إيران لا تصدّر الثورة!

من غرائب الإعلام العربي القول إن إيران الجمهورية الإسلامية تعمل على تصدير الثورة. يقول بهذا خصوم إيران وحلفاؤها معاً.

الأحد، 06-03-2016 الساعة 08:57


من غرائب الإعلام العربي القول أن إيران الجمهورية الإسلامية تعمل على تصدير الثورة. يقول بهذا خصوم إيران وحلفاؤها معاً. وهذا قول أقل ما يقال عنه إنه محيّر. فهي تهمة، كما يبدو، عند خصوم إيران. وهي وكما يبدو أيضاً، وإن على استحياء، مديح عند حلفائها وأتباعها، خصوصاً ما بات يعرف في العالم العربي بـ «إعلام الممانعة». بالنسبة لخصوم إيران، يمثل الاعتقاد بتصدير الثورة تسمراً عند العام 1979 حين كانت الثورة في ذروتها. أما بالنسبة لحلفاء إيران فيمثل شعار تصدير الثورة غطاء آخر - بجانب غطاء الممانعة - لما انحدرت إليه الثورة على يد رجال الدين الذين أفرغوا الثورة من مضمونها ونكصوا بها إلى الوراء أكثر من ألف ومئة عام.

الغريب في الأمر أن المنبع الأول لدعوى تصدير الثورة كان تصريحاً للإمام آية الله الخميني بعيد انتصار الثورة عام 1979. ربما أن هذه كانت قناعة الرجل لما كان يخطط له ويعمل على تحقيقه تطبيقاً لما جاء في كتابه عن الحكومة الإسلامية. وبهذا المعنى، لم يكن الإمام يفرق بين الثورة كعملية تمرد على الحاضر وتطلع إلى المستقبل، من ناحية، وبين أن فكرته عن الحكومة الإسلامية هي هروب من الواقع وعودة إلى ماضي الأئمة في التاريخ الإسلامي. لكن ربما أن الإمام كان يعرف الفرق بين الثورة بمعناها ودلالتها الحديثة، وعملية إحياء المذهب الذي كان يعمل عليه منذ أن كان في إيران، مروراً بلجوئه إلى العراق في عهد الرئيس صدام حسين، ثم عودته مظفراً على طائرة الخطوط الفرنسية ليقود عملية ترويض الثورة وتصويبها وفق رؤيته وأهدافه. لم يكن الخميني رجل دين وحسب. كان رجل سياسة. وكان منخرطاً في الصراع السياسي ضد الشاه قبل الثورة بعقود. وكان الرجل يتميز بذكاء واضح. وبالتالي مثّل شعار «تصدير الثورة» بالنسبة له أداة سياسية أخرى مفيدة لما كان يحلم به داخل إيران وخارجها. وهو شعار مفيد حقاً مع بداية الثورة. وهذا أمر متوقع في تلك اللحظة الثورية وما كان يحيط بها من ظروف وملابسات في الداخل الإيراني وعلى مستوى الإقليم. لكن بعد أن نجح التيار الديني، أو الإسلام السياسي بصيغته الشيعية، في اختطاف الثورة والسيطرة على مقدراتها، ثم تحويل مسارها إلى ما يتناقض تماماً مع طبيعتها ومبتدئها، وأهدافها الأولى، يصبح شعار «تصدير الثورة» فارغاً من أي معنى.

ومن يقول بهذا الشعار، عليه أن يجيب على هذا السؤال: ما هي الثورة، أو القيم الثورية التي تصدرها إيران إلى جوارها العربي؟ هل تصدر قيم حرية الرأي والفكر والمعتقد والتنظيم؟ أو تصدر القيم الفكرية الحضارية، خصوصاً المتعلقة منها بأولوية الفرد وحقوقه كإنسان أولاً، ثم كمواطن ثانياً؟ هل تصدر إيران شيئاً ذا صلة بفكرة الدولة المدنية، والدستور المدني، والعمل المؤسسي انطلاقاً من هذه المفاهيم؟ لا أحسبني في حاجة للقول أن الإجابة بالنفي القاطع هي الإجابة الوحيدة المتوافرة على كل هذه الأسئلة. ما تصدره إيران إلى العالم العربي هو: الطائفية، والميليشيات التي تستند إلى هذه الطائفية، وتهتدي بها في عملها وأهدافها. إلى جانب ذلك طبعاً، تصدر إيران أدبيات الطبقة الدينية الحاكمة بعد الثورة، وهي أدبيات تضيف إلى التراث الطائفي للمنطقة، وليس إلى نقضه وتحييده.

حقيقة الأمر أن من يقول أن إيران «تصدر الثورة» يقع في خطيئة تشبيه ما حصل للثورة الإيرانية بما حصل للثورة الفرنسية، مثلاً، أو الثورة الأميركية، أو حتى الثورة الروسية، وغيرها. هذه ثورات أخذت العالم معها إلى المستقبل، وصبغت القرن الـ20 والـ21 بإنجازاتها وفلسفتها في مختلف الحقول والميادين. تشبه الثورة الإيرانية هذه الثورات في شيء واحد وهو انطلاقتها، وحجمها وتطلعاتها وطبيعتها الاجتماعية. لكن المآل الذي انتهت إليه، وهو مآل ظلامي بسحنة دينية طائفية، يؤكد أن هذه الثورة انتكست بفعل اختطاف طبقة رجال الدين لها. وهو انتكاس أفرغ الثورة من مضمونها ومن تطلعاتها، وجعل منها ثورة مهدت السبيل أمام رجال الدين ليصبحوا طبقة حاكمة جديدة، لكن بقيم قديمة وآليات عفّى عليها الزمن. وهذا يتفق تمام الاتفاق مع طبيعة الفكر السياسي الشيعي الذي يحصر السلطة السياسية في طبقة الأئمة «المعصومين». ومع غياب الأئمة، لم يكن هناك من مجال لتفادي ظهور فكرة «ولاية الفقيه» كبديل يظن البعض أنه موقت. وهي الفكرة التي حولها الخميني بعد الثورة إلى واقع سياسي في إيران، وللمرة الأولى في التاريخ الإسلامي. من هنا أخذت الطبقة الدينية إيران معها إلى بداية القرن الرابع الهجري، حين اختفى الإمام الـ12 محمد العسكري. ولذلك يختتم المؤرخ الإيراني إيرفاند إبراهيميان كتابه الكلاسيكي «إيران بين ثورتين» بالإشارة إلى المفارقة التي انتهت إليها ثورة 1905 - 1909 في إيران، وثورة 1979. في الأولى، انتصرت ولو لفترة قصيرة الطبقة المثقفة الحديثة التي كانت تحركها قيم مختلطة من الوطنية والليبرالية والاشتراكية. وعلى أساسها كتبت دستوراً علمانياً. أما الثورة الثانية فأتت معها بطبقة اختتمت انتصارها بإصدار دستور ديني يمثل هذه الطبقة، واستبدلت النظام القضائي للدولة بمحاكم للشريعة، وما ترافق مع ذلك من شجب لقيم الديموقراطية باعتبارها هرطقة تخالف العقيدة. وهذا نكوص ثوري في المسار السياسي الذي عرفته إيران في القرن الـ20.

اللافت في هذا السياق أن شعار «تصدير الثورة» من إيران موجه للعالم العربي حصرياً. ليس هناك تصدير «ثورة» إلى تركيا مثلاً، أو الهند، أو أذربيجان التي تشترك مع إيران في أن المكون الشيعي هو الغالب على تركيبتها السكانية. وبطبيعة الحال ليست هناك ثورة يمكن أن تصدرها إيران إلى أوروبا أو الولايات المتحدة أو جنوب شرقي آسيا. هدف «تصدير الثورة» هو العالم العربي. لماذا هذا العالم تحديداً من دون غيره؟

كيف التبس الوعي بين «تصدير الثورة» وتصدير «الطائفية»؟ هناك عوامل عدة تضافرت على إيجاد مثل هذا اللبس منها أن الغالبية على الأقل لم تتمكن من التخلص من وهج اللحظة الأولى لثورة 1979. كما أشرت تسببت طبيعة هذه الثورة في لحظاتها الأولى، وحجمها وشعبيتها، بل وتوقيتها، في خلق وهج ثوري خيّم على المنطقة لفترة ليست قصيرة. كان لهذا الوهج من قوة التأثير أنه أسس لقبول فكرة تصدير الثورة. لنتذكر أن الثورة الإيرانية في بداياتها كانت ضد نظام الشاه وما كان يمثله من استبداد وغطرسة، وارتهان للولايات المتحدة. استقبلتها جماهير المنطقة وتفاعلت معها على هذا الأساس. وقد تجاوز وهج الثورة في أيامها الأولى حدود إيران، ولم يكن من السهل مقاومته، أو التعرف عن قرب على تفاصيل ما كان يحدث في الداخل الإيراني، والصراع الذي كان يعتمل داخل الثورة بين مختلف التيارات المنخرطة فيها. كانت الناس مأخوذة في داخل إيران وخارجها، بحدث بدا استثنائياً في منطقة تعاني من الإحباط والانكسارات والاستبداد لعقود طويلة. في هذه الأجواء، تم الأخذ بفكرة التصدير من دون التأمل في حقيقتها، أو محاولة التعرف على مؤشراتها. جاء الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 ليكشف شيئاً من اللبس بين تصدير الثورة وتصدير الطائفية والميليشيا. ثم جاءت الثورة في سورية ونزعت غطاء اللبس عن حقيقة مشروع ورثة الثورة الإيرانية. بعد العراق وسورية بات من الواضح أن ما تصدره إيران إلى العالم العربي هو الطائفية والميليشيات، والفكر الديني المتخلف الذي يؤسس لشرعنة كل منهما، وللعلاقة العضوية بينهما. أمام هذا الواقع يصبح من الظلم لمفهوم الثورة وتاريخها، بل ومن الظلم للشعب الإيراني القول أن الجمهورية الإسلامية تصدر الثورة. كيف تصدر الثورة وهي تنتكس تاريخياً إلى الوراء، وتتحالف مع طاغية ضد شعبه، وتؤجج أبشع أنواع الحروب، أو الحروب الدينية بين أبناء الشعب الواحد في دول المنطقة؟ إيران لا تصدر الثورة، بل لم تعد لديها ثورة قابلة للتصدير.

صحيفة الحياة

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة