إيران تستهدف شيعة السعودية كي تبكي في جنائزهم (الحلقة الأخيرة)

شكّلت إيران عدة تنظيمات شيعية مسلّحة في العديد من الدول العربية، وهذا يأتي في إطار تصدير الخمينية التي تسميها طهران بـ"الثورة الإسلامية".

الثلاثاء، 09-06-2015 الساعة 12:48


شكّلت إيران عدة تنظيمات شيعية مسلّحة في العديد من الدول العربية، وهذا يأتي في إطار تصدير الخمينية التي تسميها طهران بـ"الثورة الإسلامية" التي دأبت على توزيع الخراب عبر الحروب النجسة.

- شيعة السعودية بين جهود الدولة وكيد إيران

لقد اتخذت الحركة الشيعية في السعودية اسم "منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية"، وتوزّع أعضاؤها في عدة دول، وأنشؤوا في لندن مجلة "الثورة الإسلامية" والتي تم تغييرها بعد ذلك لتصبح "الجزيرة العربية".

وفي إطار استغلال الملفات الحقوقية أنشؤوا ما يعرف بـ"اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في الخليج والجزيرة العربية"، ومن خلالها تمكّنوا من الوصول إلى منظمات دولية، ونجحوا في التعاون مع منظمات حقوق الإنسان التابعة للخارجية الأمريكية ونالوا الكثير من دعمها.

في زمن الخميني سيطرت توجّهات جديدة على المسؤولين الإيرانيين، حيث راحوا يعملون على تصدير ثورتهم عبر المد الشيعي والنشاطات الاقتصادية المختلفة خصوصاً في دول الخليج العربي، وهذا ما ساعد الكثير من المتصدرين للمشهد الشيعي العربي على إيجاد موطئ قدم لهم في بلدانهم العربية، وفي إطار محاولات تمكين المشروع الفارسي من استعادة أمجاد إمبراطوريته البائدة.

" منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية" غيّرت مسمّاها تماهياً مع تلك المرحلة، حيث صارت "الحركة الإصلاحية في الجزيرة العربية"، وذلك في إطار مُصالحة شكلية تمّت مع الحكومة السعودية عام 1993، حيث تعهد حينها زعماء شيعة المنطقة الشرقية السعودية بالانفصال تنظيمياً عن دولة إيران الفارسية، وأدت تلك المصالحة إلى الإفراج عن المعتقلين الشيعة وسمحت السلطات للمنفيين بالعودة إلى البلاد.

بالنسبة للكثيرين من عوام شيعة السعودية الذين لم ينتسبوا لهذه الحركة التي ذكرنا، فقد كانوا بدورهم يتلقّون تعليماتهم من الحرس الثوري الإيراني، وتدرّبوا على السلاح في لبنان، ومنها كانوا يسافرون إلى إيران بجوازات سفر غير سعودية، للتدريب على أشياء أخرى، ثم يعودون إلى السعودية وكأنهم لم يغادروا لبنان.

وكانوا بالتنسيق مع مسؤولين سوريين ولبنانيين، يقومون بتهريب الأسلحة إلى داخل المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين، وقد ضُبط بعضها، وتبين أن باسل نجل الرئيس السوري حافظ الأسد كان أحد عناصر هذه العصابة، كما روى عبد الله محمد الغريب في كتابه "أأيقاظ قومي أم نيام".

في الوقت الذي ظل سنّة إيران يتعرّضون لشتى صنوف الاضطهاد منذ وصول الخميني للحكم، إلا أن السعودية بذلت الكثير من أجل احتواء شيعتها وفكّ ارتباطهم مع "الولي الفقيه" في طهران، حيث تبنّت الحكومة برنامجاً شاملاً لتحسين المستوى المعيشي في المنطقة الشرقية التي يتركز بها الشيعة. كما قامت الحكومة بمنحهم عدة وظائف في المؤسسات الرسمية والوزارات والمراكز المختلفة في الإدارة المحلية.

أبعد من ذلك، سمحت الحكومة لشيعة القطيف بإجراء مراسم العزاء في عاشوراء عام 2005، أما في فبراير/شباط 2005، حصل الشيعة على جميع المقاعد الستة المتنافس عليها في القطيف، وعلى خمسة من ستة مقاعد في الأحساء.

أيضا تمّ تعيين سبعة قضاة شيعة يفصلون في قضايا الأحوال الشخصية والمواريث والوقف في ثلاثة محاكم خاصة بالشيعة، وأُنشئت لهم محكمة الأوقاف والوصايا التابعة لوزارة العدل. وأيضاً تعيين أربعة من المواطنين الشيعة في مجلس الشورى بالمملكة العربية السعودية.

رغم كل ذلك، ظل الشيعة السعوديون يحاولون التسويق للعالم على أنهم من المضطهدين ضمن محاولات لاستغلال القوانين الدولية لحماية الأقليات، وواصلت إيران طبعاً محاولاتها لاستغلالهم بكل الوسائل، حيث تحاول أن تصوّرهم على أنهم أقلية مضطهدة، وتسعى من خلال المتطرفين منهم إدخال كل الشيعة في مواجهة مع دولتهم.

أدت هذه المخططات إلى نشوب عدة اضطرابات في المنطقة الشرقية التي ضمها الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1913، وظل الشيعة الذين يتمركزون فيها لا يتناغمون مع السياق الوطني العام.

ريتشارد هرير دكمجيان في كتابه "الأصولية في العالم العربي"، تحدث أن المدعو محمد الحبشي الشيعي أنشأ عام 1925 جمعية شعبية للمطالبة بما يسمونها حقوقهم، وأن الشيعة بعد ظهور النفط في المنطقة الشرقية وعملهم في صناعته، فجّر عُمّالهم التظاهرات ضد الحكومة إبان الحرب العالمية الثانية.

أما عام 1948 وصلت القلاقل الشيعية إلى حد إقامة تظاهرات عنيفة واسعة النطاق في القطيف، وأحدثوا فيها الفوضى، بقيادة محمد بن حسين الهراج، وطالبوا بالانفصال عن المملكة العربية السعودية.

في عام 1949 تم اكتشاف جماعة "ثورية" في القطيف امتدّت إلى جبيل تحت اسم جمعية تعليمية، وقررت حينها الحكومة السعودية حلّها فورياً.

كما قام شيعة القطيف بمظاهرات عمالية ضخمة أعوام 1944، 1949، 1953، وأما عام 1970 فقد أحدثوا اضطرابات واسعة النطاق في المنطقة نفسها واضطرت الحكومة السعودية لإرسال الحرس الوطني للسيطرة عليها.

ودائماً في القطيف، فقد أقام الشيعة عام 1979 مظاهرات عارمة، تزامناً مع الحداد الشيعي في يوم عاشوراء، وذلك في أعقاب اندلاع الثورة الخمينية، ورفعوا شعاراتهم الطائفية مثل: "مبدؤنا حسيني، وقائدنا خميني" وأخرى تحريضية ضد سلطات بلادهم.

بلغ الأمر درجة التعاون مع الحرس الثوري الإيراني حيث أنه في موسم حج 1407هجرية، شارك شيعة السعودية وبالتنسيق مع الحجاج الإيرانيين، بأحداث شغب في الحرم المكي، لإظهار السلطات السعودية على أنها لا تستطيع حفظ الأمن في موسم الحج المقدس، وأكثر من ذلك محاولة تصويرها على أنها تعتدي على الحجاج.

وبعد عامين من تلك الحادثة قام الشيعة السعوديون بالتعاون مع تنظيم "حزب الله" الكويتي، باستعمال الغازات السامة في نفق المعيصم بعد عودة حجاج بيت الله الحرام من منى إلى مكة المكرمة، ممّا أسفر عن مقتل وإصابة المئات من ضيوف الرحمن.

- فتشوا عن إيران خارج حدودها

تاريخ إيران خاصة منذ وصول الخميني إلى سدة الحكم، لونه أسود تخللته الكثير من المخططات والأعمال الإرهابية في عدة دول عربية وحتى غربية.

منتهى حلم الخمينية هو الهيمنة على بلاد الحرمين، لذلك ظلت تعمل كل ما في وسعها من أجل ضرب الاستقرار والأمن السعودي، وفي المقابل لم نشهد أن السعودية دعّمت أي عمل إرهابي ضد الداخل الإيراني.

لقد ذكرنا في الحلقات السابقة غيضاً من فيض ما قامت به إيران من أجل ضرب أمن المملكة العربية السعودية، وقد أنشأت خصيصاً لذلك تنظيمات إرهابية ودعمت معارضات وجندت عملاء في الداخل السعودي وخارجه.

لكن الملاحظ والمؤكد أن إيران لم تفلح في تحقيق غايتها عن طريق تنظيمات شيعية مثل "حزب الله" المدرج سعودياً في قائمة الإرهاب، ولا بحراك شيعي في المنطقة الشرقية من السعودية، لذلك طوّرت من حراكها حيث صارت تستعمل ملفات حقوق الإنسان للضغط على السلطات السعودية، سواء تعلق الأمر بالشيعة الذين تريد أن تظهرهم كأقلية دينية مضطهدة ومستهدفة، أو من خلال بعض الملفات الأخرى التي ترتبط بالنشاط الليبرالي داخل المملكة والمناهض لتوجهات الدولة السعودية القائمة منذ مؤسسها الملك عبد العزيز رحمه الله.

رغم ما قدمته السلطات السعودية إلى الشيعة السعوديين من امتيازات لتحريرهم من الهيمنة الصفوية، إلا أن إيران دائماً تتدخل عبر جهاز مخابراتها المتغلغل في المنطقة الشرقية من أجل دفع الشيعة للمواجهة مع السلطات السعودية، والكثير من المعلومات تتحدث عن دور إيراني يحرض الشيعة لاستهداف مصالح الأمن وكل ذلك حتى يسقط ضحايا يجري استثمارهم لاحقاً في ما يسمى بـ"اضطهاد الشيعة في السعودية".

إن أهم ما يثير الرأي العام على مستوى العالم هو سقوط ضحايا من المدنيين سواء عبر مصالح الأمن أو استهدافهم بعمليات إرهابية من تنظيمات يطاردها المجتمع الدولي بتهمة الإرهاب، وهذا ما تراهن عليه إيران حالياً في تنفيذ مخططاتها ضد المملكة العربية السعودية، خاصة أن هذه الأخيرة صارت تواجه المشروع الإيراني ليس سياسياً فقط بل على المستوى العسكري في اليمن حيث تقود حملة عسكرية ضد الحوثيين، أو من خلال دعمها للثورة السورية ضد نظام الأسد الذي هو إيراني الهوى والقرار والممارسة بلا أدنى شك.

قد نتساءل عن طبيعة علاقة إيران بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ "داعش" الذي تبنّى العمليات الإرهابية الأخيرة في القديح والدمام؟

لقد ذكرنا من قبل أن وجود "داعش" في المشهد السوري وتعاظم قوته جاء بعد تسهيلات استخباراتية جرى التخطيط لها في لبنان بين مخابرات "حزب الله" ومخابرات إيران والعراق وسورية، وهذا مؤشر أساسي يفضح طبيعة الجهات التي يخدمها هذا التنظيم المشبوه، حتى وإن فرضنا جدلاً أنه يعادي مصالح إيران لدرجة ما، لكن وجوده بهذه القوة سيوحّد المجتمع الدولي مع أطروحة إيران التي تصوّر الثورة السورية على أنها مجرد إرهاب والمعارضة المسلحة هي جماعات تكفيرية وإرهابية، وهذا ما يحمي نظام الأسد من السقوط الحر.

أمر آخر أن التنظيمات التكفيرية خطرها على السعودية أكبر بكثير من خطرها على إيران؛ لأنها تؤمن لدرجة اليقين أن ما يسمونه تحرير السعودية من حكم آل سعود أولى من تحرير إيران من الملالي، وأي تعاظم في قوة هذه التنظيمات سيؤدي حتماً إلى استهداف المملكة واشغالها أيضاً بحروب معها بدل أن تشغل نفسها بالتمدد الإيراني في المنطقة.

لقد التقيت بالكثيرين من الأعضاء السابقين في تنظيم "القاعدة" وممّن يحملون فكر "داعش"، ووجدتهم يجمعون من دون أدنى اختلاف على أن ما يسمونه "تحرير" الحرمين أولى من القضاء على نظام الملالي في إيران، وفي نظرهم أن هذا الأخير يتحقق آلياً بمجرد سقوط نظام آل سعود !!

طبعاً هذا المنطق إن صحّت تسميته بذلك، يخدم إيران بامتياز فملاليها يدركون أن وصولهم وبقاءهم في الحكم جاء بدعم غربي وبنفوذ اللوبي الصهيوني، ولا يمكن للغرب أن يتخلى عنهم مهما كان الأمر، لذلك يشجّعون مقاربة استهداف السعودية التي يجنون منها الكثير من الثمار، وخاصة أن المملكة ظلت غصة في حلق الصفويين فكرياً وسياسياً ودبلوماسياً.

لقد قامت إيران بدعم غير مباشر لتنظيم "داعش"، حيث سهّلت حكومة المالكي سقوط الموصل والحصول على أسلحة هائلة وأموال طائلة، وهو الأمر نفسه الذي حدث في سورية حيث أن نظام الأسد ساعد تمدد "داعش" كي تتراجع قوات المعارضة السورية الأخرى. من جهة أخرى أن هذا سيشكّل نزيفاً حاداً للشباب العربي عموماً والسعودي بصفة خاصة، وتوجد وثائق استخباراتية مسرّبة تتحدث عن مخططات لمخابرات إيران ومشتقاتها تعمل على التحريض لتوريط شباب السعودية مع تنظيمات متشددة، وبذلك يحولونهم إلى قنبلة موقوتة ضد بلادهم.

كما أن تنظيم البغدادي سيدفع السعودية لمحاربته وتعقّب شبكاته، وهذا يقلّل من جهود الدولة في مواجهة شبكات إيران التي تنشط كثيراً في مثل هذه الظروف. وفي الوقت نفسه صعّدت إيران من حربها الطائفية على السوريين والعراقيين واليمنيين والأحوازيين واللبنانيين، وهذا كله لاستفزاز المتعاطفين دينياً مع أهل السنّة.

ظهور فيديوهات مسرّبة للحرس الثوري أو ميليشيات شيعية أخرى وهي تقتل أشخاصاً من أهل السنّة في سورية والعراق واليمن وترفع شعارات طائفية هي نفسها التي يرفعها الشيعة في كل مكان، سيشكل نوعاً من التحريض غير المباشر للانتقام من الشيعة ولو كانوا مدنيين في دول عربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وبذلك تحقق إيران غايتها في استهداف الشيعة ثم استغلال الحوادث للدفاع عنهم.

التصعيد الطائفي في سورية والعراق واليمن ليس بريئاً أبداً، بل هو تخطيط إيراني من أجل تعميم العنف والعنف المضاد، وبذلك تتحقّق غايتها في تخريب الأوطان العربية، وأيضاً في زعزعة استقرار بعض الدول التي يتواجد بها الشيعة وخاصة السعودية.

ما حدث من أعمال إرهابية تستهدف الشيعة في السعودية ليست جديدة ولا هي الأخيرة بل ستتجدد وتتصاعد وتتمدد، ومهما تبنتها التنظيمات المحسوبة على السنّة في الخارج أو تظهر تنظيمات جديدة لم نسمع عنها من قبل في الداخل، فإن المستفيد الأول والأخير منها هي إيران التي تريد أن يظل الشيعة خارج ديارها يواجهون الموت كي يبقون دائماً مرتبطين بها وجدانياً وتنظيمياً.

كلما يحاول الشيعة في مكان ما فكّ الارتباط مع ما يسمى "الولي الفقيه" في طهران، تجري عمليات إرهابية مشبوهة واغتيالات غامضة، وتتبناها جهات أخرى تحوم حولها الشبهات من كل جانب، فملالي طهران صار يقينهم أن وجودهم يرتبط بمدى ولاء شيعة العالم لزعيم ثورة الخميني، وإن تخلى عنهم الشيعة العرب خصوصاً فهذا يعني نهاية مشروعهم الفارسي العنصري.

استهداف الشيعة في السعودية أو غيرها مصلحة إيرانية بامتياز، ولذلك يجب التفتيش عن مخالب إيران في كل عملية إرهابية حتى وإن تبنّتها تنظيمات أخرى تحسب على السنّة، فملالي طهران صار لديهم يقين أن الميليشيات الشيعية هي رأس الحربة لاستعادة إمبراطورية الفرس الزائلة، ولا يمكن لهذه الميليشيات أن تستمر دون وجود تنظيمات سنّية متطرفة لها أهداف تدميرية في بلاد الحرمين خاصة، وتفسد على المناهضين للتمدد الإيراني أعمالهم وتؤلّب عليهم المجتمع الدولي.

طبعاً ما زال الكثير من الحديث في هذه الأمور التي سنضرب لها موعداً آخر في القريب بإذن الله تعالى.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة