اغتيال الأمم

ففرعون الذي قال: "لا أريكم إلا ما أرى" دمر أمته، واليوم يذكر ظلمه وفساده أكثر من ذكر موطنه.

الجمعة، 23-01-2015 الساعة 18:25


كثير من الأمم والحضارات والأوطان تُغتال بسبب حمق قادتها وأنانيتهم، فلا يبقى لها سيرة إلا سوأة تعاب وسوء يذكر. حين يكون القائد معجزة الوطن والوطن معجزته، وهما عجينة واحدة لا تنفصل عن بعضها أبداً، فيكون الحاكم هو الوطن؛ هكذا يغتال الوطن. فتراه يتضاءل ليختزل في شخصية القائد الأناني الذي يجمع كل السلطات في قبضته فيصبح المشرع والمنفذ والمحاسب، وهو القاضي الذي يحكم كما يشاء. فعمله هو عمل الوطن، وكلمته كلمة الوطن، وزلته هي زلة الوطن، ومصيبته وعهره وفسقه هو الوطن. وما يلبث أن يلغي اسم الوطن لكي يوضع اسمه على الشوارع والمناطق والزقاق وحتى دور العبادة، ظاناً أن الوطن يجب أن ينسب له لا هو من ينسب للوطن.

شواهد التاريخ تخبرنا بأن أولئك الذين أذابوا الوطن في ذواتهم وتركوه قاعاً صفصفاً بعد مماتهم كثيرة جداً، ففرعون الذي قال: "لا أريكم إلا ما أرى"دمر أمته، واليوم يذكر ظلمه وفساده أكثر من ذكر موطنه، والنمرود كذلك الذي يعرفه ويذكره الكثير ولا يكاد يعرف عن موطنه إلا القليل، ومثلهم الكثير في عصرنا ومن سبقونا. دول سميت بأسماء أشخاص فلما انتهوا انتهت دولهم من ورائهم. وانتهت قضايا ولم يعد لها ذكر لأنها اختزلت في أشخاص فماتت مع موتهم. فما قضية ريتشارد قلب الأسد؟ وماذا حل بها؟ وهل ماتت قضية الأقصى وفلسطين حين مات صلاح الدين؟ اغتال الملك ريتشارد ذاته ووطنه لأنه هدف لمجد شخصي، أما صلاح الدين فأراد مجداً لأمته فكتب لاسمه الخلود وبقيت قضية القدس بعده رمزاً لمفهوم تضحية القائد بحياته وكل ما يملك لأجل وطنه لا لأجل شخصه.

إن المستبد الذي يمحو الوطن ليعلي اسمه مستعد أن يقف على حطام الوطن لكي يرى نفسه في رفعة ومكانة. فهو ينهب الوطن، ويطمس هويته، ويفتت وحدته، ويحرف منهجه، ويسلخه من انتمائه، ويفرق اجتماعه، ويبدد مقدراته من أجل لحظات من النشوة والسعادة. وهو إذ يمنح نفسه شرعية سرقة الوطن ليس لديه مانع من بيع الوطن والمتاجرة به من أجل نصر شخصي. ثم إذا ما قام الشعب ليوقف جشعه واستعباده، صرخ فيهم: من أنتم؟

ويأتي عبيد المستبد ليمنحوا كل مواصفات وحقوق الوطن لشخصه؛ فهو الأرض والمكان والزمان ويجب أن تمتزج أرواح المواطنين بروحه.

وهنا تتحول حقوق المواطنة إلى حق ولي الأمر وهي حقوق لطرف واحد يسمى حاكم وهو الوطن الذي يعلو ولا يعلى عليه.

أي شؤم أكبر من أن يكون وطن رهيناً بحياة شخص؟ وأي عار أكبر من أن يشعر شعب أنه بلا قيمة لو لم يكن عبداً لذلك الشخص؟

ذلك المستبد يعمد أول ما يعمد إليه هو أن يقتل حقوق المواطنة، فلا حق لأحد بأي شيء سوى هو، أما الشعب من تحته فله عليهم حقوق، و هو من يقرر متى يعطيهم ومتى يمنع عنهم، وذلك حتماً فضلٌ منه ومنة على شعبه.

وهو يستغل جهل المجتمع بمفهوم السلطات فيفسر لهم ولاية الأمر أنها هي الوطن وتجتمع فيها السلطات ويجب تقديسها، هو الوطن الذي له فضل عليهم ويعطيهم من المعجزات ما هم عاجزون عن الوصول إليه.

إن ذلك المستبد ليحطم كل القيم الإنسانية من أجل سلطته وبسط نفوذه؛ فهو يحرّم الشراكة السياسية على الشعب، ولا قيمة للعدالة عنده، وأما الحرية فهي من الكبائر التي وجب محاربتها بل وملاحقتها والحكم عليها بالإعدام. ولا كرامة للشعب؛ فكل من يرفع رأسه قليلاً إنما يريد أن يصل بنظره إلى كرسي الحكم، وحكم النظر للكرسي غض البصر، فيجب على الشعب أن يبقي رأسه متدلياً على رقبته خاضعاً بنظره إلى الأرض ذليلاً. فإن انتقدت شيئاً من أفعاله فأنت تشتم الوطن، وإن رفعت له تظلماً فأنت جاحد لفضل لوطن، وإن رفعت له عريضة ببعض مطالبك فأنت خائن خارج على الوطن.

هكذا يغتال ذلك المجرم وطنه، باغتيال شعبه واغتيال القيم كي يبقى مرتفعاً.

ثم يعمد ذلك المستبد إلى تصفية أي فكر يمكن أن يهدم الجهل الذي بناه فمنحه سلطته وقوته وقدسيته، فيحبس الصوت الحر، وينفي المثقف والعالم، ويغتال كل من يثور على عبوديته.

إن هذه الأوطان الذائبة في شخص من السهل سرقتها والتلاعب بها، فيكفيك أن يكون الحاكم أحمق مغروراً حتى تستطيع السيطرة على الوطن كاملاً بكل مؤسساته. فيتجمع حول ذلك المستبد الخبثاء والنفعيون والهاربون من عدالة أوطانهم، كما فعل البرامكة في عهد الدولة العباسية فأفسدوا الحكم وظلموا الرعية وكادت تسقط الدولة على أيديهم.

إن الشعوب وجب عليها أن ترفع وهم قداسة الوطن عن الحاكم، وتعرف أنها تستحق سعادة أكبر من إعطائها فتاتاً من حقها يسمى مكرمة الحاكم؛ وذلك بمنحها السلطة الحقيقية في اختيار حياتها. الشعوب هي الوطن الحقيقي الذي يفخر به الحاكم، فالشعوب الحرة الكريمة لا تقبل وطناً ضعيفاً بضعف الحاكم يحيا حين يأكل و يموت حين يهلك.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة