الأسرة في الخليج

هناك مؤشِّرات مقلقة بالفعل تتحدث عن صعوبات تشكيل الأسرة وتزايد التفكك الأسري وفتور العلاقات.

الثلاثاء، 28-10-2014 الساعة 13:37


ليست الأسرة مجموعة من الأفراد يزيد عددهم أو يقلّ؛ بل هي في الأساس تعبير عن آصرة إنسانية سامية، قوامها الرعاية والمسؤولية، والتضامن والتكافل، وأنبل المشاعر كالحب والحنان والاحترام المتبادل. ولذا فإنّ فتور هذه الآصرة واضمحلالها يمثل خسارة حقيقية للمجتمع ويعود بالضرر على أفراده.

في الأدبيات السائدة كثير من التغنِّي بالأسرة التي هي "لبنة البناء الاجتماعي، ومحضن الإنسان الأول والأهمّ". حسناً، لكنّ المجتمعات المحلية تواجه تحدِّيات تتطلّب معالجات جادة تتجاوز الشعارات البرّاقة إلى المضامين الفعالة.

يتحدّث المختصون عن مؤشرات في مجتمعات الخليج لا تبعث على الارتياح؛ من تفاقم التفكك الأسري، وازدياد حالات الطلاق، إلى فتور التواصل داخل الأسر، وتراجع حيوية العلاقات الإنسانية.

تبدأ المشكلة حتى قبل أن تتشكّل الأسرة، عبر صعوبات جسيمة يواجهها بعض الشبان في محاولتهم لإقامة بيتهم الجديد. وتشعر مزيد من الفتيات أن فرصهن في الحياة الزوجية والأمومة قد تبدّدت مع تأخّر القطار عن موعده.

ليست مجتمعات الخليج استثناء من عالَم تواجه فيه الأسرة تحديات متزايدة في ظل تسارع متغيِّرات الحياة.

فهناك مؤشِّرات مقلقة بالفعل، تتحدث عن صعوبات تشكيل الأسرة، وتزايد التفكك الأسري، وفتور العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وقد تغيب المصارحة بهذه المشكلات في نهاية المطاف.

إنه الدفء الاجتماعي الذي يتبدّد مع هيمنة المادة على إيقاع الحياة الحديث؛ بما يعود بتأثيرات سلبية على وئام الأسرة والمجتمع. تضاف إلى ذلك تبدّلات الأدوار داخل الأسرة الخليجية، من خلال اقتطاع العمالة الوافدة مساحات من مسؤولية الرعاية والتنشئة تحت السقوف.

هناك في الخطابات الاجتماعية السائدة من يتجاهل الأسرة ويُخرجها من مركز الاهتمام في غمرة التركيز على الفرد والفردية والسعي إلى النجاح والتميّز والإنجاز بعلوّ الأبراج الشاهقة. لكنّ النجاح الذي يصبو إليه المسؤولون وأعضاء المجتمع ليس من شأن الفرد وحده كما قد يحسب كثيرون؛ بل هو متعلِّق بنجاح الأسرة كذلك، علاوة على أنّ نجاح الأفراد ينبغي أن يُقاس أيضاً بانعكاسه الإيجابي على نسقهم الاجتماعي القريب.

تواجه الأسرة تحديات مستمرّة، منها ضعف التواصل بين الأجيال. وتتعاظم الفجوة بين الصفوف العمرية مع انغماس الناشئة بالتقنيات المتجددة بكل ما تتيحه من إمكانات؛ ربما مع انقطاع آبائهم وأمهاتهم عن هذه المستجدات بدرجة أو بأخرى.

يجدر الانتباه إلى خطورة الممارسات السلبية في النطاق الأسري، وبالأخص منها الانفصام العاطفي، والعنف الأسري، وإهمال الأبناء، وعقوق الوالدين. كما أنّ هناك أسراً ينجرف أبناؤها وبناتها مع مخاطر الانحراف لأسباب عدّة يمكن درؤها؛ دون أن يجدوا من يساندهم، بعد افتقادهم الدعم الرشيد والتوجيه الصحيح على دروب النشأة، مع تغيّب الأسرة عن محيطهم في المراحل العمرية المفصلية.

ليس المطلوب إثارة الهلع بشأن مصير الأسرة، بل ما يجدر القيام به هو توجيه قسط وافر من الاهتمام إلى العناية بالأسرة ومعالجة همومها، فهي تبقى موئلاً للإنسان ومحضناً أساسياً للمجتمع ككلّ.

لا غنى عن تدعيم حضور الأسرة في المشهد الاجتماعي، دون تهميش الفرد بالطبع. ويتطلب ذلك تعزيز الآصرة الأسرية، والمساعدة على معالجة هموم الأسر والمشكلات التي تعترض طريقها، وإبراز التجارب الناجحة والخيارات الجيدة بالنسبة لحياة أسرية آمِنة.

ليس من صالح المجتمع أن يفتقد أفراده روحَ الوئام في أسرهم، أو أن يفتقروا إلى الحب والحنان داخل بيوتهم. فالرعاية داخل الأسرة هي صمّام أمان للمجتمع.

تبقى الأسرة بحاجة إلى التقدير والتشجيع والدعم المتواصل، بيد أنّ هذا لا يتحقق بالإطراء اللفظي والشعارات الزاهية؛ وإنما بمنظومة حلول متكاملة قانونياً وإجرائياً وثقافياً وإعلامياً. فإن تماسكت الأسرة ونجحت في القيام بدورها ستسدي خدمة جليلة للمجتمع ككلّ.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة