إبليس إذ يحكم على مصر بالإعدام!

القضية لن تنتهي بلف حبل المشنقة على رقاب شرفاء مصر ونيلهم الشهادة، فهذا الحبل سيمتد إلى وجدان الشعب المصري.

الثلاثاء، 19-05-2015 الساعة 09:08


كما أن المنطق يقول باستحالة تأسيس إبليس لمؤسسة خيرية، فإن ذات المنطق يؤكد أن لوم إبليس وتلامذته على أحكام الإعدام الأخيرة بحق ملائكة الثورة المصرية عبث بالمنطق ونواميس الكون: فالشر هو أصل إبليس وجوهره، وأحكام الإعدام هي أقل المتوقع وأدنى "العشم" من تلامذة إبليس المخلصين، ولم يحدث يوماً أن أصبح إبليس مندوباً عن الخير، أو ممثلاً له، وكما أننا لا نلوم إبليس على أداء واجبه تجاه الشر، فإننا لا نعتب على السيسي وأمثاله نشر الموت والظلام في مصر!

وحين يتصدر الشر: نلوم الخير على ضعفه؛ لأن الشر حالة نسبية تتصاعد تبعاً لتراجع الخير، وما حصل في مصر مثال على ذلك، وهذا ليس لوماً، ولا عتباً، ولا انتقاصاً من بطولة من تصدوا لقيادة الثورة في مصر، ويواجهون الآن الموت على يد السيسي وأسياده، ولكننا نتحدث هنا عن المنهجية التي أدت الى هذه الحالة.

ومنهجية الثورة المصرية في أساسها كانت منهجية اللامنهجية: احتشدوا وهتفوا ثم انفضوا، وماتوا! لم يتسبب الفعل الثوري بأكثر من اختناقات مرورية وقطع للطرقات وحصار للمقرات، فالمظاهرة ليست ثورة، والاحتشاد بالساحات لا يقتلع شجرة الشوك العميقة الراسخة بمصر لسنوات، والتي امتصت بدهاء امتعاض شعبها ورغبته بالحياة، فأنشأت فيلماً عربياً ذا لونين أبيض وأسود: فابتدأ اللون الأبيض، الذي شع وهماً، باستقالة مبارك ثم السماح بانتخابات أبرزت القيادات، ثم تلاه سواد الانقلاب وأحكام الإعدامات!

والقضية لن تنتهي بلف حبل المشنقة على رقاب شرفاء مصر ونيلهم الشهادة، فهذا الحبل سيمتد إلى وجدان الشعب المصري الجريح، وسيصنع أثراً سلبياً على رغبة المصريين بالتغيير، فإعدام مرسي ورفاقه هو إعدام لرموز الثورة ووجهها ورايتها، وهي خطوة إبليسية بامتياز ستصنع يأساً نفسياً قد يمتد لسنوات ويقيد حركة الشعب المصري القادمة، ليتمخض عن حكم عصابة على شعب؛ أي حكم السيسي وأسياده على مصر بالإعدام، ويشمل ذلك: برمجة الشعب المصري على التدمير الذاتي: من خلال زراعة السلبية واليأس وترك السيسي ومن معه يعبثون، ويحرقون، ويظلمون، ويقتلون، ولا يلوون على أحد!

إذن، هي ليست قصة أقزامٍ سيشنقون رجالاً: بل قصة شعب يُرادُ لهمته الانهزام. والإخوان يبقون جزءاً من الشعب المصري، شاءت الأقدار أن يمثلوا وجه مصر الآخر؛ أي ذاك المواجه لوجهها السيسي الإبليسي. وما يهمنا هنا: هو ما بعد ذلك؛ أي ما سيكون في قابل الأيام، فالشر فعل فعلته، وأتم ما هو مسخرٌ له ومنتظر منه، لكننا نخشى من الاستدراك: فـ"الاستدراك الخاطئ" لقوى الخير والثورة سيكون أسوأ من الإعدامات ذاتها، والنوايا الطيبة لا تكفي لصواب الأعمال، إذ صحة الفعل تقتضي حسن الاتعاظ وكمال الفهم، واستقصاء العبرة والصواب من مصيبة الانقلاب يقتضي التخلص من شحنه العاطفي الأليم، الذي يدفع لتعجل المراحل، واستباق الخطوات، ومخالفة سنة التدرج الكوني، التي ميّزت منهجية الإخوان الهادئة عن غيرها من الحركات الإسلامية.

ليست مشكلة أن تخطئ جماعة عريقة مثل الإخوان في فهم واقعها المصري، وتعتقد بأن إرادة الشعب هي الغالبة بوجود شبكة العصابات التي تسمى بالدولة العميقة، فخبرة الإخوان السياسية لم تصقلها سنواتهم التي قضوها بالعمل السري بين الجدران والسجون، والتدرج بالنضج السياسي هنا أمر طبيعي. لكن المشكلة: أن يتحرك الإخوان إلى المربع الذي تستدرجهم إليه مافيا السيسي؛ أي مربع العنف.

إن التوغل في "رد فعل" ضمن مربع العنف سيمثل إعداماً فكرياً تنظيمياً لجماعة الإخوان. وهذا أشد وأسوأ من أحكام الإعدام الصادرة مؤخراً على قيادات الجماعة. فالمؤسسة التي أدارت الإنقلاب السيسي لطالما سعت إلى شيطنة الإخوان، واتهامهم بالعنف، ومزجهم (بسذاجة فكرية مقصودة) مع الجماعات المسلحة التي رفعت السلاح بوجه الدولة سابقاً، بل إن كثيراً من الإنتاج الإعلامي الوثائقي لكبريات وكالات الأنباء حاول الربط بين شخصيات محسوبة على الإخوان مثل عبد الله عزام، وتنظيم القاعدة ضمن مرحلة الجهاد الأفغاني. وهذا الربط الوهمي وراءه ما وراءه، والمغزى هو إظهار جماعة الإخوان ذات المنهج والأدبيات السلمية: جماعة باطنية تسعى لمكاسب خفية عبر العنف (عند اللزوم)، أو مروراً على جسر مرصوص من صناديق الاقتراع.

لذا: نعتقد بأن مربع العنف سيكون خياراً رديئاً لخط الإخوان الثوري؛ وذلك لعدم التكافؤ، فالفعل الثوري المسلح هنا سيقابله عنف دولة منظم، والثوار لن يدعمهم أحد سوى إمكاناتهم الذاتية، وهذا يقتضي إدخال البلاد بدوامة من العنف غير القابل للحسم، ولهم بثوار سوريا عبرة! فضلاً عن ذلك: ستستغل الآلة الإعلامية الضخمة أي لجوء لفعل ثوري عنيف، يقتضيه سياق مؤقت ولا يمثل الأصل الفكري للإخوان، للتأكيد على تهمة العنف التي يُراد لها أن تلصق غصباً بالإخوان، وسيجابه ذلك آلة إعلامية متواضعة تؤيد الثورة، وهذا سيمنح النظام السيسي مبرراً، لطالما تمناه وبحث عنه وحاول إيجاده، يغلف البطش النظامي بالإخوان بغلاف قانوني جنائي، ويحرف القضية من مطالب ثورية مشروعة بالحرية واحترام إرادة الشعب إلى مجرد تصارع على السلطة أو تقاتل على مكاسب.

وعموماً: فإن فهم الذات والحدود المتاحة لصناعة فعل مؤثر صحيح يجب أن يكون الإطار الحاكم لأي استدراك تفعله جماعة الإخوان بالتعاون مع أطياف الثورة الأخرى. ويجب تقرير حقيقة واضحة: بأن أي فعل ثوري لا يؤثر على شبكة الدولة العميقة المتغلغلة أشواكها بالمشهد المصري سيكون بلا جدوى، فبعضهم لا يمانع ضرب السيسي بالإخوان في مرحلة ما؛ لتعزيز مكاسبه بالمرحلة التي تليها.

وهذا يقترح بأن الاستدراك الصائب قد يكون بالانكفاء المؤقت، والميل إلى هدنة مفضية إلى مراجعة الذات وامتصاص الصدمة، وربما يلي ذلك اتخاذ النموذج التركي الأردوغاني أساساً للفعل السياسي القادم، وهو نموذج قائم على تجنب الاصطدام وتعزيز المكاسب بشكل تدريجي دون التفريط بالثوابت، عبر ممارسة سياسية ما، تفضي لنوع من التوازن الضمني مع الدولة العميقة في المستقبل البعيد.

إن تعليق الشرفاء على المشانق ليس بأقل سوءاً من تعليق الأفكار على ذات الحبال وعلى يد ذات الجلاد! كما أنه ليس بأقل سوءاً من تخويف الشعب وثني همته عن التغيير. ولطالما مضت سنة الحياة بأن إعدام الأشخاص هو إحياء لأفكارهم، لذا ينبغي مداراة جرح مصر النازف وتقصي الصواب والتدرج الثوري، والتأقلم المرن مع قواعد اللعبة ومعطيات الواقع. نسأل الله أن يحمي مصر وشعب مصر!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة