استراتيجية الحزم الخليجية نحو غزة

الحقيقة أنّ الخليج غادر مسؤولياته نحو غزة، وتركها نهباً لحملات السحق الإسرائيلي وممارسات الضغوط الإقليمية المتصاعدة.

الأربعاء، 15-04-2015 الساعة 15:02


يراجع الخليج حساباته الاستراتيجية، ويبدو أنه يستدرك قصوراً متراكماً واسترخاء طويلاً، فما كانت "عاصفة الحزم" لتهبّ لولا مراجعات سبقتها.

ومع ذلك؛ فلن تظل معادلة غزة مفهومة في عالم عربي يسعى الخليج للإمساك بزمامه المنفلت. فما معنى استمرار خنق الشعب في القطاع المكتظ بالسكان؟ وما معنى حرمانه الغذاء والدواء ومواد البناء، أو تركه عقوداً إضافية بين الأنقاض؟ وهل يُعقل أن لا تجد غزة وقوداً ولا كهرباء، وهي الواقعة على أطراف واحة النفط والطاقة الخليجية؟

يجدر الهمس في الآذان لمن لم يلحظ بعد. فالحقيقة أنّ الخليج غادر مسؤولياته نحو غزة وتركها نهباً لحملات السحق الإسرائيلي، وممارسات الضغوط الإقليمية المتصاعدة، وسياسات الخنق الشامل. وقد كانت الذرائع حاضرة لتبرير هذه المغادرة الخليجية الطوعية المتواصلة منذ سنوات مديدة.

غني عن القول أنّ تبرير سياسات القصور نحو قطاع غزة بالانقسام في البيت السياسي الفلسطيني لم يعد قادراً على حشو الرؤوس، فالخليج حاضر بصفة أو بأخرى في ساحات عربية متعددة تجاوزت الانقسام إلى الاحتراب والصراعات المسلحة. وإن نادى بعضهم، بمكر ساذج، بإطلاق "عاصفة حزم" نحو غزة، فحبذا أن تكون بتفعيل "استراتيجية حزم خليجية" جادة وفورية لإسناد الشعب الفلسطيني، ودعم صموده، وإنهاء الحصار المفتعل على مليوني إنسان معظمهم من الأطفال وأمهاتهم، حتى ولو اكتفى هذا بالاستجابة الإنسانية والاقتصادية المجردة على الطريقة اليابانية.

هناك ما ينبغي قوله في هذه اللحظة التاريخية التي تخالج المنطقة، ومن ذلك أنّ ترك غزة تعلق بين الأنقاض، وتغرق في الفاقة، لا يمكن أن يكون خياراً خليجياً حصيفاً؛ بل هو في الأساس خيار إسرائيلي مسنود إقليمياً ودولياً. وما ينبغي فهمه أيضاً أنّ انخراط أطراف عربية في لعبة الخنق هذه لا تحكمه أي استراتيجيات عاقلة أو مصالح مدروسة، وإنما هو على الأرجح بمثابة تسديد استحقاقات الارتهان للنفوذ الإسرائيلي على نفقة فلسطين وشعبها، وعلى حساب المصالح الاستراتيجية للأطراف العربية ذاتها.

في غزة مقاومة، أو ما بقي من مقاومة الشعب الفلسطيني، وهذه هي كلمة السرّ في تفسير المواقف. لكن لمصلحة مَن محاولة تركيعها وفرض عقاب جماعي على حاضنتها الشعبية؟ ومن يجد مصلحة في تمكين الاحتلال من فرض هيمنته وكسر الشوكة الفلسطينية المستعصية؟ ومن يطيب له استدعاء الفوضى إلى هذه الرقعة الحساسة التي تشرئبّ لها أعناق الأطراف كافة؛ بما فيها مجموعات حزّ الرؤوس التي تراهن على أنها "باقية وتتمدّد"؟

قد لا يمانع بعضهم في القيام بالدور؛ لكنه يخشى استثارة الصلف الإسرائيلي والحنق الأمريكي. لا أقلّ، والحال هذا، من أن تأتي الاستجابة ضمن محددات توافق عليها المجتمع الدولي فيما يتعلق بإعادة الإعمار مثلاً، أو عبر قنوات مريحة للأطراف جميعاً. ومع ذلك؛ فلا داعي لهواجس مفتعلة بعيدة عن الواقع، وهو ما أدركته دولة خليجية محدودة في مساحتها لكنها قدّمت، على الرغم من سنوات الحصار المشدّد مثالاً عملياً في الاستجابة المتواصلة، هي قطر. وإن شاءت الدول أن تتأخّر فلا أقل من أن تفتح الأبواب لمجتمعاتها والمؤسسات المدنية كي تتقدّم بمشروعات وبرامج واستثمارات من شأنها أن تفتح شريان الحياة للسجن الكبير المطلّ على البحر.

معلوم أنّ "استراتيجية الحزم" الخليجية نحو غزة لن تلقى ترحيباً من شركاء الحصار، وبعضهم مبثوثون في مواقع متقدمة ضمن الساحة الفلسطينية ذاتها؛ إذ لا يجدون غضاضة في تفاقم معاناة شعبهم في تلك الرقعة المنطوية على أوجاعها. وستتعارض هذه الاستراتيجية مع مساع حثيثة تتواصل بالجوار لسدّ قصبات التنفس التي بقيت للفلسطينيين تحت الحصار الشامل، لكنها تبقى استراتيجية ضرورة لا تقبل تزجية الوقت بالتلاعبات اللفظية واستدعاء المبررات وافتعال العراقيل. وللخليج في لحظته الراهنة القدرة على فرض الخيارات المثلى التي تأخرت طويلاً، وحشد توافقات حولها.

من العسير فهم مبادرة دول أوروبية، مثل سويسرا والنرويج، لصياغة آليات لحلّ بعض الإشكاليات المالية والإدارية العالقة في قطاع غزة، في حين تشيح المنظومة الخليجية الجديدة ببصرها بعيداً. ولا يُعقل على أي حال، أن تعلو الشكاوى والتحذيرات من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، في حين يتمّ إخلاء المواقع لهذا النفوذ، وقد ظلّت الساحة الفلسطينية مثالاً واضحاً على قصور الاستراتيجيات الخليجية وتركها تحت غائلة الأدوار الإقليمية والدولية المُزاحِمة.

على أنّ الدور الخليجي نحو غزة، ونحو فلسطين إجمالاً، لا ينبغي أن يخضع لحسابات المنافع الاستراتيجية وحدها؛ بل عليه الاحتكام لمنطق الالتزام الأخوي والمسؤولية الأخلاقية في الأساس.

ما سيذكره التاريخ في صفحاته أنّ مليوني فلسطيني حوصروا في شريط ساحلي ضيِّق يقع في قلب عالمهم العربي، وأنّ حصارهم لم يكن إسرائيلياً وحسب. وستسأل الأجيال وقتها عن دور الخليج الذي كان يستطيع معالجة الموقف بلا عناء، وهو سؤال معلّق أكثر من أي وقت مضى في أفق التحوّلات الاستراتيجية الراهنة في المنطقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة