أوهام فارسية

جميع حكام إيران السابقين والحاليين يجمعهم هدف أسمى: تهميش العرب وإنكار أي دور لهم وإضعاف الخليج.

الأربعاء، 21-01-2015 الساعة 09:14


إيران اليوم هي ذاتها كما كانت دائماً عبر التاريخ، أقاجارية كانت أم ساسانية أم إسلامية فالأمر سيان، فهي واحدة متطابقة النوايا والطوايا على مر الأزمان، ويخطئ من يظن غير ذلك، فما يقطع بين من كان بالأمس ومن هو كائن اليوم هو الزمن فحسب. فجيلي أنا، مثلاً، قد وعى بوجود إيران تحت حكم الشاه، وجيل اليوم فتح أعينه ليجد الملالي يصولون ويجولون فيها ليضيفوا في طين زمننا هذا بلّة، معلنين بمواقفهم هذه أن اليوم استنساخ رديء للأمس، فصار اليوم شبيهاً بالأمس، مكرراً لوقائعه.

الشاه ادعى "فارسية البحرين"، والمعممون اليوم ذهبوا في اتجاه ما ذهب إليه الشاه من قبلهم. والسؤال الذي أتوقع أن يسأله القارئ العزيز "ما الفرق بين شاه الأمس ومعممي اليوم في علاقتهم بالعرب، وبالقضايا الخاصة بالعرب؟".

أقول بالمختصر المفيد، لا فرق بينهم سوى أن الأول كان إمبراطوراً مضطهِداً للشعب الإيراني، والآخرين رجال دين يمارسون السياسة، ويواصلون النهج ذاته الذي انتهجه الشاه في علاقته مع شعبه ومع جواره الجغرافي.

جيلي هذا لا يجد اليوم اختلافاً في التركيبة النفسية بين حكام اليوم وحكام الأمس. ذهب الشاه وجاء الخميني، وذهب الخميني وجاء رفسنجاني، ومن بعدهم أتى خاتمي، وفي يوم "ديمقراطي" إسلاموي إيراني مذهبي أسود، داهمنا من بعد هؤلاء مخبول يدعى أحمدي نجاد ليكون رئيساً، وتزايدت في عهده المخاطر الإقليمية والبيئية والمذهبية، إلى أن وصلنا إلى من يصفونه بالإصلاحي وهو حسن روحاني، وهو واحد من المنتمين إلى المؤسسة الدينية، هذه المؤسسة الضاغطة على أنفاس الشعب الإيراني، فهل يملك حسن روحاني هذا تبديلاً لما ثبته المعممون بسلطة الباسيج وقمع المقدس؟! مرة أخرى أجيب وأقول إنه لا يملك تبديلاً، ولكن النظام في علاقته بقضايا الإقليم يملك تكتيكاً مغايراً، بمعنى أنه قادر على ممارسة مزيد من الضغط على الشعب الإيراني ليتحمل السياسات الداخلية التقشفية، والخارجية المراوغة التي توهم الداخل بعالمية القوة الإيرانية، وعلى العموم البعض هنا في البحرين من مذهبيين وصحفيين يؤمنون إيماناً مطلقاً في هذه القوة الإيرانية العالمية المزعومة!

من أسلفت ذكرهم من الحكام الإيرانيين جميعاً أتخموا شعبهم بمختلف انتماءاتهم وعوداً خاوية المضامين، وجميع هؤلاء أطعموا شعبهم الشعارات الفارغة. ورغم أن إيران بلد غني بما يكفي ليجعل هذا الشعب مرفهاً، فقد اختاروا أن يوجهوا ثرواتهم إلى ما يخدم طموحاتهم الإمبراطورية التوسعية التاريخية، ويصدروا ثورة مزعزعة عاثوا بها فساداً في مشارق الأرض ومغاربها. جميع هؤلاء لقبوا بأوصاف مختلفة، مثل محافظ أو إصلاحي أو شرطي لولع صاحبه -محمد رضا بهلوي- بلعب دور يخدم مصالح الدول الكبرى.

وها نحن منذ تاريخ انتصار "ثورة" رجال الدين على الشاهنشاهية، لن نجد غير هذه المصطلحات الفضفاضة؛ لإيهام الشعب الإيراني أو العالم بأن النظام ديمقراطي ويفرز اختلافاً إيجابياً في التوجهات، لكن لا "خاتميّهم" ولا "رفسنجانيّهم" ولا أحد منهم على الإطلاق يختلف عن الآخرين في حمل حُلم إيران الفارسية الكبرى المزروعة في رؤوس هؤلاء، إذ إنهم جميعاً من بنية فكرية واحدة جذرها إمبراطوري توسعي، يعادون العرب وينقمون عليهم. هدفهم المتوارث عبر التاريخ السيطرة على الإقليم، فكُره العرب يسري في عروقهم منذ معركة القادسية التي اختار لها عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص قائداً نجح في ما فشل فيه مشاهير قادة الروم. إذن حكاية إيران مع العرب عموماً ومع دول مجلس التعاون على وجه الخصوص لها امتداد تاريخي.. متى تنتهي تلك الحكاية؟ الله أعلم. فآخر ملوك السلالة الشاهنشاهية، محمد رضا بهلوي، لعب دور الشرطي للولايات المتحدة الأمريكية ولدول الغرب، وسواء أتقن هذا الدور أم لم يتقنه فإن هذا ليس من همنا الآن، ولكن المعروف أن الولايات المتحدة لفظته، وصار يهيم في بلاد الله الواسعة ولم يجد له مأوى، بل إن حصاده الإمبراطوري كان ذلاً في ذل.

الشاه كان أوضح في بيان أهدافه من حكام "الثورة" اللاحقين الذين أفرزهم النظام "الديمقراطي" "الثيوقراطي" العجيب المهيمن اليوم على الساحة الإيرانية. الشاه أتاح للعرب في وقته، بحكم سلوكه السياسي وخطاباته الاستعمارية المعلنة، معرفة مساعيه بمد نفوذه إلى الحد الذي يحقق حلماً راود أجداده من قبله؛ غير أن من أتوا بعده تلونوا أحياناً باسم الدين، وأحياناً باسم محاربة الشيطان الأكبر، وأحياناً أخرى باسم القضاء على الدولة اليهودية، لكنهم لا يختلفون عن سابقيهم في المرامي والغايات.

جميع حكام إيران السابقين والحاليين يتوحدون في الهدف "الأسمى" كما رسموه وهو تهميش العرب وإنكار أي دور لهم، وإضعاف دول مجلس التعاون في إقليمهم والسيطرة من خلال طابورهم الخامس في دول هذا المجلس وبالأخص في البحرين.

البحرين كانت دائماً في بؤرة اهتمام الفرس، وشاغلتهم لبلوغ حلمهم في القبض على مقدرات شعوب هذه المنطقة، وفي اعتقادي أنها ستبقى كذلك إلى أن يأتي نظام سياسي ليبرالي يقبل التعايش مع جيرانه العرب الخليجيين، ويمد يد التعاون مع حكامهم والعمل معاً على نشر قيم العيش الإنسانية.

ما الذي يعنينا مما نقوله في هذه المساحة؟ بالطبع ليست إيران في حد ذاتها، دعها تحلم ما شاءت، ودع طموحاتها تعانق عنان السماء. إن الذي يعنينا هنا هو يقظة المجتمع البحريني بمختلف مكوناته إزاء الطموحات الإيرانية، وإزاء الأجندات السياسية التي يشتغل على ترجمتها حكام إيران وملاليها أفعالاً من خلال جمعية "الوفاق" والجمعيات المذهبية الأخرى. فبيقظة المجتمع المدني بمختلف مكوناته لن يجدوا في قلب كل بحريني غير ولاء خليفي وروح سعد بن أبي وقاص متوهجة لمواجهة طموحات الملالي من جديد.

الأيام البحرينية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة