أين ستتجه تركيا بعد الانتخابات؟

لم يشكل فوز العدالة والتنمية مفاجأة كبيرة، فقد كان فوزه محسوماً بحكم الإنجازات الكبيرة التي حققها.

الثلاثاء، 10-11-2015 الساعة 09:36


لم يشكل فوز العدالة والتنمية مفاجأة كبيرة، فقد كان فوزه محسوماً بحكم الإنجازات الكبيرة التي حققها، والتي لا يختلف عليها اثنان من المنصفين، ولم يكن تراجعه في الانتخابات الماضية إلى المستوى الذي لا يمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده بسبب الشك في هذه الإنجازات، بل للهاجس الذي كان يراود البعض في قدرة الحزب على الاحتفاظ بها.

إن العدالة والتنمية ليس حزباً إسلامياً بالصورة المعروفة عندنا نحن العرب، فمشروع الحزب في الأساس مشروع سياسي، وقد ركّز بشكل كبير في كل مسيرته على التنمية الاقتصادية وبنيتها التحتية، وبقدر ما يحقق من إنجازات في هذا المجال تتوسع لديه دائرة المنتمين والمؤيدين سواء من أولئك الفقراء الذين يشعرون بالتحسّن الملموس في مستوى معيشتهم، أو من الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال الذين يرون أمامهم أبواباً مفتوحة للعمل والاستثمار، وهؤلاء ليسوا بالضرورة أن يكونوا (إسلاميين) ولا حتى (متدينين).

إن هؤلاء الناخبين من المؤيدين أو المنتمين سيتأثرون حتماً بأي حالة من (القلق) تخفّض عندهم مستوى الاطمئنان على مكاسبهم، وسيخسر الحزب نتيجة لذلك بعض أصواته، وهذا درس من الدروس المهمة في الانتخابات الماضية.

إن الاستراتيجية الناجحة والمتميّزة التي تبنّاها الحزب تعتمد على (صناعة النموذج) الذي يقدّم الحلول العمليّة، مع خفض مستوى الشعارات (الأيديولوجية)، وبهذا يكون قد أقنع الناس بمشروعه العملي، وفي الوقت ذاته فتح الأبواب لكل طالب وراغب مهما كانت خلفيته الدينية والثقافية، بعكس تجارب بعض الأحزاب الإسلامية العربية والباكستانية التي تعتمد الخطاب الأيديولوجي المركّز وصناعة (النسخ المتشابهة) من الأعضاء، بدلاً من صناعة النموذج المقنع على الأرض.

الحزب سيستمر بهذه الاستراتيجية، ولن يخرج عن الدستور وقواعد العمل السياسي المتّبعة، ولن يكون هناك أي تغيير للدستور أو القانون إلا بطريقة دستورية وقانونية أيضاً، وأما التغييرات الجوهرية في شكل الحكم وملامحه الأساسية فمن المقطوع به أنها لن تكون قبل أن تتشكل قناعة شعبية عامة ومريحة، بحيث تكون هناك ضمانة لتجنب أي حالة انقسام داخل المجتمع التركي.

في العلاقات الخارجية ستبقى تركيا عضواً في حلف الناتو، وستسعى دائماً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفي المقابل ستسعى أيضاً إلى توثيق صلاتها بالعالم العربي والإسلامي خاصة المملكة العربية السعودية وقطر.

إن القلق الذي كان يراود بعض الأتراك والذي سمعته مباشرة ومشافهة أن تنجرّ تركيا إلى حالة من عدم الاستقرار؛ نتيجة لتدخل الحكومة في الملفين السوري والفلسطيني، وتبنيها لخطاب سياسي مثير للجدل لدى بعض العواصم الأوروبية والغربية، كان غالب من يثير هذا هم جماعة فتح الله كولن وبعض الأحزاب القومية والعلمانية المنافسة.

هناك قلق آخر بمستوى أقل يثيره هؤلاء يتعلق بما يتردد عن وجود نزعة شخصية للرئيس أردوغان لاستعادة (الخلافة) بشكل أو بآخر، وهم هنا لا يتورعون عن التذكير المستمر بسلبيات الخلافة ومحاولات تشويهها على طريقة (حريم السلطان)، أو المقارنة الساخرة بصورة الخلافة التي أنتجتها (داعش).

إن جنوح هؤلاء جميعاً لاستثارة المخاوف التاريخية أو الخارجية معناه الإقرار بالنجاحات والإنجازات الداخلية والواقعية، وهذا هو رأس مال العدالة والتنمية الذي لا ينكره أحد، ولا يدانيهم فيه أحد.

إن تركيا لا يمكن أن تعزل نفسها تماماً عن المنطقة الملتهبة على حدودها الجنوبية، خاصة أنها تشكل بالنسبة لها عمقاً تاريخياً وثقافياً واقتصادياً، وهي ترى في الوقت ذاته أن إيران تلعب في ساحتها وتحاول تطويقها وعزلها نهائياً، والملاحظ أن السياسية التركية لا زالت تتسم بقدر كبير من الحذر والبعد عن المواجهة أو المنافسة، على عكس ما يروّج له الخصوم، أما فكرة (الخلافة) فهي من الناحية العملية مستبعدة ولا تدخل في مشروع العدالة والتنمية، لا على مستوى نظام الحكم ولا على مستوى العلاقات بالدول الإسلامية الأخرى، وغاية ما في الأمر أن هناك اعتزازاً واضحاً بالتاريخ التركي (العثماني) دون الإشارة إلى إمكانية استعادة أو استنساخ تلك التجربة، كما تعمل كل دول العالم في تمجيد تاريخها لاستثارة الدافعية والفعالية لدى شعوبها.

إن الحفاظ على استقرار تركيا في هذه الظروف لا شك أنه هدف استراتيجي ومحوري لدى قادة العدالة والتنمية، وليس من المتوقع أن يستفزّهم هذا النصر للجنوح نحو الخطاب الأيديولوجي أو التعبوي الذي يستفزّ الخارج ويُقلق الداخل، بل العكس ربما يفكرون اليوم بجدية لردم الفجوات بينهم وبين الدول الغربية المتقدّمة، خاصّة فيما يتعلّق بالحريّات العامة وحقوق الإنسان، بعد أن تمكنوا من ردم الفجوات الاقتصادية وبكفاءة عالية.

لقد كنا نشعر بالحرج الشديد حينما يتفوق علينا الغرب في مجال (المساواة) و(حقوق الإنسان) ومكافحة كل أنواع التمييز العنصري، أكثر من حرجنا لتخلفنا عنهم في المجال العلمي والاقتصادي ونحوهما، حتى قال أحد دعاتنا وعلمائنا الأجلاء بعد زيارته لأوروبا: (عندهم إسلام بلا مسلمين، وعندنا مسلمون بلا إسلام)!

إننا لا نتوقع من الأتراك أن يطيلوا لحاهم أو يكثّروا عمائمهم، فعندنا من العمائم واللحى ما يكفي -والحمد لله-، ولا نتوقع منهم أن يحرروا فلسطين وسوريا والعراق، أو يعيدوا الشرعية في مصر، ولا أن يحاربوا الصليبيين والصفويين والشيوعيين والعلمانيين، يكفينا اليوم أن نرى فيهم النموذج العملي الناجح الذي نفخر به، والذي يقنع العالَم كله أن المسلمين عندهم ما يقدمونه لهذه البشرية المتعبة، وأن بإمكانهم أن يكونوا جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة، وبذلك ربما يكونون أقدر على التأثير حتى في قضايانا العربية والإسلامية الساخنة.

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة