أنقرة.. وفوبيا الأكراد

التغير البنيوي في مفاهيم السياسة الخارجية التركية من الواقعية التقليدية إلى سياسة قائمة على المرونة والقوة المرنة تغيرت.

الخميس، 13-08-2015 الساعة 14:42


شهدت السياسة التركية تجاه الأكراد تغييراً ملحوظاً في ظل العدالة والتنمية، فالتغير البنيوي في مفاهيم السياسة الخارجية التركية من الواقعية التقليدية، التي قامت على أساس الأمن والقوة الصلبة، إلى سياسة قائمة على المرونة والقوة المرنة قد حققت أهدافاً عجزت القوة الصلبة عن تحقيقها لأكثر من ثلاثة عقود.

وكما أن العمق الاستراتيجي (Strategic depth)، الذي أشار إليه داود أوغلو، استند على إيجاد الدور والموقع الفعلي للدولة التركية من دولة تديرها مصالح الاتحاد الأوربي والغرب، إلى دولة فاعلة في رسم سياستها الخارجية وإيجاد عمق استراتيجي جديد يتيح لتركيا دوراً إقليمياً، تتحول من خلاله إلى دولة إقليمية مركزية في رسم السياسات الإقليمية لمحيطها الشرق أوسطي.

واستطاعت أنقرة من خلال مبدأ تصفير المشاكل (Zero Problems with neigbours) إعادة الأمن وتقوية السلام في حدودها الجنوبية مع كل من العراق وسوريا، إلا أن الضربات العسكرية الأخيرة ضد العمال الكردستاني، والتدخل العسكري في الملف السوري أعلنا عن بداية حقبة جديدة في السياسة التركية والتي تقوم على البراجماتيكية ومفهوم المساعدة الذاتية ضمن إعادة المفهوم التقليدي في السياسة الخارجية التركية، والتي اعتمدت على أساس الواقعية الكلاسيكية والقوة الصلبة، حيث يُعتقد بناءً عليه أن تركيا محاطة بالأعداء، وأن على أنقرة الاستعداد الدائم للمواجهة العسكرية مع الجوار المعتدي.

لا شك أن التطورات السياسية والأمنية واختلال موازين القوى قد أثرت على أولويات السياسيين في أنقرة، فضلاً عن التغيير السياسي في الداخل التركي، الأمر التي أثر على تغيير توجهات السياسة الخارجية التركية.

إن تحليل مسألة الفوبيا التركية من العامل الكردي يتطلب الإلمام بالدوافع الداخلية والإقليمية وراء التحرك العسكري الأخير لتركيا ضد العمال الكردستاني.

ففي البعد المحلي حمل التحرك التركي رسائل مهمة تتعلق بالتوازنات المحلية والسياسة العامة في تركيا، فالعدالة والتنمية من خلال قيامه بالضربات العسكرية، قد استهدف أطرافاً داخلية وخارجية في الوقت نفسه؛ ففي البعد المحلي هناك أهداف معينة في التحرك العسكري حاولت تعبئة وتوجيه الرأي العام التركي بما يخدم مشاريعهم، كما أن الانقسام الذي حدث قبيل الانتخابات العامة الأخيرة لم يكن في مصلحة المشروع السياسي للعدالة والتنمية، خاصةً الإقبال التركي على الورقة القومية وانتخاب التيار القومي المتشدد، وكذلك انتخاب التيار الكردي المناهض لحكومة داود أوغلو، ممّا تطلب إعادة توجيه الرأي العام في تركيا بما يخدم مسألة القومية. فالتيار القومي بدأ نجمه يتصاعد على حساب التيار الديمقراطي المحافظ، خاصةً بعد المخاوف الأخيرة لدى المواطن التركي من جراء استهداف تركيا في الداخل من قبل مجموعات متطرفة، وتصاعد التاثير الكردي على المعادلة السياسية في تركيا.

إن الورقة السياسية وراء التحرك العسكري تكمن في خلق أجواء تسمح بإعادة الانتخابات واستقطاب أصوات التيار القومي لمصلحة العدالة والتنمية، لكون الأخير لم ينس المصالح القومية التركية والمبادئ التي قامت على أساسها الدولة الأتاتوركية، وكذلك إضعاف التيار الكردي من خلال خلق توتر في قائمة (HDP) المختلط من عدة توجهات تركية وكردية مناوئة للعدالة والتنمية، فضلاً عن تهديد الجماعات المتطرفة في الداخل التركي لوقف أي نشاط متوقع ضد المصالح التركية في الفترة القادمة؛ وذلك لكون الأمن الإقليمي بدأ يوثر سلباً على الأمن المحلي التركي، ولذلك تتجه الأنظار نحو إعادة العامل الأمني في السياسة الخارجية التركية وانتهاء العمل بالمفاهيم الليبرالية في إدارة الملف الخارجي التركي مع كل من العراق وسوريا.

أما البعد الإقليمي أو الخارجي، فتحاول أنقرة أن تحقق أهدافاً معينة من خلال التأثير على الأحداث الإقليمية ورسم السياسات على الأسس التي تخدم الأمن القومي التركي، فالعدالة والتنمية على سبيل المثال يحاول جاهداً من تحقيق تحالف دولي مع الاتحاد الأوربي العمل على وضع منطقة حظر الطيران داخل سوريا، الأمر التي يتيح لتركيا في حالة تحقيقها لهذا الهدف: أولاً إعادة التوازن مع إيران؛ فالتفاوض الإيراني – الغربي، واستمرار السيطرة العسكرية لبشار الأسد خلقا حالة اختلال في توازن القوى مع أنقرة لمصلحة طهران، تركيا لديها مخاوف من التوسع في الدور الإيراني في كل من سوريا والعراق، وأن المفاهيم التي تدار بها العلاقات الدولية في الشرق الأوسط تستند على أساس سياسة القوة والواقعية السياسية؛ ممّا يفرض على أنقرة التفكير في خياراتها المتاحة في صنع السياسة الخارجية لكي تحقق حالة من التوازن مع الدول الإقليمية الأخرى.

ثانياً: تحاول أنقرة وضع حد للتوسع الكردي والسيطرة الكردية في شمال سوريا؛ وذلك لمنع الأكراد من إعادة تجربة شمال العراق وخلق كيان كردي في تلك المنطقة، بحيث يدار وفق الأجندة التي يؤمن بها العمال الكردستاني ممّا يخلق حالة من اللااستقرار لدى أنقرة ومصالحها المستقبلية، فالمعضلة الأمنية (Security dilemma) ومفهوم (zero sum) تحتل الأجندة التركية في صنع السياسة الخارجية مع الكرد.

المعضلة الأمنية تعني كلما توسعت القوة العسكرية والسياسية للأكراد ستكون على حساب المصالح التركية، فالقوة الكردية في شمال سوريا تعني ضعف الدور التركي في مستقبل سوريا، فالمحاولات التركية السابقة وفق معادلة الكل يربح في العلاقات الدولية لا يمكن تنفيذها في ظل التلاعب الإيراني بالأوراق المذهبية والعسكرية على حدود تركيا، وكذلك الدور الغربي المتردد في دعم أنقرة في مواجهة المشاكل التي تواجها من جراء تعقيد الأزمة السورية.

إن فوبيا الأكراد لدى أنقرة في الوقت الراهن سوف تعرقل الجهود السلمية للقضية الكردية في الداخل التركي، وكذلك تتراجع العقلانية السياسية في التعامل مع الكرد في كل من العراق وسوريا وتركيا.

كما أن الجهود الأمنية والعسكرية لمدة ثلاثين سنة لم تعالج القضية الكردية، ولا أتصور أن يأتي الحل العسكري بأي نتائج في الوقت الراهن لا للدولة التركية ولا للأكراد أيضاً، لذلك يمكن التنبؤ بأن التحرك العسكري التركي تحرك تكتيكي، وأن عملية السلام والمصالحة مع الكرد استراتيجية لايمكن لأنقرة التلاعب بها؛ وذلك لمعطيات محلية وإقليمية ودولية لا مجال لذكرها ضمن هذا المقال.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة