الأبعاد الاستراتيجية للعملية العسكرية التركية في شرق الفرات

من الواضح أن صبر أنقرة أوشك على النفاد حيال أسلوب المماطلات المستمرة، والنكث بالعهود، وعدم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/L4EDwy
الأربعاء، 19-12-2018 الساعة 10:51

على نحو بدا للكثيرين مفاجئاً، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان، إطلاق عملية عسكرية في مناطق منبج وشرقي الفرات؛ هدفها قطع الطريق على مليشيات "بي كا كا / بي ي د" الانفصالية الإرهابية، التي أضحت قاب قوسين أو أدنى من تأسيس كيانها الانفصالي المستقلّ في المناطق التي سيطرت عليها بدعم أمريكي، شرقي وشمال شرقي سوريا.

عمليات الدعم والتسليح والتدريب التي تقدّمها واشنطن لمليشيات "بي كا كا / ي ب ج" الانفصالية الإرهابية تعدّت حدود الحرب على تنظيم إرهابي مطارَد هنا وهناك، حيث بلغت الأسلحة والمعدّات التي قدّمها الأمريكان حمولة آلاف الشاحنات وطائرات الشحن العسكرية، بما يكفي لتسليح جيش بكامل العدة والعتاد، وبمختلف الأسلحة من الخفيف إلى المتوسط إلى الثقيل.

الرئيس رجب طيب أردوغان تحدّث بعبارات واضحة عن أدلّة ملموسة مسجّلة تملكها الدولة التركية؛ تشير إلى توظيف التحالف الدولي لتنظيم داعش وحمايته لبعض قادة التنظيم بدل هزيمته والقضاء عليه، وهذا يفنّد مقولة الأمريكيين بأنهم باقون في الأراضي السورية من أجل محاربة الإرهاب إلى حين القضاء على تنظيم داعش كلياً. 

ذريعة الأمريكيين الأخرى هي إخراج إيران من سوريا.. لكن، ما عدا الضربات الإسرائيلية لبعض المواقع الإيرانية الحساسة، التي تتعدّى حدودها بين الفينة والأخرى، فلم نرَ حتى الآن جهوداً أمريكية حقيقية بهذا المضمار. وها هي المليشيات الإيرانية منتشرة في جميع الجغرافيا السورية؛ من درعا والسويداء إلى حلب وحماة وريف إدلب.

برغم اتساع مساحة الانتشار الإيراني فإنه لم يحدث أن قام الأمريكيون بعرقلة تحركات المليشيات الإيرانية، فضلاً عن استهدافهم، سوى صد الهجوم على قاعدة التي فور T4 العسكرية، الذي نفّذته تلك المليشيات بالتعاون مع مليشيات مرتزقة روسية، حيث قامت القوات الأمريكية بإبادة القوات المهاجمة بشكل كامل.

تعلم واشنطن وبروكسل أن ما يُسمّى بقوات سوريا الديمقراطية "قسد" ما هي إلا مليشيات تنظيم "بي كا كا" المصنَّف منظمة إرهابية عندهم. هذا ما صرّح به ضباط أمريكيون لطلال سلو، عندما كان ناطقاً رسمياً باسم تلك القوات، قبل أن ينشقّ عنها.

رغم هذه الحقيقة الدامغة فإن واشنطن ماضية في تدريب وتأهيل وتسليح هذه المليشيات في الحسكة داخل سوريا، وفي شمال العراق على شكل قوات كوماندوز خاصة.

تمضي واشنطن قدماً في دعم هذه المليشيات التي ارتكبت جرائم التهجير القسري، والتغيير الديموغرافي في مناطق سيطرتها. هناك ملايين السكان العرب والتركمان وغيرهم تم تهجيرهم قسراً وهدم منازلهم. بل إن هناك قرى ومزارع ومنازل لم يعد لها وجود على الخريطة، كل هذا تحت مرأى ومسمع القوات الأمريكية والتحالف الدولي، وقد وثّقت منظمة العفو الدولية في تقاريرها الآلاف من حالات التهجير القسري. 

- الأهمية الاستراتيجية لمنطقة شرق الفرات

بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية تمكّنت مليشيات "ي ب ج" التابع لمنظومة "بي كا كا" الإرهابية، عام 2014، من السيطرة على مناطق شرق الفرات وأجزاء من غربي النهر، تحت غطاء "قوات سوريا الديمقراطية"، في حين لا يزال نظام الأسد يحتفظ بمربعين أمنيين في مدينتَي القامشلي والحسكة، وأجزاء من ريف المحافظة. 

وتُعدّ منطقة شرق الفرات "سوريا المفيدة"؛ لاحتوائها على الثروات المائية والزراعية، إضافة إلى حقول النفط والغاز الطبيعي، وهو ما جعل الولايات المتحدة تضع يدها عليها، علاوة على موقعها الاستراتيجي الذي يمكّن واشنطن من التمركز وسط منطقة الشرق الأوسط، قريباً من دوله الرئيسية؛ تركيا والعراق وإيران والخليج العربي، وتأمين حماية إضافية لإسرائيل. 

بعد اختيارها من طرف واشنطن شريكاً استراتيجياً فيما سُمّي بالحرب على الإرهاب، باتت مليشيات "قسد" الذراع البرية لواشنطن في المنطقة، وهو ما فتح الطريق أمامها للمضيّ قدماً وراء تحقيق حلم الانفصاليين الأكراد بإنشاء إقليم/دويلة ذات صبغة إثنية، بعد سلسلة من عمليات التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي الذي مارسته تلك القوات ضد المكوّنات الأخرى من عرب وتركمان وسريان وآشوريين، وحتى ضد الأكراد الذين يرفضون الفكر الأوجلاني الانفصالي. 

- الأمريكان يُخلفون وعودهم في كل مرة

من الواضح أن صبر أنقرة أوشك على النفاد حيال أسلوب المماطلات المستمرة، والنكث بالعهود، وعدم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

نائب الرئيس الأمريكي السابق وعد بالعمل مع تركيا على إنشاء مناطق آمنة في سوريا، ووقّع بيده على اتفاقية بهذا الخصوص، وهو نفسه ومعه وزير الدفاع آنذاك تعهدا بألا تجتاز مليشيات "قسد" نهر الفرات إلى ضفته الغربية، لكنها اجتازت النهر واحتلّت منبج وتل رفعت، رغم التحذيرات التركية. ثم وعد الأمريكيون بإخراج هذه المليشيات من منبج، لكن وفق جدول زمني، بحيث تشرف قوات تركية أمريكية مشتركة على عملية خروجهم. لكن بدل الخروج وتطبيق الاتفاق أخذت تلك المليشيات تحفر الأنفاق وتقيم التحصينات.

أثناء المحادثات الأخيرة مع المبعوث الأمريكي لسوريا، جيمس جيفري، في أنقرة، رفض الطرف الأمريكي طلب الأتراك بالتخلّي عن نقاط المراقبة الحدودية، وأبدوا موقفاً متصلّباً حيال ذلك. لكن القطرة التي فاض بها الكأس كانت تصريح السفير جيمس جيفري؛ بأن الوجود العسكري الأمريكي سوف يستمرّ، وأن من المحتمل أن تطبّق واشنطن في شرق الفرات ما طبّقته من قبل في شمال العراق؛ بما يعني تدابير أمنية وعسكرية بينها إعلان المنطقة بقعة حظر جوي، والتدخل العسكري المباشر للدفاع عن حلفائها عند الضرورة. 

- الضوء الأخضر من الرئيس ترامب 

خلال المكالمة الهاتفية بين الرئيسين أردوغان وترامب، أبدى الرئيس الأمريكي تفهّماً لمساعي تركيا في الحفاظ على أمنها الاستراتيجي. 

المبعوث الأمريكي لسوريا، جيمس جيفري، قال في كلمته أمام حلف الناتو إن قوات سوريا الديمقراطية شريكة للولايات المتحدة والتحالف الدولي في الحرب على تنظيم داعش الإرهابي. أي إن الشراكة بين الطرفين تنتهي عند هذا الحد، ومن ثم لن تتدخل القوات الأمريكية ضد القوات التركية حال قيامها بعمل عسكري شرق الفرات. 

- موسكو ترحّب ضمنياً بالعملية العسكرية التركية في شرق الفرات 

لن يتردّد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في دعم وتشجيع أنقرة على القيام بعملية عسكرية في منبج وشرق الفرات؛ بهدف إضعاف النفوذ الأمريكي في سوريا، ولزيادة حدّة الخلافات الأمريكية–التركية، ولأجل المزيد من التقرّب التركي نحو موسكو، وذلك كله يصبّ في مصلحة الاستراتيجية الروسية في سوريا والشرق الأوسط.

لكن على الرغم من هذا المخطط الروسي الواضح، فإن تركيا بحكم موقعها الجغرافي هي المستفيد الأكبر من التنافس الروسي–الأمريكي؛ إذ يُتيح لها هذا الموقع توظيف الخلافات السياسية بين موسكو وواشنطن بفرض نفسها كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه في أي طبخة سياسية تخصّ المنطقة، وهو ما يمكّن أنقرة من الحصول على موافقة ضمنية من هذا الطرف أو ذاك على شكل صفقة سياسية قائمة لحظة البدء بأي عملية عسكرية في منبج وشرق الفرات. 

- عملية شرق الفرات ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى تركيا

قبل الشروع في الحديث عن البعد الاستراتيجي للعملية العسكرية التركية شرقي الفرات، دعونا نوجه هذا السؤال: هل كان الحديث عن سوريا موحّدة ممكناً لولا عمليّتا درع الفرات وغصن الزيتون؟ 

لنفترض أن الجيش التركي وقف متفرّجاً على الجهة الأخرى من الحدود ولم يحرّك ساكناً، كما يريد البعض ممن انتفخ حسّهم الوطني فجأة وترك مليشيات "بي كا كا" تسرح في الشمال السوري، ولم يقم بعمليّتي درع الفرات وغصن الزيتون. ماذا سيكون عليه الحال الآن؟

السيناريو الأقوى، وربما يكون الأوحد، أن يبقى تنظيم داعش محتفظاً بمدينة الباب وما حولها؛ لكي يكسب الأمريكان وحلفاؤهم مليشيات "بي كا كا / ب ي د" الانفصالية شرعية وجودهم وعملياتهم، مقابل أن تتمكّن قوات قسد بدعم أمريكي من السيطرة على كامل الشمال السوري وصولاً للبحر المتوسط. بذلك تكون دويلة عبد الله أوجلان "روج آفا" في سوريا قد أصبحت أمراً واقعاً.

اليوم يتكرّر السيناريو نفسه في منطقة شرقي الفرات؛ فقد تحوّل جبل سنجار إلى "جبل قنديل" ثانٍ، حيث بات يشكّل معقلاً حصيناً لقيادة المليشيات الانفصالية التي تنطلق منها أفواج الإرهابيين.

اليوم وصلت مليشيات "بي كا كا / ي ب ج" الانفصالية الإرهابية إلى مرحلة تأسيس الدويلة الأوجلانية، التي تعني إسرائيل ثانية. فإما أن يتم إيقافها ووأدها في مهدها، أو أنها ستتحوّل إلى إسفين يهدّد ليس وحدة سوريا وحسب، بل جميع دول المنطقة دون استثناء.

ما يثير الدهشة والغرابة معاً أن بعض الدول العربية لا تُخفي دعمها لهذا المشروع الانفصالي الخطير المدمّر؛ إذ يكفي بالنسبة لها أنه ضدّ أردوغان، حتى لو ساهم في تمزيق دولة شقيقة!

صحيح أن العملية العسكرية التركية في شرق الفرات ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى تركيا، لكنها في الوقت ذاته صمام أمان لوحدة سوريا مستقبلاً.

 

المصدر: وكالة الأناضول

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة