أيهما أخطر: الإرهاب أم الطابور الخامس؟

الطابور الخامس يبقى من العوامل المؤثرة في استقرار المجتمعات؛ لكونهم "جواسيس أو عملاء يمارسون نشاطات التجسس والتخريب".

الثلاثاء، 15-11-2016 الساعة 11:49

مناخ المنطقة الحالي يعاني أزمات ويكشف بجلاءٍ عن تدخلات إيران السافرة ومفاعيل الحركات الراديكالية، فضلاً عن إفرازات التراجع الاقتصادي لبعض الدول وانعكاساته على داخلها.

 

هذه عوامل مؤثرة على الدول، لكن بالإمكان التعاطي معها ومواجهتها. الخطر عندما يكون معروفاً ومعلَناً لا يُصنف خطراً؛ لكونك تستطيع محاربته أو مواجهته بأي وسيلة أخرى، وهذا أمر مشروع طالما تحافظ على أمنك. غير أن الخطورة المدمرة تأتي من شخص (الطابور الخامس) يزعم انتماءه إلى البلد فيحيك في الداخل ما يريد ويصل إليه بخفاءٍ لتنفيذ ما طُلب منه وأنت لا تعلم عنه شيئاً إلا بعد وقوع الفأس في الرأس.

 

قبل 80 عاماً، نشأ هذا المصطلح (الطابور الخامس) -كما يقول المؤرخون- إبان الحرب الأهلية الإسبانية وفي أثناء حصار مدريد من قِبل اليمين (الثوار) بقيادة فرانكو الذي انقلب على (اليسار) رغم فوزهم بالانتخابات. وقد "خطب أحد الجنرالات وقتها عبر المذياع لإثارة حماسة الجنود واستنهاض هممهم، قائلاً بأن هناك أربعة طوابير تحاصر الجمهوريين في العاصمة، وأن هناك "طابوراً خامساً" من أنصار الانقلاب ويقصد به مؤيدي الثورة من الشعب، ومن يومها أُطلق هذا المصطلح على الجواسيس الذين يعملون مع دولة معادية لدولتهم. وأصبح أكثر شيوعاً نتيجة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

 

وفي هذا السياق، نقول إن دولنا الخليجية تتعرض لتحديات ومخاطر لم تعد تنطلي على أحد. لكن الخطر الحقيقي الذي لم تشعر به من قبل وأدركتْه لاحقاً والذي أصابها في مقتل، وجود فئة محسوبة عليها علناً تعمل ضدها سراً، وهي طامة كبرى ولكنها الحقيقةُ رغم الألم. كانت الطائفية الورقة السحرية التي استخدمتها طهران في تنفيذ أجندتها، لتجعل منها، ليس خلافاً في فروع الدين فحسب؛ بل أداة لشرخ الوحدة الوطنية في المجتمعات الخليجية، بدليل محصلة تصرفاتها في الكويت والبحرين والسعودية في الأعوام الماضية.

 

هنالك شيعة في الخليج لا يتفقون مع السياسة الإيرانية؛ بل ويرفضونها، وعلى النقيض تجد من السُنة من يشجعها وينفذ ما تطلبه منه طهران، بدليل علاقة إيران بـ"القاعدة"، فالمسألة تتعلق بالمصلحة ليس إلا.

 

ومع ذلك، عندما تقوم مجموعة محدودة من مثيري الشغب بتنفيذ أجندة خارجية، فإنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، على اعتبار أن في كل طرف شواذَّ لا يعبرون بالضرورة عن الكل أو السائد. قيام أولئك المخربين بإتلاف الممتلكات العامة والخاصة، وحيازة أسلحة نارية بصفة غير مشروعة، وإطلاق النار عشوائياً على المواطنين ورجال الأمن، من الأمور التي تمس الأمن، ومن حق الدولة اتخاذ التدابير والوسائل اللازمة لاستعادة الأمن والحفاظ على ممتلكات المواطنين، ومن واجبها أيضاً أن تقدمهم للقضاء، كما أن من حق المتهمين أن يحظوا بمحاكمة عادلة وفقاً لنظام الإجراءات الجزائية، والقضاء هو من يفصل في مثل هذه القضايا.

 

الإنصاف أيضاً يحتم علينا القول إن تعاطي الأمن السعودي مع هذه الأحداث خلا من النفَس الطائفي، مرتكزاً على استتباب الأمن ومحاسبة الخارجين عن القانون بغض النظر عن انتمائهم المذهبي، فمن يرتكب جرماً في حق الوطن يجب أن يخضع للمساءلة سواء أكان شيعياً أم سنياً، مقيماً كان أم مسيحياً. فالجميع سواء أمام القانون.

 

استهداف المملكة واضح، ومحاولة اختراق نسيجنا المجتمعي مستمرة؛ لشرخ وحدتها الوطنية من قِبل الحركات المتطرفة من "قاعدة" و"داعش" و"حوثي" وغيرها، فضلاً عن إيران. فعلتها "القاعدة" من قبلُ في تجنيد بعض الشباب، ومروراً بإيران باستهدافها فئة معينة عبر اللعب على وتر الطائفية والحقوق، وانتهاءً بالمشروع النستالوجي لجماعة الإخوان العابر للقارات.

 

هذه النوعية المستهدفة أو ما يطلق عليهم اسم "الطابور الخامس" تبقى من العوامل المؤثرة على استقرار المجتمعات؛ لكونهم "جواسيس أو عملاء يمارسون نشاطات التجسس والتخريب واصطناع أزمات اقتصادية، فضلاً عن إثارة الرأي العام بترويج الإشاعات، وترديد الأكاذيب وتزييف الحقائق". وقد يصل بهم الحال للقيام بأعمال إجرامية وإرهابية لزعزعة الأمن وهز الجبهة الداخلية.

 

قلت سابقاً إن هذه الخلايا تُصنف على فئات موزعة حسب نوعية المهمة؛ فمنها الاستخباراتية التي تجمع المعلومات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وفئة دعائية هدفها ترويج الإشاعات. أما الفئة الثالثة، فهي قتالية ميدانية، ومهمتها القيام بالعمليات الإجرامية، وعادةً ما يصعب معرفة عدد عناصرها ولا يوجد لها تنظيم هيكلي ويتم تجنيد عناصرها؛ إما عن طريق الإغراء المادي وإما الانتماء المذهبي.

 

استهداف السعوديين واختراق شرائحهم كافة ودفعهم للانخراط في أجندة معادية، مستخدمين الوسائل كافة؛ من ترويج إشاعات وماكينة إعلامية، هو مطلب للأعداء، ما يعني ضرورة إحباط تلك المشروعات عبر إعادة النظر في مسألة الانتماء والولاء عبر استراتيجية وطنية تكشف نشوء الأسباب وتقترح علاج الخلل.

 

صفوة القول: المنتمي إلى الإرهاب يمكن التعاطي معه مباشرةً؛ فهويته واضحة، لكن الإشكالية مع الذي يدّعي الانتماء إلى الوطن ثم يطعنه في الظهر، ما يجعل ترسيخ الوحدة الوطنية ضرورةً لهدم تلك المشروعات قبل اختراقها لمجتمعنا.

 

(صحيفة الرياض)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة