أين أمريكا في خطاب تنصيب ترامب؟

ترامب اتبع أسلوباً غير متوقع بمخاطبة المسؤوليين الأمريكيين قبله، وقد كانوا جلسوا أمامه؛ بل عمم انتقاده للقادة كافة.

الأحد، 22-01-2017 الساعة 20:39


قد يكون المتوقع أن يكون السؤال عن القضايا الإسلامية أو التركية أو العربية في خطاب التنصيب للرئيس الأمريكي الخامس والأربعين، دونالد ترامب، في خطابه الأول بمناسبة تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. ولكن اللافت للنظر، مع أهمية القضايا الأخرى، هو أن الرئيس ترامب اتبع أسلوباً غير متوقع بمخاطبة المسؤوليين الأمريكيين قبله، وقد كانوا جلسوا أمامه؛ بل عمم انتقاده للقادة السياسيين والعسكريين كافة بطريقة توحي بأنه يقف منهم موقف العداء والمحاسبة والتخطيء، وليس الشكر على ما أنجزوه في السنوات والعقود الماضية. وهذه نبرة غير معهودة للرؤساء السابقين لأمريكا والغربيين عموماً، وهذا جعل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن يعلن عن سروره بوجود ترامب رئيساً لأمريكا بعده؛ لسبب واحد هو أنه يأخذ منه لقب "أسوأ رئيس أمريكي عرفه الشعب الأمريكي"، بحسب تصريحه بعد الخطاب، فقد يكون هذا التنبؤ من بوش ليس خاطئاً، والأيام القادمة هي من يكشف عن ذلك.

كان من بدايات الخطاب قول الرئيس ترامب: "إن مراسم اليوم لها معنى خاص للغاية؛ لأننا اليوم لا نقوم بمجرد نقل السلطة من إدارة إلى أخرى، أو من حزب إلى آخر؛ بل إننا ننقل السلطة من واشنطن العاصمة ونعيدها إلى الشعب الأمريكي". فهذه العبارة تحمل معنى الاتهام للرئاسة السابقة بأنها سرقت إرادة الشعب، ولكن ترامب لم يترك المستمعون يستنتجون هذا المعنى؛ بل أكده بالعبارة التالية في خطابه قائلاً:" لفترة طويلة، جنت مجموعة صغيرة في عاصمة بلادنا مكاسب الحكومة بينما تحمَّل الشعب التكلفة؛ ازدهرت واشنطن، لكن الشعب لم يحصل على حصة من ثروته. ازدهر السياسيون، ولكن تركت الأعمال وأغلقت المصانع. وحمت المؤسسة نفسها، لكنها لم تقم بحماية مواطني بلدنا".

فما هذه المجموعة التي قصدها ترامب؟ وهل ترامب يتحدث عن مجموعة حكم من دول العالم الثالث، التي يكسب قادتها السلطة والثروة بينما يحرم الشعب من ذلك؟ ومَن السياسيون الذين يتحدث عنهم، والذين ازدهروا على حساب إغلاق المصانع وطرد العمال من مصانعهم وبيوتهم؟ وهل مؤسسة السلطة في أمريكا حَمَتْ نفسها ولم تقم بحماية مواطني أمريكا؟

اقرأ أيضاً :

مليونا شخص يحتجون بشوارع أمريكا.. وترامب يرد

وهل كان ترامب يقصد المحاسبة عن معارك أمريكا الفاشلة ضد العالم الإسلامي؛ بداية من حرب أمريكا على الشعب الأفغاني عام 2001، وبعدها احتلال العراق 2003؟ فمن المعلوم أن ترامب يقول بأن أكبر خطأ ارتُكب في التاريخ الأمريكي هو غزو أمريكا للعراق عام 2003، فهل يقصد أولئك الرؤساء والسياسيين والعسكريين الذين قادوا أمريكا إلى الحروب غير الضرورية والتي أدت بأمريكا إلى الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008؟ لا شك فسي أن هذا الاحتمال كبير؛ بدليل قوله في الخطاب: "لم تكن انتصاراتهم انتصاراتكم"، فالانتصارات التي يدّعيها بوش لم تكن انتصارات للشعب الأمريكي؛ بل هزائم مادية وبشرية واقتصادية وأخلاقية. ويندد ترامب باحتفالات النصر الكاذبة قائلاً:" وبينما احتفلوا في عاصمة البلاد، لم يكن لدى العائلات التي تعاني في جميع أنحاء البلاد ما تحتفل به"، فهو يصف المجتمع الأمريكي في خطابه بأنه:

"1 ـ أمهات وأطفال يحاصرهم الفقر في مدن الداخل.

2 ـ ومصانع ضربها الصدأ، منتشرة مثل شواهد القبور في جميع أنحاء بلادنا.

3 ـ ونظام تعليمي يمتلك الكثير من المال ولكن يترك شبابنا وطلابنا الرائعين محرومين من المعرفة.

4 ـ والجريمة والعصابات والمخدرات التي سرقت حياة العديدين وحرمت بلادنا من الكثير من المقدرات غير المستغلة".

هذه مميزات المجتمع الأمريكي الآن في نظر ترامب، ويقول: "يجب أن تتوقف هذه المجزرة الأمريكية حالاً وفوراً".

هذا التشخيص الداخلي لم يصرح به مسؤول أمريكي من قبل وهو قاتم السواد، والقسم الخارجي من العلاقات الأمريكية في السنوات لا يقل قتامة فيصفه ترامب:

"1ـ طوال عقود مديدة، قمنا بإثراء الصناعة الخارجية على حساب الصناعة الأمريكية.

2 ـ وقدمنا الدعم المالي لجيوش دول أخرى، بينما سمحنا بالتدهور المحزن جداً لجيشنا.

3 ـ ودافعنا عن حدود دول أخرى، بينما رفضنا الدفاع عن حدودنا.

4 ـ وأنفقنا تريليونات وتريليونات الدولارات في الخارج، بينما تقادمت البنى التحتية الأمريكية وأصبحت متدهورة ومتداعية.

5 ـ لقد جعلنا دولاً أخرى غنية، بينما اختفت ثروة وقوة وثقة بلادنا.

6 ـ واحداً تلو الآخر، أغلقت المصانع أبوابها وغادرت أراضينا، دون التفكير للحظة واحدة في ملايين وملايين العمال الأمريكيين الذين تتركهم وراءها.

7 ـ لقد انتزعت ثروة الطبقة الوسطى لمواطنينا من منازلهم، وأعيد توزيعها على العالم بأكمله".

هذا تشخيص ترامب لعلاقات أمريكا بالعالم الخارجي، ويصدر حكمه: "لكن، كل ذلك بات من الماضي. والآن، أصبحنا نتطلع فقط إلى المستقبل. نحن المجتمعين هنا اليوم نصدر مرسوماً جديداً، يجب أن تسمعه كل مدينة وكل عاصمة أجنبية وكل دائرة سلطة. من هذا اليوم فصاعداً، ستحكم رؤية جديدة بلادنا. من هذه اللحظة فصاعداً، ستكون أمريكا فقط أولاً. أمريكا أولاً".

وهكذا، يعد ترامب برؤية وسياسة أمريكية جديدة محورها أمريكا أولاً، وكأن كل الجيوش الأمريكية التي خرجت للحرب خارج أمريكا كانت لمساعدة أعداء أمريكا! وكأن كل المليارات التي دفعتها أمريكا للحروب الخارجية كانت من أجل سعادة شعوب العالم، وليس لزراعة الموت والقتل واليأس والدمار والحروب الأهلية فيها!

أما الحلول التي سينفذها ترامب، فهي:

"1 ـ أن كل قرار حول التجارة والضرائب والهجرة والشؤون الخارجية سيُتخذ لصالح العمال الأمريكيين والعائلات الأمريكية.

2 ـ يجب أن نحمي حدودنا من الآثار التخريبية للدول الاخرى التي تصنع منتجاتنا وتسرق شركاتنا وتدمر فرصنا الوظيفية.

3 ـ إن الحماية ستقود إلى ازدهار عظيم وقوة عظيمة. سأكافح من أجلكم بكل قواي ولن أخذلكم أبداً. أمريكا ستعود لتحقق الفوز مرة أخرى، وستفوز كما لم تفعل ذلك من قبل.

4 ـ سنعيد وظائفنا، وسنعيد حدودنا، وسنعيد ثروتنا، وسنعيد أحلامنا.

5 ـ سنبني طرقاً جديداً، وطرقاً سريعة جديدة، وجسوراً ومطارات وأنفاقاً وخطوط سكك حديدية في جميع أنحاء بلادنا الرائعة.

6 ـ سنرفع مواطنينا عن قوائم المعونات ونعيدهم إلى العمل.

7 ـ ونعيد بناء بلادنا بأيدٍ أمريكية وبعمال أمريكيين. سنتبع قاعدتين بسيطتين: اشتروا المنتجات الأمريكية ووظفوا المواطنين الأمريكيين.

8 ـ سنسعى إلى صداقات وحسن نوايا مع دول العالمـ ولكننا سنفعل ذلك على أساس الفهم بأن من حق جميع الشعوب أن تضع مصالحها أولاً.

9 ـ نحن لا نسعى إلى فرض طريقة حياتنا على أحد، لكننا نسعى إلى جعلها تشرق كمثال يحتذي به الجميع.

10 ـ سنعزز التحالفات القديمة ونشكل تحالفات جديدة.

11 ـ ونوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي سنزيله بشكل كامل من على وجه الأرض.

12 ـ وستكون من القواعد الرئيسية لسياساتنا، الولاء التام للولايات المتحدة. ومن خلال ولائنا لبلادنا، سنعيد اكتشاف ولائنا بعضنا لبعض.

13 ـ عندما تفتح قلبك للوطنية، فلن يكون هناك مكان للتحيز. يقول الكتاب المقدس لنا: (ما أجمل أن يعيش شعب الله معاً في اتحاد). يجب أن نقول آراءنا بصراحة، ونناقش خلافاتنا بصدق، ولكن يجب أن نسعى دائماً إلى التضامن".

إن أمريكا في هذا الخطاب مدانة في سياستها الداخلية ومدانة في سياستها الخارجية، وهذه شهادة تاريخية لا ينبغي للتاريخ العالمي والإسلامي أن ينساها، فلم يتضرر المسلمون في التاريخ أكثر مما تضرروا من أمريكا في السنوات الماضية، ممن يصفون أنفسهم "شعب الله" ويؤمنون به كما في الكتاب المقدس، ما يتطلب من قادة العالم الإسلامي أن يكونوا على مستوى الحدث، فلم يرَ ترامب عدواً يذكره بالاسم، ولا إرهاباً يصنفه لأيديولوجيا أو دين معين إلا الإسلام، فوعد بإزالته؛ لأنه إرهاب إسلامي، ولم يصنفه بأنه إرهاب داعش؛ لأن ترامب يتهم الرئيس الأمريكي السابق أوباما بأنه مؤسس داعش في العالم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة