ادعموا الغوطة يسقط الأسد

منذ خمس سنوات وحتى اليوم لا يفصل الثورة السورية عن الانتصار سوى ثلاثة كيلومترات.

الأحد، 29-05-2016 الساعة 19:42


منذ خمس سنوات وحتى اليوم لا يفصل الثورة السورية عن الانتصار سوى ثلاثة كيلومترات، وهي المسافة التي تفصل الثوار في جوبر عن شارع الثورة وساحة المرجة في قلب العاصمة دمشق، وهي المسافة نفسها تقريباً التي تفصل ثوار برزة عن قلب دمشق أيضا.

ورغم أنّ الثوار يحيطون بدمشق كما تحيط الأسوارة بالمعصم، فإنّهم بلغوا حلب وإدلب بعيداً مئات الكيلومترات، ولم يستطيعوا الاقتراب أو تخطي عتبة الكيلومترات الثلاثة التي تفصلهم عن النصر وإسدال الستار على المأساة السورية، أو أقلها على الفصل الأول والأخطر منها.

ومنذ البداية عرف نظام الأسد جيداً خطورة هذا الوضع عليه، وبالأخص خطورة غوطة دمشق الشرقية، فحاصرها من الخارج بمساعدة حلفائه الإيرانيين والروس، وأشعلها من الداخل عبر اختراق الفصائل الثورية؛ تارة بالعملاء والغلاة والمفسدين، وعبر اللعب على تناقضات الدول الداعمة للثورة السورية تارة أخرى، وهو الفصل الأخطر من اللعبة الدولية، التي تستنزف الشعب السوري وخاصة "السني"، فضلاً عن استنزاف دول إقليمية معارضة وموالية في آن معاً.

وشيئاً فشيئاً يقتضم نظام الأسد وأعوانه قرى وبلدات الغوطة الشرقية، لأنه يعلم تماماً أنها مقتله، وأن ما يجري في حلب والرقة ودير الزور وإدلب، ليست معركته الحقيقية، بل معركة آخرين يمتزج فيها الدولي بالإقليمي مبتعداً عن الوطني، فهو- أي نظام الأسد- ليس جاداً إلا بفك الحبل حول رقبته في دمشق أولاً وفي الساحل ثانياً، وإذا ما ضمن ذلك فما سيبقى هو معارك هامشية ربما يقوم بها غيره خدمة له.

وأتذكر في نهاية عام 2013 معركة الله أعلى وأجل الأولى، وقد كنت حينها في الغوطة الشرقية وعلى تماس ومتابعة مباشرة كصحفي لكل ما حدث، ففي وقت قصير جداً لا يتعدى أياماً معدودة، تمكن ثوار الغوطة المتحالفون ضمن غرفة عمليات "الله أعلى وأجل" من تحرير ثماني بلدات من الغوطة، وفك الحصار عنها من الجهة الشرقية- العتيبة- وقتل المئات من جنود النظام وأعوانه واغتنام وتدمير أعداد كبيرة من الأسلحة والآليات.

وبعد أيام تبلّغ المقاتلون البيان التالي من القيادة: "انتهت المهمة هنا، وسنتوجه إلى عدرا العمالية لنحررها".

تفاجأ كثير من المقاتلين والثوار بهذا القرار، ومنهم من اعتزل القتال وقتئذ، فلم يبق إلا اثنين أو ثلاثة كيلومترات وينفك الحصار تماماً عن الغوطة الشرقية وتدخل إليها كل الإمدادات من غذاء ودواء وأسلحة، لا بل تمّ فك الحصار جزئياً، ودخلت بعض الإمدادات، وقد بقي عدد من الثوار على الطرف الآخر من الغوطة، ولم يرجعوا إليها بعد أن عادت قوات النظام وسدت الخرق من جديد، إثر توجه المقاتلين والثوار إلى عدرا العمالية.

وهنا بدأ تراشق الاتهامات بين قادة الفصائل والمقاتلين بالخيانة والعمالة وو..إلخ، ولكن اللافت أن نفس غرفة العمليات ونفس الفصائل المشاركة خاضت المعركة في عدرا العمالية، فقط أضيف للاسم رقم (2)، أي أصبحت المعركة باسم "الله أعلى وأجل 2".

وما يمكن قوله دون الاستطراد بتفاصيل مضت، وإنما بناء عليها، هو أنّ ثوار الغوطة ومقاتليها قادرون وبأيام قليلة على تغيير كل معادلات المعركة في سوريا، ولكنهم يحتاجون إلى دعم حقيقي وصادق من إخوة لهم وأصدقاء، ومعركة "الله غالب" الأخيرة تشهد على ذلك أيضاً.

حيث سيطر فصيل واحد من الغوطة الشرقية وخلال ليلة وضحاها على "ضاحية الأسد" المطلة على ثكنات النظام في دمشق، الأمر الذي أتى بالروس إلى الميدان بضوء أخضر أمريكي، وكأن على رؤوسهم الطير.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن القول أنّ أمريكا وروسيا هما من لا يريدان إسقاط النظام، ولا تستطيع الدول الإقليمية الداعمة للثورة أن تتجاوز ذلك، وعلى فرض أنّ ذلك صحيح فإن الدول الإقليمية الداعمة تستطيع على الأقل تحصين الفصائل الثورية في الغوطة ومنعها من الاقتتال الداخلي ودفعها مجتمعة لتطوّق النظام بدل أن يستغل الخلاف فيما بينها ويواصل قضم مدنها وبلداتها، وهو ما حدث مؤخراً في عدد من بلدات القطاع الجنوبي للغوطة.

وباعتقادي أن الدول الإقليمية الداعمة لن تجد وقتاً أفضل من هذا، خاصة أن الإدارة الأمريكية مشغولة بغمرة انتخاباتها على الأقل في تقوية البيت الداخلي لثوار الغوطة ومقاتليها، حتى إذا ما فشل الحل السياسي يكون ثوار "الغوطة وبرزة وداريا" قادرين على تطويق دمشق ودخولها خلال ساعات بدلاً من تحسرهم وانتظارهم على أبوابها خمس سنوات، حتى باتوا يجزمون أنّ من يمنعهم عنها إخوة لهم وأصدقاء إن بقصد أو بغير قصد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة