إيران إذ تمشي بجنازات الحجاج!

على إيران أن تظل منشغلة بالقتل والتدمير وتترك السعودية تحفظ الحج والعمرة من شر الطائفية والتقسيم.

الأحد، 27-09-2015 الساعة 15:08


فاجعة المسلمين في مِنى والحرم المكي الشريف لعام 1436هـ ستدخل التاريخ الإسلامي كواحدة من الحوادث المؤسفة والكبرى للعالم الإسلامي المثخن بالجراح، وكواحدة من الحوادث النادرة التي كشفت أصالة التخلف في الفكر لدى أقليات في العالم الإسلامي، وعلى رأسهم إيران. ليس ثمة شك، بأن تلك الأقليات تنتهز سياسياً حدثاً إسلامياً دينياً، وإنسانياً خالصاً، لا يقل في أهميته عن أولئك الذين يسقطون بالسكاكين والبراميل والرصاص في سوريا والعراق واليمن على يد الأقلية المتباكية على الحجاج، وعلى يد الأقلية التي استغلت وما زالت مأساة آل البيت قبل أكثر من 1400 عام، وستستغل مأساة الحجاج القتلى هذا العام لتسييس القضية، وتجريم الأغلبية!

ليس لدى الإيرانيين، ولا عند جميع المنتقدين لأداء المملكة التنظيمي في الحج، وحتى وقت كتابة هذا المقال، أي تفسير موضوعي يمكن البناء عليه للخلوص بأن ثمة تقصير أو إهمال اقترفته المؤسسات السعودية المعنية بالحج وأدى لمأساة مِنى، وهذا لا يشمل بالطبع حادثة الرافعة التي تحملت السعودية مسؤوليتها. فالانتقاد الإيراني أتى مباشراً، وسياسياً بحتاً، مستبقاً لكل التحقيقات، وغير مبنيٍ على حقائق ولا أدلة.

لكن إيران وغيرها يستغلون أصولاً ترسم المشهد الكلي للحج. ففي العقيدة السياسية لدى المملكة العربية السعودية، يُعتبر الحج أمراً سيادياً خالصاً، وتتولى المؤسسات السعودية حصرياً تنظيم الحج والعمرة وشؤون الحرمين على مدار العام. لكن إيران وحلفاؤها، واستغلالاً لحوادث الحج المؤسفة هذا العام، بدأت تضع طرحاً تآمرياً يدور في مضمونه العميق حول (تدويل قضية الحج)، وسلب السعودية سيادتها الوطنية النابعة من تشرفها بوقوع مكة والمدينة ضمن أراضيها.

تقتضي فكرة التدويل لقضية الحج، والتي تنوه لها إيران، ويداعبها الخيال السياسي المريض، بأن يكون لدى إيران يدٌ في إدارة شؤون الحرمين، ويدٌ أخرى في إدارة الحج والعمرة، ويدٌ أخرى ترسم خلفية الحج العقائدية، وكل هذا تريد إيران تمريره عبر بوابة الحوادث الأخيرة لهذا العام.

ولهذا الغرض: انفردت إيران، من بين 52 دولة إسلامية مسجلة رسمياً بمنظمة التعاون الإسلامي، بتحويل الحوادث الأخيرة إلى قضية سياسية تطلّبت استدعاء سفير السعودية، وجيشت مسؤوليها لإطلاق سلسلة تصريحات سياسية حول هذه القضية الدينية، كما أن إيران، ولوحدها في العالم الإسلامي، تدخلت بالتفاصيل واتهمت المملكة رسمياً بالتقصير، واعتمدت التجييش السياسي وترسيخ الخلاف منطلقاً لمعالجة الحوادث المؤسفة، وهي نفس إيران، التي تتدخل رسمياً في شؤون اليمن، وشؤون سوريا، وشؤون العراق، وتطلق يدها ويد عملائها للإفساد وإهلاك الحرث والنسل والبشر بتلك الدول، فهل إيران فعلاً حريصة على الحجاج؟ وهل بقية دول العالم الإسلامي، والتي ما زالت تـقـرّ السيادة السعودية ودورها البارز بتطوير الحج عبر سنوات، هي كلها مجانبة للصواب، وغير مبالية بعظم المُصاب، إلا إيران وما يساندها من أحزاب؟!

مع الأسف، بلغ الغرور الإيراني مداه الأقصى هذا العام، بطرحها لفكرة تدويل الحج، عبر مطالباتها بالتدخل بشؤونه، وهذا يرفع مستوى الصراع الإسلامي مع إيران إلى مستوى جديد، نأمل ألّا يجر الحج وشؤون الحرمين إلى خانة التسييس، والتي نجحت المملكة عبر عقود بحفظها من هكذا انحرافات.

لكن من جانب آخر: إذا استحضرنا أن المسلمين -عموماً- هم ضمن الفئات الأكثر تخلفاً في العالم المعاصر، والأقل تحضراً، والأكثر فوضى، فإن من الظلم إلقاء فواتير هذا الانحدار الإسلامي، بأكمله، والمنعكس في سلوكيات وأحوال الحجيج كل عام، على المملكة العربية السعودية وحدها.

نحن، لا نشك لحظة، بأن المملكة بذلت، وتبذل، وستبذل، أقصى ما تستطيع لخدمة الحجاج، حتى مع أولئك المخالفين لعقيدتها، ونظامها السياسي ومنهجها الاجتماعي، دون تمييز أو تحيز أو تقصير. وقد كان وما زال الحج مناسبة لعرض التنوع العجيب في طرائق المسلمين وألوانهم ومذاهبهم وانتماءاتهم، ويكفيها فضلاً، أن السعودية نجحت، وعبر سنين متتاليات، بمنع تسييس الحج، ورصت صف الحجاج بوحدة نادرة بين المسلمين، الذين أنهكهم بأسهم الشديد فيما بينهم!

ص

لكن يظل الحج شأناً إسلامياً عاماً للأمة الإسلامية جمعاء، وليس شأناً وطنياً داخلياً سعودياً خالصاً. واستمرار السعودية في تحملها لمسؤولية الحج بأكمله، له تبعات مؤسفة عليها في بعض السياقات (كما في حدث بفواجع هذا العام)، ونحن لا نرتضي أن تقف المملكة وتتحمل المسؤولية وحدها في ميادين المشاعر المقدسة أمام المليار مسلم المنهكين -معظمهم- فكرياً وحضارياً.

إذ مهما فعلت وتفعل المملكة من أنظمة وأساليب للتنظيم، فإنها ستقف عاجزة أمام نسبة معتبرة من القادمين من كل فج عميق، والتي تواترت أخبار تفلّتهم وانعدام انضباطهم إلى حد اليقين، وكل من أكرمه الله بالحج، واختلط بحشود المسلمين، ستقع عيناه على ما لا يسر من سلوكيات يندى لها الجبين. وإذا كان كثير من المسلمين، في أنحاء شتى في العالم، يواجهون إشكالية في تنظيم الأحذية عند مداخل المساجد، وفي مراعاة آداب النظافة وذوقيات أساسية لازمة لأداء الشعائر الإسلامية، فكيف بهؤلاء وقد احتشدوا في المشاعر المقدسة وتحركوا بكل مكوناتهم لأداء عبادة شاقة بدنياً ومالياً كالحج، بضعفهم البشري والحضاري؟!

لا يمكن أن يبقى تنظيم الحج مجرد شأنٍ يتعلق بالسفر والإقامة والتنقل والتفويج بين المشاعر، إذ إن الحج مناسبة إنسانية بالمقام الأول، تتطلب انضباطاً ذاتياً وجماعياً، يندر وجوده لدى فئات واسعة من المسلمين، وليس مقبولاً أن تظل فوضى تلك الفئات تعم الحج وتختبر قدرات المملكة التنظيمية إلى أقصى طاقتها، ليأتي متعجل أو جاهل أو متربص (مثل إيران!) يذم السعودية، وينتقص من تنظيمها للشعيرة الخامسة في الإسلام!

ليست القضية متعلقة فقط، أو تكتسب أهميتها وشرعيتها، بمأساة مِنى الأخيرة، فالشرخ الحضاري الإسلامي في زماننا يلقي بظلاله الثقيلة على سلوك كثيرٍ من فئات الحجاج الذين ينقصهم تدريب، وضبط، وتهذيب، وتعليم لمبادئ وأصول تحدد السلوك اللازم لأداء فريضة مقدسة، وهذه مسؤولية يستحيل، ومن الظلم أيضاً، تحميلها على عاتق السعودية لوحدها.

وقد تراكمت خبرة السعودية في تنظيم الحج، وحصلت المملكة على المرتبة الأولى عالمياً في تنظيم الحشود، لكن تهذيب (سلوك بعض الحجاج) الجانح نحو الفوضوية والارتجال والأداء غير المنضبط، والمستهتر بأي تنظيم وإدارة تقترفه المملكة، هو مسؤولية خارجة عن مسؤولية السعودية، وهو بالتأكيد مسؤولية الدولة والمجتمع الذي قدِم منه الحاج.

ونحن نعتقد بأن الوقت قد حان، لفرض نمطٍ من التدريب الفقهي والسلوكي، اللائق بكل دولة وسياقها الاجتماعي، يُفرض أداؤه على حجاجها قبل قدومهم للسعودية والمشاعر المقدسة. ولماليزيا تجربة عميقة ورائدة في هذا المجال، يجب تعميمها على الدول الإسلامية وخصوصاً الأكثر تسبباً بإشكالات سلوكية، والمعروفة بالتواتر والخبرة المتراكمة لدى السعوديين.

ولتعضيد ما نشير إليه هنا: فإنه يلزم توسيع أنشطة الجهود البحثية التي تضطلع بها (مراكز أبحاث الحج)، والتي تعمل حالياً، وبشكل حصري، في السعودية. إذ أن إشراك جهات إسلامية علمية وشخصيات متعددة من العالم الإسلامي في أبحاث الحج وأبعاده الاجتماعية والتنظيمية والتقنية اللازمة لأدائه سيعفي السعودية من جانب من ملامة تحملها وحدها عند كل مأساة وحادث في مكة والمدينة المنورة.

وهذا النمط من التطوير والتحضير والتدريب: لازمٌ للفئات التي نشير إليها من الحجاج، ومسؤولية يجب أن تتحملها دولهم؛ أي أن يخضع سلوك حجاجها لمسؤوليتها المباشرة، ولا تتحمل تبعاتها حصرياً: السعودية. وهذا قد يسهل سنّ سياسات تؤدي إلى تخفيض أعداد الحجاج -مثلاً- من الدول الأقل انضباطاً، أو الأكثر تسبباً في مشاكل في الحج، فلا يأتي مرجف يصطاد بالماء العكر، ويستغل مآسي تلك الحشود الضخمة المجتمعة في مكة المكرمة، ليقول شذراً وبهتاناً على السعودية.

على إيران أن تظل منشغلة بالقتل والتدمير في العالم الإسلامي، وتترك السعودية تحفظ الحج والعمرة والحرمين من شر الطائفية والتقسيم والتحزب والتجزيء. نحن لا نرضى بأن ينتزع أحد سيادة المملكة على شؤون الحرمين، فالحق المكتسب واقعياً يشرّف السعودية بالسيادة والرفادة، تماماً كما كانت تفعل قريش دون سائر العرب، لكننا أيضاً لا نقبل بأن تتحمل السعودية وزر الأخطاء وسوء التحضير والإعداد الاجتماعي والحضاري الذي يحمله حجاج بعض دول العالم الإسلامي معهم إلى المشاعر المقدسة، إذ ثمة هامش لمشاركة الدول في تحمل مسؤولية حجاجها وسلوكهم، وثمة مساهمات ممكنة في الصعيد البحثي العلمي، بالإمكان إتاحتها لدول متعددة في سياق الحج، الذي يبقى شعيرة إسلامية عامة وحدثاً إنسانياً متميزاً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة