"الأسلمة" بين دفن القيم والمزاودة بالخطاب

كان الجانب القيمي مهيمناً وحارساً للمجتمع من الغلو أو الانفلات، رغم وفود أبناء حضارات عريقة ودول ذات شأن

الاثنين، 27-07-2015 الساعة 19:39


شكل عصر السلف الصالح وبالأخص المرحلة الراشدة معياراً ملهماً لكل الشعوب الإسلامية في كل عصورها في المجالات كافة، السياسية والعلمية والاجتماعية والنفسية والحضارية، ولا سيما المضمون القيمي المتمثل في إرساء قيم العدالة والشورى والإنصاف والحرية والجهاد والتضحية والأمانة، مع كون الدولة حينها بدائية ذات منظومة إدارية بسيطة.

كان الجانب القيمي مهيمناً وحارساً للمجتمع من الغلو أو الانفلات، رغم وفود أبناء حضارات عريقة ودول ذات شأن في السياسة والثقافة، واللافت للنظر أن هيمنة الجانب القيمي كانت على حساب خفوت في المزاودات الخطابية والشعارات المرسومة والأسماء البراقة.. فليس هناك الجيش الإسلامي ولا المسجد الإسلامي ولا الفيلق الإسلامي ولا الدولة الإسلامية ولا الهيئة الإسلامية ولا المشفى الإسلامي ولا حماة الدين ولا أنصار الدين ولا أنصار الشريعة.

وإنما جامع قباء، وجيش أسامة، ودار الأرقم، وجفنة سعد، وصحيفة حفصة، ومصحف عثمان، وقصر الخضراء، والجامع الأموي، والمدرسة الأشرفية، والجامع الأزهر، وجيش الطواويس، وكتاب الجامع، وصحيح البخاري، وكتاب الأم، والدولة الأموية، والدولة العباسية، والبيمارستان النوري، والمدارس الصلاحية، والجامعة النظامية وإلخ.

ليس هناك شيء اسمه الإسلامي، أو مكتوب ومرفوع عليه رايات كتب عليها كلمة التوحيد، وإنما كانت قيم الإسلام تعيش فيه واقعاً حياً، فالدولة عدل ورفاه، والجيش سمع وطاعة، والمشفى رحمة وعناية، والجامع علم وعبادة وتوجيه ورقابة، والمدرسة تنافس وتميز، والكتاب صحة وضبط، فكتبوا الإسلام بالحبر السري الذي لا تراه إلا البصائر الصحيحة.

حتى جاء اليوم الذي تناقصت فيه رقابة المضامين، وشعرت الأنفس بعقد النقص، فكان لابد من التعويض بالمظاهر والشعارات.

كانت راية الجيش لا يكتب عليها شيء، ولا تختص بلون، فمرة سوداء ومرة صفراء ومرة بيضاء، ولكنها تنتقل من يد جعفر إلى زيد إلى ابن رواحة، تقطع الأيدي فتحتضنها الصدور، ويتنجندل أمامها الأبطال ويقتل الرجال، حتى يفتح الله على أيديهم، حتى جاء الزمن الذي لم تعد هذه الراية تجد من يحملها بحقها، فبكت وحزنت مما شق على النفوس.

فقامت ريشة الفنان إليها لتكتب عليها ليس بالحبر السري وإنما بالخط الكوفي والنسخي والعراقي والشامي، وبكل فنون الخط العربي (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولكن هذه الراية بدل أن تتحول من قائد لقائد تحولت من حزب إلى حزب، كل حزب يلونها بما يزيد فرقتنا، فالتحرير أبيض وأسود متلازمين، والنصرة على لون أسود مرفق باسمها، وتنظيم الدولة مزينة بالختم، وحزب الأمة سوداء مقرونة بالسيف، ومع كل هذا تسقط على الأرض فتندحر جيوشنا وتحتل عواصمنا، بينما الراية تحولت إلى موضة تتغير وماركة تتبدل عند كل إصدار جديد.

وكذلك الجيش، فلقد فتحت جيوش المسلمين العالم ولم يطلق عليها أسماء إسلامية، فلا أنصار الشريعة ولا أحفاد الرسول ولا نسور الإسلام ولا الحزب الإسلامي ولا جيش الإسلام ولا حركة المجاهدين الإسلامية ولا ثورة بيبرس الإسلامية ولا معركة حطين الإسلامية، ورغم ذلك فكنا حين نغزو تسقط أمامنا شم الجبال وتهزم الأسود الضراغم، وعندما نتصدى كنا القلاع الشامخة وأساطين الصمود، أما اليوم فسياراتنا الإسلامية وقواعدنا الإسلامية وكتائبنا الإسلامية ونسور وصقور وفهود وحماة الإسلام، وكل هذا وبأسنا بيننا شديد، وقلوبنا شتى وشعوبنا مهجرة وأحوالنا مبعثرة، رغم أنه لم يبقى لا مسجد ولا مشفى ولا موقف ولا محطة إلا وطليناها بالأسود وكتبنا شعار التوحيد بالأبيض.

لماذا؟... إنها المزاودة، أي تكلف الزيادة بلا وجود حقيقي لأي محتوى،

بلغ بنا التنطع بالأسماء حتى فقدت ألقها وصارت لوناً بدل أن تكون نغماً، وصارت طلاءً بدل أن تكون ولاءً، وصارت الزينة وضاع المسجد،

ما قيمة الحب إذا قبل القياس؟ وما قيمة التضحية إذا تلاعبت بها النسبة؟ وأي شيء يبقى للجمال إذا عرض لكل غاد ورائح؟ وما معنى المقدس إذا صار مادة للتزين؟

يقول الشاعر الفيلسوف محمد إقبال:

أرى التفكير أدركه خمول

ولم تبق العزائم في اشتعال

وأصبح وعظكم من غير وجد

ولا نور يطل على المقال

وعند الناس فلسفة وفكر

ولكن أين تلقين الغزالي

مآذنكم قد علت في كل حي

ومسجدكم من العباد خال

وجلجلة الأذان بكل أرض

ولكن أين صوت من بلال

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة