي وسيطرت على الدولة وارتكبت المجازر، وهددت دول الجوار، بل استهدفت أمن المملكة العربية السعودية عدة مرات.

فلماذا الكيل بمكيالين في قضايا الشرعية يا حكومة الجزائر؟

تدعي الجزائر أن قضيتها هي فلسطين فقط، ولكن في الواقع لم تقدم للقضية سوى الشعارات وشيكات من المعونات المالية التي تذهب إلى خزانة سلطة رام الله، كما أن بوتفليقة عانق إيهود باراك في جنازة الملك الحسن الثاني، وعلى المستوى الاقتصادي نجد أنه توجد شركات عاملة في الجزائر صارت ترعى حتى بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الجزائر تخندقت مع نظام الأسد الذي تحميه روسيا و"إسرائيل"، حيث وصل الأمر إلى غرفة عمليات في مطار حميميم على الساحل السوري، يجمع بين الصهاينة والروس ويقودون الحرب على الشعب السوري لمصلحة نظام الأسد.

الدبلوماسية الجزائرية تتخبط كثيراً، بسبب عجز الرئيس بوتفليقة الذي اختزل الشأن الدبلوماسي في شخصه على مدار حكمه الذي تجاوز 15 عاماً، وللأسف صارت تعاكس توجهات المغرب فقط، وهذا ما تفطن له المخزن المغربي لذلك يسارع إلى مناصرة القضايا العربية، وكسب حلفاء على المستوى الرسمي العربي حتى يدعموه في قضية الصحراء الغربية، والسلطات الجزائرية صارت تسير عكس مواقف المغرب، الذي هو بدوره لو تسارع الجزائر في اتخاذ موقف ما سيفعل عكسها، وهذا بلا شك أضر بمصالح منطقة المغرب العربي وخدم جهات أجنبية لها مصالحها الخاصة على حساب مصالح الشعوب المغاربية.

إن ما تقوم به الجزائر في سوريا ليس حيادياً أبداً، بل تواطؤ تام مع نظام الأسد، وهذا يسيء لشرف الدولة الجزائرية التي كانت قبلة ثوار وأحرار العالم، ولكنها تحولت إلى لعب أدوار ثانوية إن وجدت مكاناً بين الصغار للأسف الشديد، وهذا يسيء كثيراً لدولة كبرى بمقام الجزائر.

كان على الجزائر أن تدين تدخل إيران وروسيا بما يتماشى مع شعاراتها الرافضة للتدخل، وتدرج بقوائم الإرهاب منظمة "حزب الله" وكل الميلشيات الشيعية التي تقاتل في سوريا مثلما سارعت مع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ "داعش".

كان يجب على الجزائر أن تدين الجرائم التي تحدث في سوريا، وتتعامل مع كل الأطراف من مسافة واحدة، لكن أن تكون متواطئة مع إيران لدرجة أن التنقيب على المياه وبناء السدود في أقصى المدن الجزائرية صار يشارك فيها خبراء من مكاتب دراسات إيرانية، فهذا لعمري قمة الخذلان للدور العربي والإسلامي الذي وجب أن تضطلع به الجزائر.

للأسف الشديد أن الجزائر قزّمتها دبلوماسيتها إلى أكثر ما يمكن تخيله، ومن سافر في أصقاع العالم سيدرك صورة الجزائر البائسة، وليست كما يتوهّمها الجزائريون في الداخل حيث يكذب عليهم نظامهم ويطبل له إعلامهم.

والأسف الأكبر أن بعض أشباه المعارضين تجدهم يقولون إنهم يعارضون النظام في الداخل، ويقفون مع دبلوماسيته في الخارج، وكأن الشيطان في بيته يمكن أن يكون ملاكاً في بيوت الآخرين.

أخيراً وليس آخراً أقول:

أقسم بالله العلي العظيم أنه سيأتي يوم ويخجل فيه أحفادنا من عار دولتنا الجزائرية التي اصطفت مع الجلاد ضد الضحية في سوريا والتاريخ بيننا.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة