إطلالة الهلال وإصلاح المواسم

يأتي رمضان المبارك شهراً كاملاً من كل عام محمّلاً بمخزونات ثمينة لا يصح أن تغفل عنها الأمم والمجتمعات.

الأربعاء، 17-06-2015 الساعة 13:05


تبحث الأمم عن المواسم والمناسبات، فإما أن تجدها أو أن تبادر إلى اصطناعها. وقد نحتت بلدان الخليج مواسمها السنوية، فجعلتها للاحتفاء بالوطن، أو لإبراز الثقافة، أو لإنعاش التسوّق، لكنّ المواسم الأعظم بروزاً تبقى حاضرة بين أيديها دون عناء، وفيها فرص كامنة للمجتمعات كي تجدد روحها وتستعيد عافيتها.

يأتي رمضان المبارك شهراً كاملاً من كل عام، محمّلاً بمخزونات ثمينة لا يصح أن تغفل عنها الأمم والمجتمعات التي تروم تصحيح مسارها والتخفف من أعبائها، وإحياء القيم النبيلة في زمن تدهورها. إنه موسم متعدد المكاسب، يجدر استثماره في نطاقات الأفراد والمجتمع والأمة والإنسانية ككل، فهو يختزن قدرات هائلة بمنطق التغيير الاجتماعي.

ومن نافلة القول أنّ رمضان موسم علم وعمل، وعبادة وإحسان، وتواصل وتراحم، وهو ما يسدي فوائد جليلة للأفراد بأن يعينهم على استعادة توازنهم، حتى إنه يسعفهم اليوم في ترميم حضورهم في العالم الواقعي بعد انغماسهم المديد في الأحلام الافتراضية.

ثمّ إنّ رمضان مدرسة في الصبر والاحتمال، تتربى فيه المجتمعات على قوة الإرادة والقدرة على التحكم، بما يسعفها في الكفّ عن الاغتراف المتواصل من دنيا زائلة والتعلق بحطامها. وفي مدى هذا الشهر العظيم فرصة للاستدراك، وللتحرر من ثقافة الاستهلاك الجارفة في زمن العولمة، المعززة بفنون الهيمنة على الوعي والاستدراج لاقتناء فوائض الإنتاج. ولا تنهض المراهنة في الأساس على التقليل من الطعام والشراب على مدار شهر الصيام؛ بل على الخروج بمجتمعات متحررة؛ قادرة على ضبط رغباتها والتحكم في انفعالاتها والإمساك بزمامها.

ولا يصح اختزال شهر الصيام في طقوس يؤديها بعضهم في عزلة عن الحياة، بل في انتظام الحياة ذاتها بمعايير الصلاح والاستقامة في الأمور كلها، من قول وعمل، وفكر ومقصد. فقد تبذل الأمم جهوداً هائلة، وتنفق موارد وفيرة؛ لضبط مسالكها وإصلاح أحوالها، وقد تطلق حملات واسعة في الإرشاد والتوعية، أو تفتعل مناسبات وتستحدث أعياداً تحشد فيها قواها صوب ما تحدده من أهداف؛ لكنّ ذلك كله لن يضاهي الفرص الهائلة التي يحملها رمضان إلى المجتمعات التي يحلّ ضيفاً كريماً عليها. ومن لم يستوعب بعد حاجة الناس إلى رمضان، فليتابع نشرة الأخبار القادمة التي تتزاحم فيها الفواجع وتتلاحق فيها المآسي مما كسبت أيدي الناس.

وفي رمضان فرص مميزة لمخاطبة العالم بانفتاح، والتواصل الدافئ مع دوائره الحضارية، وتقديم روح متجددة للإنسانية الحائرة في زمن "ما بعد الحداثة".

وفي هذا الموسم أفضل ما يمكن تقديمه في مواجهة صناعة التشويه وحمى الكراهية التي تستهدف المسلمين ودينهم وثقافاتهم، فهذا الشهر يتيح امتياز المعايشة التي تذيب الحواجز وتتجاوز القوالب النمطية والأحكام المُسبقة.

بيد أنّ استثمار الشهر يتطلب إزاحة العراقيل جانباً. فبعضهم يجعل منه موسماً طقوسياً مجرّداً من الروح، ويريده آخرون تقاليد شكلية ترضخ للواقع ولا تُصلح الأحوال. وغاية القول أنّ التعامل الرشيد مع رمضان يتطلب إصلاحات جادة في الفهم وفي الممارسة معاً. ولن يتأتى الفوز بالموسم دون تخليصه من فخ الاستهلاك الجامح الذي يضخِّم الطعام والشراب في وعي الصائمين والصائمات ويستدر الأموال من جيوبهم ببراعة. كما لا تستقيم الأحوال دون تحرير رمضان من صناعة الترفيه المتضخمة، التي لا يُسائلها أحد ولا تعترض سبيلها إشارة حمراء، فتمضي لإغراق المجتمع بأعمالها التي تصرفه عن غاية الموسم ورسالته.

إنه السؤال الذي يبزغ مع إطلالة الهلال؛ عن الجدوى من لافتات التطوير المرفوعة في الأرجاء؛ عندما تعجز المجتمعات عن استثمار فرص الإصلاح الكامنة في شهر بحياله، اسمه رمضان المبارك.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة