أوروبا و"العثمانوفوبيا"

الذين يحملون لواء التصعيد مع تركيا، ويديرون حملة الكراهية ضدها هم أنفسهم أعداء الاتحاد الأوروبي.

الاثنين، 13-03-2017 الساعة 12:03


ليست الأحداث والسلوكيات التي صدرت عن أحزاب ومنظمات وحكومات دول الاتحاد الأوروبي وليدة موقف عابر، ولا وليدة حدث مفصلي كالاستفتاء على الدستور، واحتمالية التحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي، ولا حتى وليدة التوجس من صبغة التدين (المسلم) التي تظهر على الكثير من قيادات وجمهور حزب العدالة والتنمية الحاكم، ولا ينبغي النظر إليها من هذه الزوايا الضيقة.

المواقف الرسمية للحكومات في أوروبا الغربية وقراراتها وتصرفاتها، يتم تغليفها بالتباكي على حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتخوف على مستقبل الشعب التركي من الدكتاتورية (والمخاطر) التي يكتنفها الدستور الجديد حال تطبيقه! ولا تنتبه هذه الحكومات إلى أنها بسلوكياتها هذه تقوم بهدم منظومة المبادئ والقيم التي نادت بها وقامت عليها الدولة الأوروبية الحديثة، وتخترق مبادئ حقوق الإنسان وحرية الإعلام وحق التعبير للجاليات من ذوي الأصول التركية في بلدانها، وتقع في ازدواجية مخجلة تجعلها غير مؤهلة لتقديم النصائح والتوجيهات للآخرين.

بدأت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوربي في إطار نظام الشراكة الذي كان أساساً لاتفاقية أنقرة التي وُقّعت بين تركيا والتجمع الاقتصادي الأوربي بتاريخ 12 سبتمبر/أيلول 1963، ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 1 ديسمبر/كانون الأول 1964، ولا شك فإن تطوير وتعزيز العلاقات -وخصوصاً التجارية منها- بين كل من تركيا والاتحاد الأوربي، والذي استتبع هذه المفاوضات، قد حقق المنفعة الاقتصادية المتبادلة لكل من الطرفين، ولكنه لم يستطع أن يكتسب صفة الشراكة الكاملة، بعيداً عن الحديث عن القبول الكامل لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضاً:

لدورهم الإنساني.. زعماء الخليج يُتوَّجون بالدكتوراه الفخرية

على خلاف ما رأيناه بعد ذلك من سرعة في وتيرة المفاوضات التي بدأت لإلحاق الكثير من الدول المتشظية عن الاتحاد السوفييتي السابق، والمعسكر الاشتراكي عموماً، فإن المفاوضات مع تركيا، والتي سبقت المفاوضات مع هذه الدول بعدة عقود، كانت لا تلبث أن تتعثر وتتعسر مع كل خطوة إلى الأمام.

ذلك يرجع -بلا شك- لعدة أسباب؛ لعل من بين أهم هذه الأسباب، هو مخزون التخوف التاريخي من تجربة الحقبة العثمانية، وتصدُّرها ركب الحضارة العالمية عدة قرون، ويزيد من هذه التخوفات ما حققته تركيا في العقدين الحاليين من قفزات واضحة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى العسكرية.

بعيداً عن الحديث عن هذه المخاوف، وهل فعلاً لها ما يبررها أم لا؟ فإننا لا نجد مبرراً واحداً يتناسب مع كل هذا التأجيل والتسويف والتعطيل، ووضع العراقيل والعقبات، الذي شاب مفاوضات قبول تركيا ضمن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي، والتي دخلت في مفاوضات الوضع النهائي منذ منتصف التسعينات، إلا ما يمكن أن نصطلح عليه "العثمانوفوبيا"، والتي ستزداد وتيرتها وترتفع نبرتها كلما ازداد نمو التيارات القومية واليمينيّة المتطرفة، مثلما ستزداد وتيرة شيخوخة المجتمعات والاقتصادات الأوروبية مع نمو هذه التيارات والنزعات الانغلاقية، ولن تكون بريطانيا هي الدولة الأخيرة التي ستخرج من العباءة والأعباء التي يفرضها عليها كونها دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي.

مما لا شك فيه، أن تركيا تحتاج إلى استمرار علاقات جيدة مع دول الأوروبي، وهي ليست في وارد التضحية بهذه العلاقات في العقدين القادمين على الأقل، حتى مع ملاحظة تناقص الوزن الاستراتيجي للكثير من دول الاتحاد الأوروبي ومراكز قوتها، وبالنتيجة لمنظومة الاتحاد الأوروبي ككل، في ظل الفاصلة التاريخية التي يمر بها المجتمع الدولي بين نظام دولي آخذ في الأفول، ونظام جديد بدأ العالم يسمع صرخات مخاض ما قبل ولادته بوضوح، وفي ظل التوزع الجيوستراتيجي للقوة الدولية الناتج عن عدة عوامل ومتغيرات، ولكن تركيا بموازاة ذلك في حاجة إلى إحداث تغييرات في البيئات الإدارية والقانونية والاجتماعية الداخلية، وفي الوقت ذاته بحاجة إلى ديناميكية في دبلوماسيتها الخارجية، وتدوير في زوايا سياساتها الدولية، وإعادة بناء تحالفاتها وفقاً لما تتيحه متغيرات هذه الفاصلة التاأريخية المليئة بالفرص والمخاطر والتحديات، وما تقتضيه مواكبة الأحداث المتسارعة من إعداد واستعداد.

بالعودة إلى الأزمة الراهنة بين تركيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، فإننا نشير إلى ما لاحظه البروفيسور ياسين أكتاي نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، عندما نبه الى أن الذين يحملون لواء التصعيد مع تركيا، ويديرون حملة الكراهية والعنصرية ضدها اليوم، هم أنفسهم أعداء الاتحاد الأوروبي، ومن ثم فهؤلاء لا يشكلون خطراً على العلاقات الأوروبية-التركية فحسب؛ بل وعلى مستقبل تطور ونمو الاتحاد الأوروبي، وحتى على وجوده وبقائه، خصوصاً في ظل صعود واضح للصين وبعض القوى المتحفزة استراتيجياً، وظهور مبدأ "أمريكا أولاً" الذي يقتضي تقديم المصالح الأمريكية على مصالح حلفاء وشركاء واشنطن، وهو إحدى قواعد وإفرازات الفواصل التاريخية، والتنافسية العالية بين الدول داخل مساحتها الزمنية.

يبدو أن ارتفاع وتيرة النزعات القومية واليمينيّة المتطرفة في أوروبا، بدأ يلقي بظلاله على الدبلوماسية الرسمية والقرارات الحكومية في بعض دول الاتحاد الأوروبي، وجعلت هذه الحكومات تدخل في حفلة مزايدات مع المتطرفين الأوروبيين، وتجسد ذلك عبر القرارات الأخيرة التي قضت بمنع الحملات الانتخابية الخاصة بالتصويت على الدستور للجاليات التركية.

لا تستطيع هذه الدول أن تبرر هذا المنع والحظر، بذريعة حماية الديمقراطية والمحافظة على الحريات الشخصية وحق التعبير وحرية الإعلام… إلى آخره من الدعاوى التي تطلقها ليل نهار، فلا التاريخ يسعفها في تلك الدعاوى وهي التي أسهمت في زرع ودعم الدكتاتوريات بالعالم الإسلامي طوال القرن الماضي، ولا الواقع الحالي هو الآخر يسعفها في دعاوى الدفاع عن الشعوب، والغريب أن ألمانيا التي تضغط على تركيا وأردوغان وتدعم مناوئيه، نجدها ترسل وفداً لزيارة السيسي وتدعمه في الوقت نفسه، متجاهلةً أن السيسي جاء لسدة الحكم عبر انقلاب على عملية ديمقراطية ناشئة، قامت إثر ثورة شعبية ضد نظام مبارك الدكتاتوري المدعوم من الغرب، وأن أردوغان جاء عبر عملية ديمقراطية لا يستطيع أحد التشكيك في نتائجها!

ختاماً، فإن وقوف هذه القوى الغربية بالضد من الدستور التركي المقترح والمطروح على الاستفتاء، سيتم تفسيره -من قِبل الناخبين الأتراك غالباً- بأن هذا الدستور قد لا يتوافق مع المصالح الغربية بتركيا في حال تم إقراره، وهذا سبب كافٍ، من وجهة نظري، لذهاب الكثير من الأتراك للتصويت بـ"نعم" للدستور في أبريل/نيسان المقبل.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة