إسرائيل: اخترقنا غلاف الدفاع لقادة حماس

نتنياهو أبعد ما يكون عن البراءة من الذنب، فقد أهدر فرصاً عديدة للتقدم بالعملية السياسية مع السلطة الفلسطينية، وتهجم دون سبب على الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" بسبب قرار المصالحة مع حركة حماس.

السبت، 23-08-2014 الساعة 14:45


تسعى إسرائيل منذ 45 يوماً إلى صنع التحرك الذي سيرجح كفة الميزان (المتعادل حالياً) لصالحها في المعركة مع حركة حماس في قطاع غزة. على الرغم من اعتراض نظام القبة الحديدية للصواريخ، وهدم 32 نفقاً هجومياً حفرتها حماس، والأضرار البالغة التي خلّفها الاجتياح البري للبلدات والأحياء الفلسطينية الواقعة في أطراف القطاع، فإن هذا كله لم يكن كافياً لإقناع الرأي العام الإسرائيلي أن إسرائيل انتصرت في الحرب. إذ إن الخسائر البشرية في صفوف الجيش خلال عملية هدم الأنفاق، واستمرار سقوط الصواريخ المنطلقة من غزة على جنوب إسرائيل، وتعنت حماس في الموافقة على وقف إطلاق النار، كل هذا قد خلق حالة إرباك وصلت إلى الشعور بالعجز واليأس في الجانب الإسرائيلي. وفي الوقت الذي يتخوّف فيه سكان الجنوب من العودة إلى بيوتهم، ويهاجم وزراء "الكبينيت" رئيس الحكومة "نتنياهو" بشكل علني وصريح لضعفه أمام حماس، يصعب التحدث عن خطوات حاسمة.

إن حملة الاغتيالات التي بدأتها إسرائيل، منذ الثلاثاء الماضي ليلاً، تعكس محاولة للخروج من الجمود العسكري وفرض وقف إطلاق النار على حماس. إذا نجحت هذه الخطة (دون أن تجني حماس مكاسب من إسرائيل)، فإنها ستزيل عن كاهل "نتنياهو" عبئاً مزدوجاً: مضايقات حماس من الخارج، ومن الداخل اللسعات السياسية لوزراء مثل "أفيغدور ليبرمان" و"نفتالي بينيت".

في سياق الاغتيالات، فإن مصير محمد الضيف، رئيس الجناح العسكري لحركة حماس، لا يزال مجهولاً. لكن الحركة اعترفت أمس بمقتل اثنين من كبار القادة، محمد أبو شمالة ورائد العطّار، في هجوم سلاح الجو على منزل في رفح. تواجه حماس في هذه الأيام الفترة الأكثر صعوبة منذ بدء الحرب، ولكنها مستمرة بشن هجمات صاروخية واسعة النطاق موجهة في المقام الأول إلى بلدات جنوب إسرائيل.

الجدل الدائر بين قيادات الجيش والاستخبارات الإسرائيلية حول جدوى الاغتيالات هو جدل مستمر منذ عقدين على الأقل. بخلاف الحالات التي سببت عملية الاغتيال فيها ضرراً عملياً كبيراً للتنظيمات (مثل اغتيال عماد مغنية القائد في "حزب الله" عام 2008، واغتيال "فتحي الشقاقي" من حركة "الجهاد الإسلامي" عام 1995)، فإن المعارضين لأسلوب الاغتيالات يدّعون أن التخلص من قائد يفسح الطريق لقائد أسوأ وأشد، فعلى سبيل المثال ورث "نصر الله" من "عباس الموسوي" الأمانة العامة لـ"حزب الله" عام 1992، كما حلّ "محمد الضيف" محل "أحمد الجعبري" في قيادة الجناح العسكري لحركة حماس عام 2012. حالياً، يوجد إجماع وسط القيادة السياسية والعسكرية على جدوى الاغتيالات، ولعل سبب هذا التوافق يرجع إلى عدم وجود أي حل بديل وفوري آخر.

حاولت إسرائيل إصابة قادة "حماس" منذ بداية الحرب، إلا أن نقص المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب التخوف من قتل عدد كبير من المدنيين، أعاق تحقيق ذلك، وخلق انطباعاً بأن لدى قادة حماس ترتيبات خاصة للحفاظ على حياتهم. فإن اهتمامهم بالأمن المعلوماتي والسرية التامة في ميدان الحرب جعل من الصعب كشف أماكنهم، إضافة إلى منظومة الأنفاق والمخابئ تحت الأرض التي حَمَتهم، وكذلك وجود مدنيين في مبانٍ مجاورة حسّنت مظلة الدفاع. لكن، الثلاثاء الماضي، تم اختراق هذه المظلة لأول مرة في أثناء محاولة اغتيال "الضيف"، وكذلك عند اغتيال "أبو شمّالة" و"العطّار" فجر أمس.

إن سلسلة الاغتيالات حصلت نتيجة لنضج عدة عمليات. أولاً، تمكن جهاز الأمن العام "الشاباك" من الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة عن مكان وجود القادة. ثانياً، كان هناك على ما يبدو تطور تقني-عمليّاتي سمح بتمهيد الطريق. وفقاً للتقارير، استخدمت القوات الجوية 4 صواريخ يزن كل واحد منها طناً، إضافة إلى قنابل اختراق أصغر لإصابة المنزل الذي اشتبه في مكوث "الضيف" به في حي الشيخ رضوان في غزة، ويظهر في الصور الواردة من موقع الهجوم أن المنزل دمر تماماً من القصف. إذن المعطى الأكثر أهمية والذي أحدث فرقاً هو صواريخ الاختراق، حيث إن استخدامها ضيّق الفضاء الآمن والمحصن الذي أنشأه قادة حماس تحت الأرض.

أما العملية الثالثة فهي ترتبط بعدد القتلى من المدنيين في غزة، الذين تستعد إسرائيل للمخاطرة بهم من أجل إصابة القادة. من أجل هذا الغرض، استحدث الجيش مصطلحاً "ملطّفاً" وهو: "الأضرار الجانبية". قبل محاولة اغتيال "الضيف" قام "الشاباك" بتقدير عدد الماكثين في المبنى المستهدف بـ15 شخصاً معظمهم من المدنيين. وحتى يوم أمس تم انتشال 7 جثث من بين الأنقاض، كان من بينهم زوجة "محمد الضيف" وطفلته وطفله، ومن المحتمل أن يكون هناك مزيد من الجثث تحت الأنقاض. وعلى الرغم من أن قيادات إسرائيل لا تعترف رسمياً بذلك، إلا أنهم قاموا بحساب "بارد" لإتمام هذه العملية (بعد أن وافق عليها نتنياهو ويعالون شخصياً).

إن الاغتيالات مطلوبة لإرباك "حماس" وإجبارها على وقف إطلاق النار، وفيما يتعلق بعدد المدنيين الذين يسقطون خلال عملية الاغتيال، فهو مرشّح للزيادة بفروق هائلة إذا ما قام الجيش باجتياح القطاع برياً مرة أخرى. لذلك في هذه الظروف، فإن القيود المفروضة على قتل الأبرياء المحتمل تُخفف أو تزول تماماً.

من المؤكد أن قادة حماس يدركون الرسالة المخفية في التحرك الإسرائيلي المتعلق بالاغتيال، وهي: "تم خرق منظومتكم (استخباراتياً) وتم اقتحامه. إن لم تتوقفوا حالاً ستستمر الاغتيالات وسيلحق الأذى بعائلاتكم أيضاً". للوهلة الأولى، يبدو أن حماس خرجت أمس في لحظة معينة عن التوازن. فإن اغتيال أبو شمّالة والعطار أجل النية المعلنة لإطلاق صواريخ على مطار "بن غوريون" لعدة ساعات. حتى اليوم، أظهرت حماس السيطرة الكاملة على منظومة الهجوم الخاصة بها، وعملت بحسب خطة منظمة مسبقاً، لكن صباح أمس على الأقل، يبدو أن قادة المنظمة قلقوا أكثر حول حياتهم على حساب تحقيق وعودهم المعلنة.

أبو شمّالة والعطار كانا عضوين قديمين بالقيادة العليا للجناح العسكري لحركة "حماس"، وهما من الذين جمعهم "الضيف" حوله منذ منتصف التسعينات. وقد تشاركوا المكوث في بيت واحد برفح. القاهرة لن تذرف دمعة واحدة على العطار، فقد كان لمصر حساب طويل معه، على ضوء المساعدات المقدمة من قبله لمنظمات الجهاد العالمي التي تعمل في سيناء.

لغز محمد الضيف

لا يزال نتنياهو يفضل الامتناع قدر الإمكان عن خوض اجتياج برّي آخر، ومن المؤكد أن من المستبعد احتلال القطاع. فقد بعض فرق من ألوية الجيش بالقرب من القطاع، في حين اضطر إلى توزيع باقي القوى على حدود لبنان وسوريا. إن الاغتيالات في القطاع قدّمت لـ"نتنياهو" فرصة لالتقاط الأنفاس في الساحة السياسية، حيث واجه هناك تمرداً واضحاً داخل حكومته وفي "الكبينيت"، وتلقى ضربات موجعة من التيار اليميني كما لم يحدث له من قبل. إن نجاح العملية العسكرية سوف تزيد مساحة المناورة السياسية لنتنياهو، وتمكن إسرائيل من تحمل عدة أيام إضافية من تلقي الصواريخ، إذا كانت ستنتهي بالعودة إلى المفاوضات. ليس مصادفة أن يتحدث نتنياهو ويعالون في الأيام الأخيرة عن ضرورة الوقوف بقوة شعبياً وسياسياً. وهذا مصطلح يمكننا ترجمته إلى العربية بمصطلح "الصمود" كما يستخدمه الفلسطينيون، لكن المقصد منه في الساحة الإسرائيلية هو التحلي بمزيد من الصبر. قبل بدء الاغتيالات، كان من الصعب التهدئة من غضب وزراء "الكبينيت" ومطالبتهم بـ"التحلي بالصبر"، فقد طالب أحد الوزراء بشكل صريح إسرائيل بخرق الهدنة الأخيرة واغتيال "الضيف"، لكن الحكومة انتظرت يوماً آخر قبل اتخاذ قرار الاغتيال.

نتنياهو أبعد ما يكون عن البراءة من الذنب، فقد أهدر فرصاً عديدة للتقدم بالعملية السياسية مع السلطة الفلسطينية، وتهجم دون سبب على الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" بسبب قرار المصالحة مع حركة حماس، إضافة إلى ذلك فقد أشعل النيران في الضفة الغربية بعد خطف "نفتالي وجلعاد وأيال". إضافة إلى استهداف وإلحاق الأضرار البالغة بالبنية التحتية المدنية لحركة حماس في الضفة الغربية، والذي لم يثمر أي شيء. بالمقابل، نتنياهو واع الآن ومدرك للفرص الموجودة أمامه، منها فرصة إعادة السلطة الفلسطينية للمشهد الرئيسي، وتقوية تحالف المصالح في المنطقة مع الأردن ومصر على ضوء الأخطار المشتركة، وهي إيران من جهة، وتنظيم "الدولة الإسلامية" من جانب آخر.

من المحتمل أنه حتى نهاية الأسبوع الحالي ستسنح فرصة ممتازة لإسرائيل ستقلب الموازين لصالحها. وفي خلفية المشهد، يبقى لغز محمد الضيف، هل نجا من ضربة سلاح الجو الإسرائيلي، أم جرح ولم يعد قادراً على القيادة.. أم أنه قتل؟ في الظروف الراهنة من مصلحة حماس الحفاظ على صورة "الضيف" كـ"شبح"، وأن لا تظهر بوضوح ما حدث له. وإذا لم تعط المخابرات الإسرائيلية إجابة عن هذا السؤال، لن يكون هناك مفرّ من أن نعرض على "الضيف" تحدي "دلو الثلج"... وإذا لم يتطوع للظهور خلال 24 ساعة، فهذه إشارة إلى أنه لم يعد موجوداً.

(هآريتس - 22/08/2014 - عاموس هارئيل)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة