إعادة التأسيس الخيري في الخليج

كانت "صناعة الخير" تتطور في أرجاء الأرض وتحصد وعود العولمة، بينما تراكمت القيود على الخير الأهلي بالخليج.

الجمعة، 20-02-2015 الساعة 09:53


انتفخت بطون الأطفال مطلع الثمانينات، عندما فتك الجوع بشرقي أفريقيا بأثر الجفاف، حتى هلكت أعداد غفيرة. أحدثت الكارثة يقظة إنسانية عارمة حول العالم، ويجوز الافتراض بأنها كانت في الخليج الحدثَ المؤسس للقطاع الخيري الحديث.

انطلقت المبادرات يومها، وتفاعلت الحملات، وتشكلت الجمعيات، ونهضت المؤسسات، ودخل الإنفاق الخيري عهده الجديد في المجتمعات الخليجية.

وعبر أعوام معدودة توسعت التجربة الخيرية غير الحكومية في الخليج، فأيقظت في المجتمعات المحلية أنبل مبادرات العطاء. كرّست وجوه كريمة نفسها لعمل الخير، حتى تخلى بعض الرواد عن امتيازات الرفاه ليجوبوا الفيافي والقفار لمسح رؤوس اليتامى وإطعام المساكين، وحفر الآبار وإقامة المدارس والمستوصفات.

تطوّرت التجربة وتكاثرت لافتاتها، حتى أنعش الخليجيون تجربة العمل الخيري الإسلامي الحديث على مستوى العالم، مهما بدت التجربة ناشئة وحافلة بالعثرات.

لكنّ القصة لم تنته عند هذا الحد. فما كادت التسعينات تنصرم حتى حملت معها المتاعب. لوحق القطاع الخيري الخليجي باتهامات شتى، بأثر المزاعم والتقارير التي انتهت خيوطها إلى الولايات المتحدة أو تحريض إسرائيلي لم يتوقف.

ثمّ حلّ ذلك اليوم من بواكير الخريف، واضعاً هذا القطاع ومؤسساته في قفص الاستجواب. إنه الحادي عشر من سبتمبر، الذي أهال التراب على عشرين سنة من نهوض الخير الخليجي الحديث، وأدخل المؤسسات النشطة بحر الظلمات.

ألقت واقعة البرجين الشاهقين بظلال كئيبة على القطاع الخيري، حتى تحوّلت حصالات التبرع إلى مادة للتشهير الإعلامي في بعض صحف الخليج، بأقلام معلقين محليين تقمصوا خطاب المحافظين الأمريكيين الجدد بكل إخلاص ونظروا بريبة إلى المساجد وما يدور فيها.

كان عهد جورج بوش الابن شديد الوطأة على العمل الخيري المؤسسي الخليجي، لأنّ حربه العالمية على "الإرهاب" لم تترك مؤسسة خيرية محترمة إلا واقتحمت عليها مكاتبها ونبشت ملفاتها. خاض المفتشون الأمريكيون صولاتهم مع المؤسسات الإنسانية الكبرى في أنحاء الخليج، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، ولم يكلفوا أنفسهم منحها شهادات تبرئة من الشك رغم أنهم لم يمسكوا بخيوط اشتباه.

ورُب ضارة نافعة. فقد اندفعت المؤسسات الخيرية الخليجية إلى تطوير أنظمتها، وسد الذرائع التي تكاثرت من حولها. لكن التجربة برمتها تحجمت، وودّعت حلم العالمية والمنافسة عبر القارات. اضمحلّ القطاع الخيري الخليجي وتقلّصت لافتاته الفاعلة، ولم يكن ذلك بضغوط الخارج وحده بكل تأكيد.

انطفأت تجارب وانكفأت أخرى، وسلك بعضها بين الأشواك، وبدا البقاء في وجه العواصف العاتية نجاحاً بحد ذاته. كانت "صناعة الخير" تتطور في أرجاء الأرض وتحصد وعود العولمة، بينما تراكمت القيود على الخير الأهلي في الخليج، فتآكلت طموحاته وتعقدت مساراته حتى ضاقت به الأرض أحياناً.

حضرت اللافتات الخليجية متأخرة عن موعدها في كوارث شتى، وقيل إنها لم تكن ملحوظة في اختبارات كبرى في القرن الحادي والعشرين، كما جرى بعد فاجعة تسونامي التي ضربت سواحل آسيا. وفي خلفية ذلك ضغوط وعراقيل أقعدت القطاع الخيري الخليجي غير الحكومي، وأضعفت قدرته على الاستجابة العاجلة للتطورات أو المبادرة في الاستباق.

لكلّ زمان دولة ورجال وأنظمة حاكمة لعمل الخير. وقد يكتشف القوم أنّ زمان المراجعة التي لا غنى عنها قد حان، بغية إطلاق الفرص الكامنة لمجتمعات الخليج في هذا المجال الحيوي المكبّل. فمن حق المجتمعات تطوير تجاربها الخيرية، بما لا يتضاءل عن تجارب أمم أخرى.

ولن ينهض الأمر بدون أنظمة محفزة للجهود الخيرية، ترفع القيود وتكفل انسيابية العطاء المادي والتطوع الإنساني، وتحقق التفاعلية التي يتطلبها النفع العام بأبوابه المتنوعة ومبادراته المتجددة.

إنه وقت التأسيس الخيري الجديد في الخليج، أو وقت القيم النبيلة التي تستأهل التضحية في وجوه البذل والعطاء، بما يعين المجتمعات على التعبير عن أفضل ما لديها.

ولا حرج أن يهمس أحدهم في الآذان، بأنّ تنمية روح الخير هي أعقل رد على إذكاء التطرف.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة