اعذرونا.. لم نعد نصدّقكم!

صمتت الأفواه، ولم نعد نسمع شيئاً عن "الخيارات الفلسطينية المفتوحة"، ومن هنا يمكننا أن نتساءل هل هي وليدة لحظة الصدمة؟

الخميس، 18-12-2014 الساعة 11:00


تحدثت السلطة الفلسطينية غداة اغتيال الوزير زياد أبو عين عن "وقف التنسيق الأمني" مع الاحتلال... وهذه خطوة وطنية جريئة، ومع عدم إمكانية التصديق مدعوماً بما لم نسمعه خلال أيام الأسبوع الماضي على الجريمة الإسرائيلية من أي إشارات ومؤشّرات تؤكد هذا الأمر وجدّيته، فإن المتحدثين باسم السلطة غاب عنهم التوضيح ما إذا كان وقف التنسيق مؤقتاً أم مستداماً، ومن أين يبدأ وكيف؟ خاصة وأن هذا التنسيق قد جاء ضمن تفاهمات أوسلو عام 1993.

صمتت الأفواه، ولم نعد نسمع شيئاً عن "الخيارات الفلسطينية المفتوحة"، ومن هنا يمكننا أن نتساءل هل هي وليدة لحظة الصدمة؟... لا ندري، فقد سبق لإسرائيل أن قتلت القائد ياسر عرفات زعيم فتح ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة والدولة، والرمز الكبير الذي عرفه ساسة العالم، فلم يتغيّر أداء قيادة المنظمة والحركة والسلطة، ولم تتغيّر العلاقة ولا التنسيق الأمني مع الاحتلال، فهل سيكون لدماء أبو عين، وقع أشد تأثيراً على هذه المنظومة الفلسطينية من دم "الختيار" وغيره؟

المسألة لم تعد كذلك بعد مئات وآلاف المجازر التي اقترفتها سلطات الاحتلال ضد الفلسطينيين أفراداً وجماعات منذ عقود، ودائماً على مرأى من العالم ومسمعه، ومن دون حسيب أو رقيب، ولكن المسألة تتعلق بنهج وعقيدة تربّى عليها جيش الاحتلال مستمدة من الفكر الصهيوني، وسلطة حاكمة في رام الله يهمّها كثيراً الحفاظ على امتيازات أفرادها.

فهل هي لحظة مختلفة هذه المرة، ستجعل من اغتيال أبو عين نقطة تحوّل في مسار العمل الوطني الفلسطيني، أم أننا أمام تصريحات وتهديدات نارية مؤقتة سرعان ما تذهب أدراج الرياح، لتعود الأوضاع بعدها إلى ممارسة اليوميات المعتادة للفلسطينيين، سلطة ومنظمة وفصائل؟

أحسب أن الفرصة الآن أكثر من مناسبة لأن تستكمل السلطة الفلسطينية عضوية فلسطين الدولة في هيئات الأمم المتحدة المتعددة، وتحديداً لمحكمة الجنايات الدولية استتباعاً، إذا ما صدقت النوايا بتوقيف التعاون والتنسيق الأمني مع الاحتلال مهما كان الأمر، مع أن هذه الخطوة تتطلب تضحيات من جانب أصحاب المكتسبات والامتيازات من قيادة فتح والمنظمة والسلطة معاً، وأقلها التنقل المريح عبر الحواجز العسكرية والسفر للخارج والسيارات الفارهة بالبطاقة المسماة (vip).

على كل حال لست متشائماً إلى الحدّ الذي أرى فيه أن السلطة وعواجيز حركة فتح وحرسها الحديدي من الجيل القديم سيفعل شيئاً أو يكون قادراً على اتخاذ قرارات صعبة، كوقف التنسيق الأمني على سبيل المثال، بعد اغتيال الصهاينة للوزير الفلسطيني، ولكن لم يكن لدي أدنى شك في أن شيئاً سيتغير، فمن طوى ملف اغتيال عرفات، لا يمكن أن يفعل شيئاً من أجل زياد أبو عين وغيره، ومن شكل لجنة تحقيق في اغتيال عرفات لتسويف الحقيقة، هو نفسه من تحدث عن "خيارات مفتوحة في الرد على جريمة الاحتلال"، ومن سوء حظّه أن ذاكرتنا الوطنية لا تنسى، ولا يمكن لها ذلك، تلك المواقف والتصريحات للرئيس الفلسطيني عن المقاومة والانتفاضة، فهو ضد ما سبق أن أسماه "عسكرة الانتفاضة"، وأطلق عليها صفات ونعوت سلبية، لا يمكن أن يمرّرها الآن أو يقف منها موقف المؤيد والمشجّع ليكتب التاريخ أسماء هذه القيادات كشهداء على درب التحرير والاستقلال.

وبرأيي أن أكبر دليل على أن التصريحات التي صدرت عن عباس وغيره من قيادات السلطة وحركة فتح، لم يأخذها نتنياهو وحكومته وأجهزته الأمنية بما فيها المؤسسة العسكرية على محمل الجدّ والقلق، ولن أقول السخرية والاستهزاء، وقيل قديماً: "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده".

وإن لم تُحدث جريمة اغتيال الوزير أبو عين أثراً في تغيير مسار السلطة الفلسطينية ورهاناتها، فالمؤكد أنها ستبعث بروح جديدة، في عروق الحركة الوطنية الفلسطينية، وتؤسس لموجة جديدة من المقاومة ضد الجدار والاستيطان والاحتلال بعامّة، وستحيي مجدداً روح الصمود في نفوس ألوف الشباب من أبناء وبنات "شعب الجبارين".

لا شيء يمكن انتظاره من سلطة كهذه، ولا من قيادة كهذه، وما يمكن انتظاره هو انتفاضة من هؤلاء الشبان الذين يحبون فلسطين ويحبون الثورة والمقاومة.

الشرق القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة