إيران إذ تخلع عباءتها الإسلامية وترتدي الجينز!

كان وهماً كبيراً الاعتقاد بأن إيران تمثل عمقاً إسلامياً حقيقياً للعالم الإسلامي الكبير.

الثلاثاء، 28-07-2015 الساعة 08:42


مـرّ قطار المصالح الغربية في الشرق الأوسط، داعساً بلامبالاة سكة معبدة بجثث الربيع العربي، ليتوقف تماماً في طهران! هكذا استدارت الأحداث في الشرق الأوسط الجريح الذي انتقل من الربيع العربي إلى الربيع الإيراني! ليس مفاجئاً براغماتية الغرب، ولا لوثة وسائله، وامتزاج مصالحه بالدماء وانتهاك الإنسانية، لكن المفاجأة هي دوران طهران، المعلن والمكشوف ببجاحة ووقاحة استثنائية، باتجاه مصالحها تماماً هذه المرة، وإعطاء ظهرها للعالم الإسلامي، الذي لطالما زايدت، وبايعت، ونفخت وأزبدت، لبعدها الإسلامي "الوهمي"! فغبار الاتفاق الإيراني الأمريكي الأخير سرعان ما انقشع عن وجه قبيح للولي الفقيه، حتى يكاد الخياطون أن ينسجوا عباءته، وعمامته السوداء، من قماش الجينز الأمريكي، تماشياً مع موجة التغيير الإيراني الأخير!

كان وهماً كبيراً الاعتقاد بأن إيران تمثل عمقاً إسلامياً حقيقياً للعالم الإسلامي الكبير، بأغلبيته الإسلامية الحيوية، وكان غباء الاعتقاد بأن إيران يمكن أن تكون رأس حربة لأمة، تتجسد بالعالم الإسلامي بامتداده الجغرافي والسياسي ووحدته العقائدية. فإيران "لم" و"لا" و"لن" تتقبل سوى طائفيتها، وفي سبيل ذلك قتلت وتقتل وستقتل وتنحر كل مسلم ينتمي للغالبية الإسلامية الساحقة، هكذا كانت وما زالت الجمهورية الإيرانية.

كانت سذاجةً من قيادات إسلامية شتى أن ظنت أن العمود الإيراني المعوّج يمكن تقويمه، وأن طائفة يمكن تصحيح مسارها لتعاضد أمة. كانت إيران أولى الدول "العائمة في غبار العالم الإسلامي"، والتي ابتدعت "بدعة نشر المذهب" بدلاً من نشر "الإسلام"، وبينما كان عموم الدعاة، بشتى مدارسهم وطرقهم، يسعون لنشر الإسلام، كانت إيران تسخر مواردها لنشر الطائفية والمذهبية وبناء الحسينيات وليس المساجد، ثم تطورت لفرض "الفارسية" على كل لغة وثقافة وعرقية أخرى، وعلى رأسها: "العربية"!

منذ عقد مضى، تخلّت إيران علانية عن بُعدها الإسلامي، خدمة لبُعدها المذهبي، وبدأت في العراق، البلد الإسلامي الذي تسلمته مذبوحاً على الطريقة الأمريكية، فحوّلته لسلخانة ضخمة، وجعلت من أهله المخالفين لمذهبها "قرابين" تنحرهم على دكة الولي الفقيه، الذي لا يرتوي فكره من شرب تلك الدماء، ثم اضطر الإيرانيون سعداء لنحر نظرائهم المخالفين لها في سوريا، وما زال الجزّار الإيراني، ومن يدور بفلكه من "داعش" وغيرها، يلغون بدماء مخالفيهم من المسلمين، فالقضية قضية "وهم" بانتماء زائف، شوشت به إيران على أجيال تقف الآن في طوابير الموت انتظاراً للذبح على الطريقة الإيرانية، وليس الطريقة الإسلامية!

حضر الاتفاق الإيراني الأمريكي النووي، ليفجر آخر خرافات إيران، كجمهورية إسلامية، ويعلنها جمهورية فارسية براغماتية حديثة، تشاطر سكرها بكأس الدماء الإسلامي أمريكا والغرب، فليس ثمة "ثورية" تبقت يمكن تسويقها على جمهور من المغيبين فكرياً وواقعياً في بلد ناءٍ كإندونيسيا أو النيجر أو جزر القمر، فقد انتهت ثوريتها بعد انتصار الثورة الإيرانية على "المسلمين"، كما حصل في سوريا والعراق واليمن!

من بعد الاتفاق النووي، وتصالح الأحباب؛ الإيرانيين والغربيين، استفاق جمهور إسلامي عريض ظلّ لعقود "مخدّراً" بشعاري "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" المحمولين على رأس الصاروخ الإيراني المخترق للمجتمعات الغافلة بسذاجة، والتي ظلت تساند إيران، هي وظلّها المعوج في لبنان، لعقود. كان صعباً وشبه مستحيل إقناع جمهور إسلامي عريض يعيش بالظل بضلالات إيران وجذورها، لكن هذا الجمهور لم يعد مهماً لإيران، بعد أن قررت رمي كل رصيدها من الوهم "الإسلامي" في بحر مصالحها، والاتجاه بكل طاقتها نحو الحلفاء الأقوياء، أمريكا وروسيا والغرب.

ليس هناك أي تأويل أو منطق مهما بلغ اعوجاجه، يمكن أن يجعل من "ربيع إيران" الحالي مع الغرب: نصراً إسلامياً، فربيعها إنما خرج من رحم الربيع العربي الميت أو يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة! والذي ساهمت إيران بوأده في حفرة سوريا واليمن، ومن قبلهما العراق، كما أن زهور ربيعها مغروسة بتربة أمريكية خالصة، من ذات أمريكا التي وهبت نفسها لمحاربة العالم الإسلامي "الإرهابي!"، فضلاً عن أن ميزان مفاوضاتها الثقيل مع الغرب مملوءٌ بجثث وقتلى عبثها بجوارها العربي الإسلامي، فقوتها الحقيقية إنما نلمسها بتدخلها الفتاك بالعراق وسوريا واليمن وبعض الدول الخليج العربي، وكلها دول إسلامية!

لقد خرجت إيران عاريةً من عباءتها الإسلامية المهترئة التي لم تغط جيداً عورتها الطائفية، وستترك فراغاً، لن تملأه بـ "الخوف" الذي تنشره بحربها ضد العالم الإسلامي الكبير وإرهابها الموجه ضد كل من يخالف طائفيتها وينتمي لأمة الإسلام، كما أنها لن تملأه بالطمع بفتات المال الذي كانت تموّه به عَـوَرها الفكري وبشاعتها الطائفية، وتبتز به الثوريين الحقيقين في فلسطين وغيرها لشراء تأييدهم المطلق لمجزرة الولي الفقيه.

إيران هذه المرة هي التي رسمت المعايير والخطوط لمستوى الاستدراك المطلوب مقابل جرائمها، وشرخها لمجتمعاتنا العربية المسلمة التي ظلّت متعايشة بسلام لقرون مضت. وستظل إيران، شئنا أم أبينا، أنموذجاً ينبغي اقتباس أجزاء معتبرة منه لملء الفراغ الذي تركه انقشاع دخانها عن مساحات شتى بالعالم الإسلامي، ولكن هذا الاستدراك يجب أن يكون ببُعد إسلامي وإنساني حقيقي يتجاوز انحرافات إيران الطائفية. النموذج الإيراني كان مشروع دولة وليس مجرد مشروع حكم، ذي عقيدة أمنية وثوابت سياسية وإجماع نخبوي وسخاء مالي، وهي الكلمات ذاتها التي تشكل فراغات وحقول ألغام بجوارها العربي الإسلامي. ويظل باب الاستدراك مفتوحاً من بعد انكشاف الانحياز الإيراني الكامل للغرب، فمواجهة إيران تبدأ باستدراك صدوع الداخل العربي المحطم بطائفية إيران، وتنتهي عند بوابات طهران!

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة