أنسنة صورة الخليج في العالم

دأبت تغطيات الإعلام حول العالم على اختزال الخليج بما لا يتجاوز آبار النفط وناطحات السحاب والمشروعات الكبرى.

الأربعاء، 05-08-2015 الساعة 10:53


دأبت تغطيات الإعلام حول العالم على اختزال الخليج بما لا يتجاوز آبار النفط وناطحات السحاب والمشروعات الكبرى ونشاطات المال والأعمال؛ مع التغافل عن الإنسان أو إزاحته من المشهد.

فقد ظلّ الإنسان الخليجي مُستَبعَداً من الصورة الإعلامية عن بلاده في العالم، أو أنّ حضوره فيها بقي ضعيفاً أو مشوّشاً. وما زالت بعض الأوساط تنظر إلى المنطقة من ثقب برميل، وكأنها مجرد خزان كبير من الزيت الأسود.

كان القالب النمطي المُعدّ للإنسان الخليجي في الذهنية العامة الغربية موغلاً في السلبية حتى زمن قريب، ولم ترسم أوساط عدة توقعات مرتفعة من شعوب المنطقة. لكنّ حالة من الوعي العالمي الجديد بالخليج أخذت بالتشكّل السريع، تتسوَّدها خطوط الطيران والأبراج الشاهقة والمنشآت الاستثنائية والأسواق والشواطئ والرمال الساحرة. وفي صورة الانبهار هذه أيضاً لا يبدو الإنسان في مركز المشهد؛ بل المنشآت والطبيعة في الأساس.

وعندما يظهر الخليجيون على السطح فقد تكون الأسواق مسرح فعلهم الذي يدور حول محور الشراء والاستهلاك، بينما تُحال المنجزات المدنية والتعميرية في نهوضها إلى خبراء مُستقدَمين من أنحاء العالم وإلى عمالة آسيوية زهيدة الأجر.

كما تنهض الصورة الانطباعية على ركائز، منها الإسلام والبيئة الصحراوية وخصوصية الزيّ. ليس الثوب خيوطاً منسوجة وحسب، بل إنه وسيط فعّال يبعث برسائل ضمنية تتسلل إلى الوعي. ومن المفيد أنّ الخليج هو إحدى البيئات العربية التي لم تفرِّط بالزي المحلي لحساب "الزي العالمي الموحّد" الذي هو لباس غربي يصعب عليه التكيّف مع البيئات جميعاً.

لكنّ تعديلات شتى طرأت على الصورة، فالقفزات التي تسارعت في جوانب التمدّن قد حرّرت الإنسان الخليجي من بعض القوالب التقليدية التي حاصرته في الإدراك العالمي، لا سيما في الذهنية الغربية. فمن يجرؤ اليوم مثلاً على الإسراف في اختزال هذا الإنسان في النموذج الساخر للبدين منتفخ البطن، كما قدّمته بعض المضامين الإعلامية والأفلام ورسوم الكاريكاتير طوال النصف الثاني من القرن العشرين تقريباً؟

كما انحسرت عن الصورة الذهنية تلك النظارات السوداء الكبيرة، والخواتم الكثيرة في أصابع الرجال الجالسين في الخيام، التي شغلت ريشات التهكّم طويلاً. ويبقى التساؤل قائماً هل سيكون تفكّك بعض ملامح الصورة الذهنية التقليدية لحساب ملامح إيجابية؟

ما ينبغي تأكيده أنّ الخليجيين معنيّون بالمساهمة في التأثير في الصورة الانطباعية عن مجتمعاتهم وبلادهم، مستفيدين من مزايا شتى. فهم يطوفون مناطق متعددة من العالم، لا سيما أوروبا، كما يستقبلون ملايين السائحين والوافدين من أرجاء الأرض، وفي هذا فرص كامنة لتفاعل متبادل مع شركاء الإنسانية.

لا ريب أنّ الصورة الانطباعية عن الخليج في هذا العالم تتطلب فحصاً ومراجعة، وربما سعياً إلى إجراء تعديلات فيها إن أمكن، وهي مهمة تكتسب زخماً كبيراً في واقع التواصل المصوّر والتشبيك المتزايد في زمن العولمة والتدفق الحرّ للمعلومات والصور.

يتيح الانغماس في التواصل الإعلامي والتشبيك الإلكتروني فرصاً ويفتح آفاقاً للتعارف مع شركاء المجتمع الإنساني العريض، وتبادل معلومات أوفر وتشكيل انطباعات أكثر تنوّعاً. ولا ضمانة على أي حال بشأن دقة تلك المعلومات وصحة تلك الانطباعات، أو مدى خضوعها لمعايير الإنصاف أو لاتجاهات التحيّز أو التشويه والاجتزاء.

قد لا تكون المشكلة مع المعلومة بحدِّ ذاتها، أو مع الصورة أو المشهد في بلوغها الجماهير حول العالم؛ وإنما مع السياق الذي تُورَد فيه. ذلك أنّ فعل الانتزاع من السياق أو الاجتزاء من الملابسات مع إسباغ تأويلات مضللة على المضمون؛ قد يعزِّز قابليات سوء الفهم ويكرِّس القوالب النمطية ويعضِّد الأحكام المسبقة السلبية المستقرّة في أذهان البشر في مشاربهم الثقافية المتنوِّعة.

ينبغي التشديد على فكرة الوعي الذاتي بالهوية الجمعية قبل السعي لتعديل وعي الآخرين بها. فالمجتمعات بحاجة إلى الانسجام المستمرّ مع ذاتها، وتأكيد خصوصيّتها خلال توجهها للانفتاح على العالم. إنّ واحدة من أخطر الممارسات غير الواعية، التي تبدو شاخصة للعيان؛ هي محاولة تقديم الذات بطريقة تتماشى مع رغبات الآخر، وقد يجري هذا بمحاولة الانفلات من الذات وانتحال خليط غير متصالح مع الهوية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة