الأكراد في العدوان الروسي على سوريا وتركيا

تركيا ترفض مشاركة روسيا في إبقاء بشار الأسد في السلطة وإنهاء مشروع الثورة الشعبية.

الخميس، 04-02-2016 الساعة 17:57


بدأت روسيا غزوها لسوريا بتاريخ 2015/9/30 وبين يديها خطة عسكرية ذات مسارين أو هدفين سياسيين، وهما:

1 ـ الخطة الأولى: القضاء على المعارضة العسكرية السورية، وهدفها السياسي تثبيت حكومة بشار الأسد، مع تعديلات طفيفة على نظام الحكم السوري يخدع العالم بتحقيق تغيير في النظام السوري بعد خمس سنوات من الحرب، وبعد مئات الألوف من القتلى وملايين المشردين والمفقودين السوريين.

2 ـ الخطة الثانية: إقامة دولة علوية لبشار الأسد، أو من يسير في مخطط التقسيم، والخطة الثانية هي بديل عن الخطة الأولى في حال فشل تطبيق الخطة الأولى بالقضاء الكامل على القوة العسكرية الفاعلة عند فصائل الثورة السورية.

كانت الخطة الأولى تأمل أن تنهي مهمتها العسكرية بالقضاء على القوة العسكرية للثورة السورية خلال أيام وأسابيع فقط، وإن طالت حربها العسكرية فلا تزيد على ثلاثة أشهر، وفي حدها الأقصى أربعة أشهر، وكان في مخططها أن تكون فصائل الثورة السورية قد تلقت درساً لن تنساه من قوة وجبروت الجيش والطيران الروسي، ولا يبقى أمامها إلا الاستسلام العسكري أو الاستسلام السياسي للجبروت العسكري الروسي، سواء في مؤتمر جنيف أو غيره.

ولكن، وبعد ثلاثة أسابيع، أدرك الجيش الروسي أن مهمته العسكرية صعبة جداً، وبدأ يتحدث عن مدة زمنية مفتوحة للتدخل العسكري الروسي في سوريا، لأن حصيلة قصفه الجوي خلال الأسابيع الثلاثة الأولى كانت أدنى بكثير مما كانت تتوقعه الخطط العسكرية الروسية، فقد اعتاد الجيش الروسي أن يستعمل ضد عدوه خطة الأرض المحروقة، وتدمير كل هدف أمامهم في مدة قصيرة، ثم يحتل تلك المنطقة، وقد أعد للاحتلال الأرضي جيش الأسد وكتائب من الجيش الإيراني أرسلت خصوصاً من إيران للاحتلال الأرضي بعد بدء الغزو الروسي، ولكنهم لم يجدوا من الأهداف العسكرية شيئاً ذا قيمة عسكرية، سوى هياكل المعسكرات، وبقيت فصائل الثورة السورية تتحرك بحرية وقوة، وتسيطر على مواقع جديدة، فأدرك الجيش الروسي أنه فشل في خطته العسكرية.

ولذلك تحول القصف الروسي إلى الأعمال الانتقامية والتخبط السياسي، فأخذت الأعمال الروسية الانتقامية تقصف المدنيين حيث لا أهداف عسكرية أمامهم، فقصفوا المساجد والمستشفيات والمخابز والأسواق، ليعاقبوا الأهالي المدنيين أولاً، وأخذ التخبط السياسي يتحرش بالحكومة التركية، وانتهاك الأجواء التركية هو لخلق مشكلة دولية بين روسيا وتركيا، ولحرف الأنظار الدولية عن الفشل العسكري الروسي في سوريا، وفي الوقت نفسه لتكون حجة أمام العالم لحرف مسار العدوان الروسي من البحث عن حل للمشكلة السورية بعامة إلى إقامة دولة علوية على الساحل السوري لحكومة بشار الأسد وما تبقى من مؤسساته وأجهزته الأمنية والعسكرية، أي لتنفيذ الخطة الثانية. وأهداف الخطة الثانية هي:

1 ـ ألا تظهر روسيا دولة خاسرة في تدخلها العسكري، وبالأخص أمام الشعب الروسي، وإظهار أن الأطراف الأخرى هي من تتحمل المسؤولية عن تقسيم سوريا، وبالأخص تركيا والسعودية وقطر بالدرجة الأولى، ثم تحميل الفصائل السورية المقاتلة المسؤولية عن تقسيم سوريا، باتهامها برفض الحل السياسي في جنيف، وإنما هي ترفض الحل السياسي وفق الخطة الروسية الجائرة والظالمة والباطلة.

2 ـ وهدف تقسيم سوريا يؤدي من وجهة نظر روسية إلى الحفاظ على النفوذ الروسي في سوريا، وبالأخص على الساحل السوري حيث القواعد العسكرية الروسية على البحر الأبيض المتوسط.

3 ـ ومن أهاف التقسيم السعي للحفاظ على المصالح النفطية وطرق نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر المتوسط، إضافة إلى شراء حقوق إنتاجه في الساحل السوري مقابل المجهود العسكري الذي بذلته روسيا لبقاء نظام الأسد، وهذا يتطلب أن يكون شمال سوريا تحت سيطرة روسية أو موالية لروسيا مثل سيطرة "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي، وقواته العسكرية "وحدات حماية الشعب"، وهذا هو سر إصرار روسيا على رفع مستوى التعاون العسكري مع حزب الاتحاد الديمقراطي السوري الكردي سياسياً وعسكرياً، لأن مشروع التقسيم يتطلب عسكرياً بالنسبة للروس تأمين المخاطر القادمة من الشمال، وذلك بإنهاء الوجود العسكري في الشمال السوري للمعارضة السورية، وهذا الهدف هو محور الصراع الروسي التركي الحالي، وكذلك تأمين جنوب سوريا عسكرياً، من خلال تعاون عسكري روسي أردني.

إن الجديد في الصراع الروسي ضد تركيا هو منعها من الاعتراض على الحل الروسي في الشأن السوري، بعد رفضها التعاون مع الرؤية الروسية للحل السياسي في سوريا، فتركيا ترفض مشاركة روسيا في إبقاء بشار الأسد في السلطة وإنهاء مشروع الثورة الشعبية، وتركيا لا تسلك طريقاً يفرض على الشعب السوري ما لا يريده، فقرار بقاء الأسد وإنهاء الثورة السورية أو مواصلتها هو قرار الشعب السوري وحده، وليس قرار تركيا ولا روسيا ولا أمريكا ولا السعودية ولا قطر ولا إيران ولا غيرها، واليوم المعارضة السورية الأصيلة الحقيقية موجودة في جنيف، فليكن الحل السياسي معها، فإذا فشلت روسيا وإيران في فرض الحل العسكري في سوريا خلال خمس سنوات، وفشلت روسيا وأمريكا وإيران في فرض الاستسلام السياسي عليها في جنيف، فهي أمام خيار مواصلة الثورة فقط، وهذا ليس في مصلحة روسيا ولا إيران ولا تركيا أيضاً.

إن تركيا تريد الاستقرار في سوريا بأسرع وقت ممكن، وفرض التقسيم على السوريين سوف يدخل روسيا في حرب طويلة الأمد في سوريا لن تستطيع الانتصار فيها، وفرصة روسيا الحقيقية والذهبية أن تكسب المعارضة السورية المعتدلة إلى جانبها، فكما وافقت على التفاوض مع فصيل "جيش الإسلام" وفصيل "أحرار الشام" في المحادثات في جنيف، فعليها أن تتقبل أن هذه الفصائل هي جزء من الشعب السوري الأصلي، وان شخصيات المعارضة التي صنعها بشار الأسد لا تستطيع التفاوض على الحل، ومن ثم فهي أمام التوصل إلى حل سياسي عادل مع المعارضة السورية الأصلية فقط.

وأما فصائل المعارضة المزيفة فلا تملك خيار الحرب ولا السلام، وكذلك "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي، فلا يملك قرار الحرب ولا السلام ولا الحل العادل، وهو يعلم وزنه من غير الدعم الأسدي له، فلولا دعم بشار الأسد والحرس الثوري الإيراني له، بل والدعم الأمريكي له بحجة محاربة داعش، فهو لا يمثل شيئاً، لأنه يُستخدم أداة لا ممثلاً للأكراد في سوريا، لأن الأكراد في سوريا ممثلين في كل فصائل المعارضة السورية؛ في المجلس الوطني السوري الأول، وفي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، بل كانوا في رئاسة هذا الائتلاف وغيره، فهم جزء من الشعب السوري، مثلهم مثل التركمان والعلويين وغيرهم، والدولة السورية المدنية القادمة يمكن أن تجمع كل القوميات ولا تستثني أحداً، أما من يريد استخدام الأحزاب الكردية في حروبه العبثية مثل الأمريكان فإنهم يدعمونهم ثم يرمونهم إلى غيرهم إذا انتهت المصلحة معهم، وروسيا لن تكون حريصة على الأكراد في المنطقة أكثر من الدولة والحكومة التركية، فتركيا لا تريدهم جنوداً مرتزقة لكل متهور دكتاتور في المنطقة، وإنما تريدهم جزءاً طبيعياً مثل غيرهم من أبناء المنطقة، ولهم كافة الحقوق والواجبات وفي مقدمتها حقوق المواطنة الكاملة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة