استراتيجيات الخليج الغارقة

مع استسلام التفكير الاستراتيجي المحلي لصدمات الواقع، يتعطّل الحسّ الاستشرافي اللازم لصنع السياسات.

الثلاثاء، 07-10-2014 الساعة 10:02


يغرق المنظور الاستراتيجي الخليجي في بحر المتغيِّرات المفاجئة. فمن صدمة التقارب الإيراني الأمريكي، إلى تفاعلات المشهد الدرامي في العراق وسوريا، غابت الاستراتيجية عن أروقة الخليج التي ما كان ينقصها سوى سقوط صنعاء في قبضة الحوثيين.

توالت صدمات الواقع المحيط بالخليج، فغابت القراءة الاستراتيجية المحلِّية للتحوّلات الجارفة. فالمتغيِّرات الكبرى تزاحمت عبر سنوات أربع خلت، وتعطّل معها الحسّ الاستشرافي التقليدي. كان يَصعُب أساساً على خبراء المنطقة تقدير المستقبل الإقليمي لخمس سنوات آتية، لكنّ تخمين ما سيطرأ في أسابيع خمسة لا أكثر؛ بات اليوم مجازفة حقيقية.

تأكّد ذلك منذ التفاهمات الإيرانية - الأمريكية التي عدّها بعضهم "مفاجأة" أو "صدمة"، أمّا تطوّرات الهلال الخصيب فتشير إلى تصاعد متلازمة المفاجآت مع الافتقار إلى تصوّر واضح عن مستقبل العراق الذي يرتبط بعرى وثقى مع استراتيجيات الخليج. ومَن كان يسعه قبل أسابيع قليلة أن يتخيّل سقوط صنعاء في قبضة الحوثيين، وأن يتحوّل مسار اليمن فجأة إلى وجهة جديدة؟

لم تقم مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية الخليجية بدورها، وانكفأت كلِّيّات العلوم السياسية والاجتماعية على ذاتها، ولم يتهيّأ صانعو القرار والنخب وعموم الجمهور للصدمات المتوالية التي تستعصي على الأفهام.

في غمرة البحث عن المفاجآت الاستراتيجية القادمة لا يلتفت القوم كثيراً للبحوث والدراسات والأوراق والندوات التي تعقدها مراكز الفكر والدراسات الخليجية، رغم أنّ بعضها يقوم بجهود ذات شأن. فالتقليد السائد هو ملاحقة ما تُفصح عنه مؤسسات غربيّة من دراسات وتقديرات عن المنطقة، فهناك تُصنَع السياسات أساساً.

هكذا ظلّ وصف "الخبير الاستراتيجي" متعلقاً بمن يطّلع على تقديرات الغربيين وتخميناتهم للشأن الإقليمي. يُلاحِق بعض "الخبراء" منذ عقود أيّ إشارة في المصادر الغربية عن تعديلات الخرائط مثلاً، تعبيراً عن هاجس يصول في أذهان النخب ومقولاتها وكتاباتها عن قدرة الخرائط الإقليمية على الثبات في مواجهة العواصف.

والحقّ أنّ التطوّرات الجارفة في الجوار الخليجي منحت زخماً هائلاً لمقولة "إعادة رسم خريطة المنطقة"، بكلّ ما يعنيه ذلك من قلق استراتيجي مزمن لدى النخب والمجتمعات بشأن مآلات الأمور في رقعة الخليج.

يتكلّس التقدير الاستراتيجي المحلي، ولا تفارق الحيرة صانعي القرار الرسمي الذين يعيش معظمهم حالة انكشاف في التخمينات الاستراتيجية بشأن مسارات الواقع ومآلاته. إنه تقليد الجزع الاستراتيجي الذي يدهم المنطقة في المنعطفات التي تتقلّص فيها الرؤية فيدفع إلى قرارات وتصرّفات لا تستصحب الرشد.

يذكر بعضهم شيئاً من هذا في أعقاب صدمة البرجين الشاهقين في نيويورك عندما رُسمت هالة من الاتهامات والشكوك حول المنطقة. يومها؛ كان عمود توماس فريدمان في "نيويورك تايمز" يحظى بالمتابعة الحثيثة في بعض قصور الحكم، ظنّاً من بعضهم أنّ ما يكتبه المعلِّق الشهير يعكس ما يدور في ذهن ذلك القابع في البيت الأبيض.

مع استسلام التفكير الاستراتيجي المحلي لصدمات الواقع، يتعطّل الحسّ الاستشرافي اللازم لصنع السياسات، فيغيب الأفق الموثوق للرؤية عبر المنعطف التاريخي، ويسود الارتباك في دورة التحوّلات المتسارعة من تحت الأقدام. إنها التقديرات العابرة التي تُهَيمن اليوم بمجازفاتها على استراتيجيات الخليج، فمراكز التفكير في المنطقة تتعثّر في تشخيص اليوم التالي، فعليها أن تنشغل باستيعاب المستجدات وتحسّس المتغيّرات.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

نشر صور لموظفين بالقنصلية السعودية وهم يحرقون وثائق فيها بعد يوم من مقتل خاشقجي