اختبار شاقّ في الخليج

عندما تكتظ المساجد بأشلاء المصلين فإنّها مدعاة لقرع نواقيس الخطر لوجود من يسعون لتفجير المجتمعات الخليجية.

السبت، 27-06-2015 الساعة 10:47


عندما تكتظ المساجد بأشلاء المصلين فإنّها مدعاة لقرع نواقيس الخطر. تحقق الجميع بأنّ هناك من يسعون لتفجير المجتمعات الخليجية من الداخل، مستفيدين من التوترات الكامنة والاحتقان المتراكم على خطوط التماس الطائفية عبر الإقليم.

مهما قيل في اختلاف السياسة وافتراق الأهواء وتلاعبات المصالح وتقاطعات الدول، أو في مسائل العقيدة وتصنيف الفرق وتعارض المذاهب؛ فإنّ سفك الدم وإزهاق الأرواح هما الوصفة التقليدية لمغامرة تقويض الحاضر وإهالة التراب على المستقبل.

قد يستفيض المرء في تركيب قطع الأحجية بحثاً عن المستفيدين وتحليلاً للسياقات الناظمة لما يجري من هجمات دامية ومُريبة في أعماق الخليج؛ لكنّ ذلك كلّه على أهميته لن يعفي مجتمعات المنطقة من مواجهة امتحان اللحظة في السموّ على الجراح والتضامن بين المكونات وتفويت الفرص على المتلاعبين بنسيجها الداخلي.

إنّ الضحايا الذين يسقطون هنا وهناك وهم سجود، هم في أوّل الأمر وآخره أبناء الوطن المشترك، وإن تعددت مكوِّناته، وهم منتسبون إلى الدين الجامع، وإن افترقت مذاهبه وفِرَقه، وهم أخوة الإنسانية التي كرّم الله بها البشر، على تنوّع شعوبهم وقبائلهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم.

لا غنى عن تعريف الضحية بأنه ابن الوطن والشعب والمجتمع و"الديرة"؛ لا ابن طائفة دون أخرى. وما ينبغي الإحساس به أنه لا يوجد دم أرخص من دم، ولا أشلاء أعزّ من أشلاء. ومن لا يفور الدم في عروقه وهو يرى شيخاً مدمّى أو صبياً ممزقاً أو أكواماً من لحوم البشر في الأرجاء؛ فليراجع احتفاظه بإنسانيته قبل أن يتحقّق من امتثاله لتعاليم دينه. ومن يتهاون مع إقدام بعضهم على تحويل الجمعة إلى مناسبة أسبوعية لتلطيخ عناوين الأخبار بالدم؛ فليتحقق من المنطق الذي به ينظر إلى الأمور ومن خلاله يحكم على الأشياء. وكيف لا يفزع المرء مما يجري والفظائع تتلاحق حتى في السجود الذي هو أكرم لحظة للإنسان على الأرض؛ فكيف إن جاءت المجازر العمياء في شهرٍ أُنزل فيه القرآن هدى للناس؟!.

تواجه مجتمعات الخليج اختبارها في الداخل، بينما تقترب حرائق الخارج من تخوم الإقليم. وإن كان من عنوان لهذا الاختبار الشاقّ الذي يواجهه الخليج ببلدانه ومجتمعاته؛ فسيكون القدرة على التماسك الداخلي. فالمجازفة الكبرى هي السماح لمشعلي الحرائق بأن يختطفوا المجتمعات وأن يمسكوا بخطامها، ويكفي في هذا أن يتنازل القوم عن الحكمة وينفلتوا من التعقّل.

يبقى الخيار بيد الناس في أن يتماسكوا، متحلِّين بوَعيهم ومحتفظين برشدهم، أو أن ينزلقوا إلى برنامج التوتر والاحتراب حتى الرمق الأخير، كما يتبنّاه الغلاة المتكاثرون على خطوط التماس الطائفية والسياسية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة