إيران والقضية الفلسطينية.. دعم مغموس بالدم

لا يخفى على أحد محاولات الجمهورية الإيرانية منذ ثورة الخميني 1979م، من أجل إظهار نفسها كقوة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط.

الأربعاء، 17-02-2016 الساعة 12:04


لا يخفى على أحد محاولات الجمهورية الإيرانية منذ ثورة الخميني 1979م، من أجل إظهار نفسها كقوة إقليمية مهيمنة في الشرق الأوسط، ويبدو أن "الاتفاق النووي الإيراني" قد منحها النشوة الكبرى للوصول إلى ما تطمح إليه، ولا ينازعها هذا "الطموح" إلا "الاحتلال الإسرائيلي".

ولأجل هذا "الطموح" لا يتوقف الإعلام الإيراني عن مزاعم تمويل فصائل المقاومة الفلسطينية في مواجهة "الاحتلال الإسرائيلي" لبلادهم. وكاستراتيجية مؤقتة تنظر طهران إلى تلك الفصائل كونها "حاجز صد" لإلهاء "إسرائيل" عن منع تحركاتها تجاه "طهران" بهدف إيقاف تسلحها العابر للقارات، وسابقاً من أجل الوصول إلى "السلاح النووي".

تعود علاقة النظام الإيراني مع القضية الفلسطينية إلى منتصف السبعينات، كما يشير "هاشمي رفسنجاني" في مذكراته "حياتي"، الذي التقى "ياسر عرفات" بمساعدة من "موسى الصدر" في بيروت للاستفادة من التجربة الفلسطينية في المقاومة والحشد، وفتح الفلسطينيون دورات تدريبية للإيرانيين حينها، وما إن تمكن "الخميني" من إسقاط نظام الشاه حتى كانت طائرة "عرفات" أولى الطائرات التي تحط في طهران. متفاخراً بتدريب عشرات الآلاف من "الحرس الثوري"، تسلم عرفات من إيران مقر سفارة "إسرائيل" التي كان نظام الشاه يعترف بها وقتها، واستبدل "الخميني" ذلك الاعتراف باعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني. لكن سرعان ما تبدلت المواقف مع بدء الحرب العراقية - الإيرانية، حيث وقفت المنظمة على "الحياد"، وهو ما أثار "الخميني"، فقام بإغلاق مقر المنظمة في "الأهواز" ومنع لقاء القيادات الفلسطينية هناك، وعانت العلاقة من ركود لم يزل حتى اليوم.

ومع كل علاقة "الانسجام" مع حركات المقاومة فقد غضت إيران الطرف عن مجازر أدواتها في لبنان بحق "الفلسطينيين السُنّة" في المخيمات الفلسطينية الذي بلغ ذروته في بيروت منتصف الثمانينيات. أمام تلك المجازر الوحشية، وقفت إيران فيها موقف المتفرج الصامت (إن لم يكن الداعم)، بالرغم من كون حركة أمل قد بايعت "الخميني" إماماً للمسلمين 1982م. ورغم كل التحركات الفلسطينية فإن الخميني رفض كل الوساطات حتى كانت فتوى "آية الله منتظري" (نائبه) بإدانة المجازر، سبباً في التنحية من منصبه.

وما يزال الحال في المخيمات الفلسطينية البالغة داخل الوطن (34 مخيماً) تحت ظروف إنسانية قاهرة، يواجهها الفلسطينيون، بفعل الحصار والتنكيل والقتل والهدم الذي تقوم به سلطات "الاحتلال الإسرائيلي" لمنازلهم واستهداف أبناء تلك المخيمات، وبتنا نرى المجازر التي حصلت في مخيمات الفلسطينيين اللبنانية نفسها في مخيمات الفلسطينيين السورية، وما زالت إيران بنفس الموقف، اختلف المكان ولكن التاريخ يعيد نفسه بوحشية أكبر.

أعلن الخميني في 1980م عن (جيش القدس) ثم تحول إلى "فيلق القدس"، وقال وقتها إن الوصول من القدس يبدأ بكربلاء العراقية لقد استمرت تلك القوات بالبحث عن "طريق القدس" عبر سوريا واليمن والبحرين، ووصلت إلى كل مكان، أمام وخلف وعن يمين وشمال القدس، لكنها تاهت عن القدس نفسها.

بقي هذا الفيلق إلى جانب اليوم العالمي لـ"القدس" مصدر دغدغة لعواطف الشعوب العربية التي أُحبِطت من تخاذل الحكام عن تلك القضية التي يعتبرونها أصل كل قضاياهم. وأصبحت إيران تتمدد في الوطن العربي كلما قالت إنها تدعم "المقاومة الفلسطينية" وتهاجم "إسرائيل"، وتربطه بعدم إبداء "الحكام العرب" الاهتمام بقضية "الشعوب"، فحققت صدىً واسعاً، وتأثيراً كبيراً لدى الشعوب في المنطقة. لكن الموقف تغير بعد "الربيع العربي"، ووقوف "طهران" إلى جانب استبداد "الأسد" في سوريا، حين تدخلت لقتل المتظاهرين في ذلك البلد، بالإضافة إلى انكشاف أقبية التعذيب الطائفي في العراق.

ومع كل ذلك تمتعت العلاقة بين حركات "المقاومة الفلسطينية" و"إيران" برابط خاص، وتلقت الحركات دعماً من "إيران" سياسياً، ودبلوماسياً، ومالياً، لكن لا يرقى إلى الأسلحة النوعية التي تقدم لـ"حزب الله"، ويعود ذلك التوجه بسبب إحجام الأنظمة العربية عن التعامل معها، واستثمرت تلك العلاقة من أجل الاحتفاظ بقياداتها في الخارج في دول بالعادة خاضعة للنفوذ الإيراني. وما يظهر من زيارات الشكر التي تقوم بها قيادات فلسطينية إلى طهران فهو تعبير امتنان عن مساعدتهم في مواجهة الاحتلال، بغض النظر عن أهداف نظام الحكم، فالحاجة إلى الدعم واستمرار وهج المقاومة يعطي مساحة واسعة من الدبلوماسية "المرنة". وعندما وقفت حركات المقاومة على الحياد في أحداث سوريا عام 2011م، أوعزت طهران للتكاتف مع حلفائهم، لكن معظم قيادات الحركات الفلسطينية الفعلية رفضت وغادرت من "سوريا" حتى لا تعطي شرعية للنظام السوري الذي يقتل الأبرياء في تلك البلاد، فكان انتهاء الدعم الإيراني كاملاً حينها.

يبدو من خلال مواقف القيادات الفلسطينية أنها حاولت استثمار العلاقة اليتيمة مع "إيران" من أجل جذب دعم "الخليج" و"العرب" بغية مساعدتهم وإيجاد الحاضنة الطبيعية للمقاومة من أجل خدمة "القضية" التي يناضلون من أجلها، وأن فتح هذا الباب من قبلهم سيقفل باب "إيران" بأدب واحترام جمّ. فأي قضية في العالم تحتاج لكل الأصوات التي تدعمها، وهو منطق السياسة العام، حتى وإن كان هذا الصوت يستغل حاجتهم لمصلحته من أجل تحقيق نفوذٍ داخليٍ أو خارجي.

تمثل القضية الفلسطينية، بالنسبة لـ"العرب" أولى القضايا- كما أشرنا- وعلى الحكومات العربية والخليجية بشكل خاص إعادة ذلك الرابط المتوهج بينها، وإبداء الاهتمام بالقضية المهمة من أجل معركة وقف التدخلات الأجنبية، ومقارعة محاولات إيران احتلال البلدان العربية والتأثير في سياساتها. فكما استطاعت إيران الولوج إلى العمق العربي من خلال استخدام هذه القضية، يستطيع الحكام مواجهتها و"إسرائيل" معاً، من أجل تفكيك تلك العلاقة الهشة الرابطة بين حركات المقاومة وإيران، وبالتأكيد فإن الوقت ملائم للغاية من أجل الوصول إلى ذلك، خصوصاً مع معرفة حركات المقاومة بما يريده الإيرانيون في استخدام القضية في ظل الموقف المتناقض لها في "سوريا".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة