الأسد يصنع الإرهاب ويريد مكافحته (2)

خطّطت المخابرات السورية، حسب وثائق مسرّبة ستنشر في "الخليج أونلاين"، لتنفيذ عمليات إرهابية في السعودية وقطر وتركيا وحتى لبنان الذي يعدّ الحلقة الأضعف في معادلة بشار الأسد كلها.

الخميس، 04-09-2014 الساعة 13:04


نواصل في الحلقة الثانية من مقالنا عن إرهاب بشار الأسد الذي صنعه، وما يزال يصنعه مع سبق الإصرار والترصّد، ويريد مكافحته لتأهيل نفسه مجدداً، بعدما فقد شرعيته محلياً ودولياً وصار مجرم حرب لا يزال تحت طائلة الإفلات من العقاب.

إرهاب دولة الأسد في سوريا

لقد مارس بشار الأسد إرهاب دولة، وثبت ذلك موثقاً في تقارير مراقبي الجامعة العربية والأمم المتحدة، وهذا يعتدّ به قانونياً ودولياً، فضلاً عن التقارير الصحفية التي ملأت الفضائيات وما ينقله الناشطون عبر كاميراتهم.

يجب أن ننوّه لأمر هام أن التشريع السوري يعدّ من أقدم التشريعات العربية التي تناولت الإرهاب كجريمة مستقلّة. وقد جاء في المادة 304 من قانون العقوبات 148/1949: "يقصد بالأعمال الإرهابية الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر، وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة، والأسلحة الحربية والمواد الملتهبة والمنتجات السامّة أو المحرقة، والعوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً". وقد عاقب القانون في المادة 305 بالإعدام مقترف هذه الأفعال إن نتج عنها تخريب أو أفضت إلى موت إنسان.

فترى كيف الحال مع بشار الأسد الذي دمّر البلد وقتل وشرّد وجرح الملايين؟!

من جهة أخرى فإن بشار الأسد، إلى جانب العنف، عمل كل ما في وسعه لإقناع المجتمع الدولي بوجود "القاعدة" والجماعات المتشدّدة في سوريا، حيث كان يسبق البعثات الدولية بتفجيرات بسيارات مفخّخة على طريقة القاعدة في العراق، فضلاً عن الاغتيالات التي طالت بعض الجهات خصوصاً من الأقليات مثل المسيحية، وهذا ما حدث أثناء وجود بعثة مراقبي الجامعة العربية حيث جرى اغتيال عقيد سابق يدعى أمير روجيه ونجله هاني روجيه وهما من الطائفة المسيحية يوم 2012/01/05، ولقد وثقت الحالة بالصور في كتابي "ثورة أمة" الصفحة 453.

كما شكّل جماعات مجهولة تختطف المواطنين وتطلب الفدية، وكان أصحابها بلحى كثيفة ويتحدّثون مع أهالي المختطفين على أساس أنهم من تنظيم "القاعدة". بل كان "الشبّيحة" يقتلون معتقلين وهم ملثّمون، ويصوّرن فيديوهات وينشرونها عبر الإنترنت على أساس أنهم من أتباع تنظيم "القاعدة" في سوريا.

لم يقتصر الأمر على جماعات شكّلها النظام تمارس الإرهاب بحق المواطنين، بل إن النظام استعان بـ"حزب الله" اللبناني، والذي تعتبره كل من أمريكا وفرنسا وكندا وهولندا والبحرين ودول مجلس التعاون الخليجي منظمة إرهابية. وأيضاً أدرج جناحه العسكري من دون السياسي، في قائمة الإرهاب الدولي من طرف الاتحاد الأوروبي في 22 يوليو/تموز 2013، والذي تتهمه بريطانيا بهجوم في منتجع بورجاس البلغاري في تموز 2012، وتورّطه أيضاً بأعمال إرهابية في قبرص. أما أستراليا فتعتبر منظمة الأمن الخارجي لـ"حزب الله" فقط تنظيماً إرهابياً. وأيضاً نجد الحرس الثوري الذي تصنّفه أمريكا كمنظمة إرهابية، وقد ثبت وجوده في سوريا عبر عمليات تبادل الأسرى بين النظام والمعارضة، كما أنه قتل عدة مسؤولين عسكريين في سوريا ومن بينهم عبد الله أسكندري. وسبق وكشف حسين همداني، وهو أحد أبرز قادة الحرس الثوري، عن تكوين 42 لواءً و138 كتيبة تقاتل لصالح بشار الأسد.

كما خطّطت المخابرات السورية، بحسب وثائق مسرّبة ستنشر في "الخليج أونلاين"، لتنفيذ عمليات إرهابية في السعودية وقطر وتركيا وحتى لبنان الذي يعدّ الحلقة الأضعف في معادلة بشار الأسد كلها، بناء على توصيات من "خبراء" أمنيين من مصر والجزائر والعراق ولبنان، وذلك من أجل إشغال هذه الدول بوضعها الداخلي، وإجبارها على الدخول في "الحرب على الإرهاب" الذي يهدّد الجميع. وأشياء أخرى كثيرة لا يسعنا المقام لحصرها سنعود إليها في مقالات أخرى مستقبلاً بإذن الله تعالى.

المخابرات السورية وتجنيد المقاتلين الأجانب

حسب عدّة وثائق استخباراتية مسرّبة من الفرع الخارجي (279) للمخابرات العامة السورية، فقد كان الجهاز يتابع ظاهرة تجنيد المقاتلين الأجانب في الخارج، ويهتمّ كثيراً بوصولهم إلى سوريا. وقد ذكرت عدة وثائق أن المخابرات لديها معلومات عن وصول مقاتلين من عدة دول عربية وإسلامية وحتى غربية.

جهاز بشار الأسد الاستخباراتي كان يحثّ على المتابعة والاكتفاء بالمعلومات فقط واستثمارها إعلامياً عند الحاجة، دون أيّ عمل على الأرض وعبر الحدود لمنع تسرّب المقاتلين الأجانب إلى التراب السوري. وحسب إحدى الوثائق فإن المخابرات قامت بتجنيد غير السوريين المقيمين في سوريا للعمل لصالحه في الأحياء الثائرة حينها، وذكرت وثيقة أخرى أن وجود هؤلاء يخدم النظام كثيراً. وقام النظام السوري بإطلاق سراح متشدّدين ومطلوبين دولياً من السجون بطرق مفاجئة وغريبة، وهذا كلّه لتوريطهم في تشكيل تنظيمات موالية للقاعدة.

كما ذكرنا في مقالنا السابق "داعش والاختراق الاستخباراتي" حول وثيقة كانت عبارة عن محضر اجتماع في لبنان حضره ضباط مخابرات إيران والعراق و"حزب الله"، لمناقشة اقتراح حسن نصر الله حول ضرورة تسهيل دخول تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" إلى سوريا، من أجل تحويل ما يحدث من ثورة شعبية إلى "إرهاب".

حسب دراستي للوثائق المسرّبة فقد وجدت أن المخابرات السورية صنعت جماعات موازية تعمل في ظاهرها لصالح الثورة، وهي في الأصل تريد الإساءة إليها على المستوى المحلي والدولي. كما كان لها تواصل مع بعض المعارضين السوريين في الخارج، وتحثّهم على التحريض على السلاح والعنف وتشكيل شبكات تهريب عبر الحدود. وقد وجدت في هذه الوثائق أيضاً أن المخابرات السورية نشطت كثيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال صفحات مؤيدة للثورة تقوم بتحريض الأجانب على القتال في سوريا. بل تقف وراء نشر بعض الفيديوهات المسرّبة عن تعذيب معتقلين بطرق طائفية لأجل تأجيج الرغبة في الأجانب لدخول البلاد.

كما وصلت أيضاً إلى أن الجهاز السوري كان على تواصل مع نظرائه في عدة دول عربية وغربية، من بينها الجزائر والعراق ومصر والمغرب والسودان، في إطار التعاون الاستخباراتي لوأد الثورة. وكانت كل الاقتراحات التي تأتيه من هذه الجهات هي إظهار الجماعات الإرهابية في مشهد الثورة، والاستفادة من التجربة الجزائرية، وهذا ما سنتعرّض له لاحقاً في مقالات أخرى.

لقد نجحت المخابرات السورية وتَحقّق مبتغاها في وصول "القاعدة" إلى سوريا عبر جبهة النصرة التي بايعت أيمن الظواهري في أيار/مايو 2013، كما دخل تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" وتحوّل إلى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وصار يتوسّع ويتمدّد ويسيطر على مناطق كانت محرّرة أصلاً من الجيش السوري الحر، وقد هيمن عليها بعد قتل ثوار عجز جيش الأسد عن الوصول إليهم.

الآن صارت "داعش" الشغل الشاغل للمجتمع الدولي الذي يستعدّ للتدخل ضد "خلافة البغدادي" في العراق أولاً حيث مصالح أمريكا النفطية الكبيرة، أما في سوريا فتوجد حسابات أخرى فواشنطن على يقين أن مواجهة "داعش" الحقيقية في سوريا وليس في العراق، لذلك قد تلجأ مؤقتاً إلى تأهيل سرّي لنظام بشار الأسد ضد "داعش"، كما حدث من قبل بعد مجزرة الكيماوي حيث توقف باراك أوباما عن خيار التدخل مقابل صفقة تسليم الكيماوي التي مرّت عبر روسيا. وليس غريباً عن أمريكا التعامل مع أنظمة تبدي علانية أنها غاضبة عليها، فقد كانت تهاجم إيران وتعاملت معها في إسقاط حكومة طالبان عام 2001، وأيضاً بالنسبة للعراق عام 2003 وهناك تعاون استخباراتي كبير على مستويات كثيرة تحت الطاولة رغم ما يظهر فوقها.

منطق حرائق عائلة الأسد في المنطقة

مارس بشار الأسد إرهاب الدولة بدعم من عدّة دول منها إيران والعراق وروسيا والصين بطريقة مباشرة، وغير مباشرة من دول أخرى التزمت الصمت أو خذلت الشعب السوري الذي يتعرّض لحرب إبادة شاملة، وأدّى ذلك إلى أن صارت سوريا هي مأساة القرن بامتياز. فحسب التقرير الثالث لمجموعة تقصّي الحقائق وجمع المعلومات حول الصراع في سوريا التابعة لمجلس حقوق الانسان، فإن عدد القتلى وصل إلى 191369، وملايين الجرحى والمهجّرين واللاجئين، وملايين البيوت المهدّمة وآلاف القرى والأحياء المدمّرة.

للأسف لهذه اللحظة لم يحاسب بشار الأسد على أفعاله التي توفّرت فيها أركان جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم الإبادة الجماعية، وبدل أن يتابع دولياً صار يعرض نفسه على المجتمع الدولي عموماً وأمريكا خصوصاً التي كان يتّهمها بالمؤامرة الكونية عليه، كي يكون شريكاً في مكافحة "الإرهاب".

لقد مارس نظام الأسد الإرهاب وصنع جماعات إرهابية، وكان السبب المباشر في كل ما يحدث بالمنطقة من حرائق وخصوصاً دول الجوار، وهذا المنطق ليس بالجديد على بشار بل ورثه عن والده حافظ الذي دأب على إشعال الحرائق في دول الجوار، ثم يقدّم نفسه للمجتمع الدولي بأنه يملك القدرة على إطفائها، وهو صادق، ولو كان كذوباً، في ذلك ما دامت مفاتيح الحرائق بين يديه لأن مخابراته هي التي تقف خلفها. وهذا ما تعرفه المخابرات الدولية وتملك عليه معطيات موثّقة، ولكنها تتغاضى عن ذلك ما دام نظام الأسد يحفظ أمن "إسرائيل" الذي يعتبر هو الأساس في منطق التعامل الدولي مع دول جوار الكيان العبري خصوصاً.

لو لم تكن ممارساته التي تتنافى مع القوانين الدولية والقيم الإنسانية ما وصل الحال إلى هذا الوضع الخطير، ولذلك لا يمكن قانونياً ولا أخلاقياً ولا إنسانياً أن يعاد تأهيله عبر بوابة الحرب على "الإرهاب" التي كانت وسيلته في تدمير سوريا وإبادة مئات الآلاف من المدنيين.

الإرهاب ليس فقط من يمارسه، بل كل من يساعد عليه ويدعّمه، وتوجد في ذلك تشريعات وقوانين وإجراءات دولية كثيرة تمّ التغاضي عنها تجاه محرقة سوريا للأسف الشديد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة