الأكراد مع الأتراك ضد إرهاب حزب العمال الكردستاني

هذا التنوع القومي لا يمكن التوافق بينه إلا من خلال دولة تحفظ حقوق الجميع، فتساوي بينهم في الحقوق والواجبات.

الاثنين، 21-09-2015 الساعة 20:21


تشمل الدولة التركية الحديثة نحو أربعين قومية، وهذه القوميات والأعراق والمذاهب هي من موروثات التركة العثمانية الطبيعية، فقد كانت ذات امتداد جغرافي واسع، وتنوع قومي وثقافي وديني وعرقي لا مثيل له في التاريخ الدولي المقابل، ولذلك كان طبيعياً أن يكون الموروث التركي عن الدولة العثمانية يشمل كل هذه القوميات، فنسبة الأتراك من ذوي أصول تركية نحو 70-75%، وهم أكبر عدد سكاني بين المواطنين الأتراك، ثم يشكل الأكراد في تركيا ثاني أكبر مجموعة عرقية بعد الأتراك، بنسبة 17%، الذي يقارب 20 مليون نسمة، ويتركز وجود الأكراد في جنوب شرق تركيا، وينتشر الأكراد في 19 ولاية من الولايات التركية، البالغ عددها 81 ولاية، يعتنق معظم الأكراد الإسلام على المذهب السنّي الشّافعي، والقليل منهم على المذهب الشيعي، كما أنّ جزءاً منهم يعتنق الدّيانة المسيحيّة، أو اليزيدية، أو غيرها.

وأما باقي القوميات الأخرى فهم بنسب أقل من ذلك؛ منهم العرب وتبلغ نسبتهم الإجمالية في تركيا 12% من إجمالي السكان، ويقدر عددهم بنحو 8 ملايين عربي، والشركس ويبلغ عددهم بما يقارب 2.5 مليون، والبوشناق أو البوسنيون، بما نسبته 0.48%، والجورجيون الذين ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية، ومنهم كذلك مسلمون، ويبلغ عددهم نحو مليون نسمة، والسّريان من الأقليات الدينية الموجودة في تركيا، وهم يدينون بالأرثوذكسية، ويذكر أن تعداد السريان في تركيا يبلغ حالياً 25 ألفاً، يقيم أكثر من 85% منهم في إسطنبول، ويوجد أبناء القومية اللازية، ويقارب عدد أفراد "اللاز" مئة وخمسين ألفاً، ويدين اللازيون بالمذهـب الإسلامي السني الحنفي، والأرمن وهم في تركيا عشرات آلاف، نحو خمسين إلى ثمانين ألفاً، تعيش أكثريتهم الساحقـة في إسطنبول، ويتوزعون مذهبياً على ثلاث كنائس: الكنيسة الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية الرومية، والكنيسة البروتستانتية، ويوجد غير هذه القوميات التي تعايشت على مدى قرون سابقة أيام الدولة العثمانية، ولكنها تعايشت بشكل قانوني ودستوري خلال التسعين سنة الأخيرة من عمر الجمهورية التركية.

هذه التنوع القومي لا يمكن التوافق بينه إلا من خلال دولة تحفظ حقوق الجميع، فتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، وبالرغم من أن الحكومات التركية السابقة وبالأخص في العقود الأولى من عمر الجمهورية فرضت ضغوطاً على كل القوميات بما فيها الأتراك أنفسهم؛ بسبب كون الدولة أشبه بالدول الدكتاتورية والعسكرية، إلا أنها كانت تفرض ذلك على الجميع، وهدفها تماسك الدولة ووحدة أراضيها، في ظل أطماع دولية لتقسيم تركيا قومياً أو مذهبياً أو طائفياً، كما حصل في تقسيم العالم العربي إلى أكثر من عشرين دولة بمعاهدة سايكس بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى، ولذلك كان هاجس التقسيم يحول دون السماح للهويات القومية الخاصة بالظهور من جميع المصادر، ومع ذلك فلم تكن الدولة تُبعد من يحافظ على وحدة الدولة وتماسكها، بل وتتيح له العمل السياسي الكامل، فمن أبرز الساسة الأكراد في العصر الحديث السيد تورغوت أوزال رئيس وزراء تركيا الأسبق، ومن المعاصرين السيد هكان فيدان رئيس جهاز الاستخبارات القومية، ومحمد شيمشيك وزير المالية السابق وبشير أتالاي مساعد رئيس الوزراء السابق وغيرهم كثير وكثير، وهؤلاء وأمثالهم بالملايين من الأكراد كانوا مع عملية السلام ولا يزالون يعملون في نجاح هذا المشروع، وهم ضد الإرهاب الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني، ولذلك من الخطأ الظن أن كل كردي هو مؤيد لحزب العمال الكردستاني، فضلاً عن أن يكون من أعضائه، فالإعلام الخارجي يصور العمليات الإرهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني ضد الدولة التركية على أنه صراع تركي كردي، وهذا تصور خاطىء أولاً، ولكنه مقصود من الإعلام الخارجي الغربي والعربي مع الأسف الشديد.

فالتعميم الإعلامي الخاطىء والمدعوم من أجهزة إعلامية وسياسية داخلية وخارجية تهدف إلى اصطناع صراع قومي وتفرقة اجتماعية وتنابذ سياسي لا ينبغي التساهل فيه إطلاقاً، بل يجب على كل وسائل الإعلام الداخلية والخارجية القاصدة للحقيقة كشفه، فالشعب التركي متوافق ومتجانس، ولا يوجد قومية تركية واحدة متفوقة في حقوقها على غيرها، بل قد ينال العقاب كل أبناء القوميات التي تعمل ضد وحدة الدولة وتماسك أراضيها حتى لو كانوا من أبناء القومية التركية نفسها، ولذلك ينبغي النظر إلى العمليات الإرهابية على أنها أعمال إرهابية ضد الشعب التركي كله، وليست من الأكراد ضد الأتراك، ولا من الأتراك ضد الأكراد، وكذلك ردود أفعال الدولة ومحاربتها للإرهابيين داخل تركيا وخارجها في جبال قنديل أو غيرها، فهي ليست من أبناء القومية التركية ضد أبناء القومية الكردية إطلاقاً، وإنما هي واجبات الدولة والحكومة التركية سواء كان المسؤول المدني أو العسكري أو المخابراتي من أصول تركية أو كردية أو غيرها، بل إن كل من يصر على توصيف هذا الصراع ضد الإرهاب وضد قواعد الإرهاب لحزب العمال الكردستاني على أنه صراع قومي إنما يقدم خدمة كبيرة لحزب العمال الكردستاني، ويساعد على أن تحقق أعماله الإرهابية أهدافها.

إن حزب العمال الكردستاني (PKK)، وبالأخص قيادة قنديل بالاشتراك مع اتحاد المجتمعات الكردية (KCK)، يحاولان في هذه الأثناء إبعاد قيادة حزب الشعوب الديمقراطي ونوابه عن مركز الثقل السياسي الكردي، وحرمانه من قيادة الشعب الكردي داخل تركيا، وجعله حزباً سياسياً كردياً يقدمون من خلاله مطالبهم وشعاراتهم ومناكفاتهم وصراعهم مع الدولة والحكومة التركية، فهم بهذه العمليات الإرهابية الأخيرة هدفوا إلى إفشال حزب الشعوب الديمقراطي أن يكون صاحب القرار الكردي داخل تركيا، وبالتالي لا يستطيع التفاوض مع الحكومة التركية على عملية السلام، وهو لا يضمن مسارها ولا التوقيع عليها.

وبالمقابل فإن المطالبين بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي مثل حزب الحركة القومية (MHP)، فإنهم يريدون العودة إلى الوراء وإلغاء كافة المكاسب التي تحققت في تركيا من خلال الانفتاح الاجتماعي لكل القوميات التركية، وإلغاء المكاسب التي تحققت للشعب التركي كله من خلال تشريع الحزم الديمقراطية، والخطر أن إلغاء مشروع السلام الداخلي سوف يفتح باب المشروع الإرهابي على مصراعيه، وهو ما يرغبه قادة الإرهاب الكردي في جبال قنديل وداعميهم من الدول الإقليمية والدول الغربية، بل إن أمريكا الآن تقود القافلة الكردية في سوريا والعراق وتركيا، وهذه القيادة غير مضمونة النتائج ما لم يتم التوافق الداخلي بين القوميات التركية جميعها.

إن على الأحزاب التركية جميعها، وليس حزب العدالة والتنمية فقط، أن تعمل لكسب ثقة المواطن الكردي وفتح أبوابها له وعدم دفعه إلى الأحزاب التي تتبنى الإرهاب، بل جعله من أوائل من يقفون في وجه الإرهابيين من حزب العمال الكردستاني ومن يأخذون بأوامره الإرهابية، فوجود الأكراد في كل الأحزاب السياسية التركية التي في السلطة والمعارضة هو الوضع الطبيعي لكل أبناء القوميات التركية، بل إن تعديل مسار حزب الشعوب الديمقراطي يتطلب دخول أبناء القوميات الأخرى فيه بدرجة توازن الثقل الكردي، على أساس أن هذا الحزب أو غيره هو حزب تركي قبل كل شيء.

إن الأصوات الكردية المعتدلة في المجتمع التركي ينبغي تنميتها وتشجيعها وفتح مجال العمل السياسي لها بكل حرية، حتى لو قامت بتأسيس حزب آخر غير حزب الشعوب الديمقراطي، فالعمل السياسي القانوني حق لكل المواطنين الأتراك من شتى القوميات والمذاهب، بل ينبغي حماية النشطاء السياسيين الأكراد من تهديدات خلايا حزب العمال الكردستاني الإرهابية داخل تركيا أولاً، فحزب العمال الكردستاني يفرض أجندته بالإرهاب والتهديد بالاغتيال وتدمير المصالح والبيوت وغيرها، وهذا ينبغي وقفه من قبل الدولة والحكومة والمنظمات الحقوقية الكردية، فالأكراد والأتراك ينبغي أن يتعاونوا لمحاربة الإرهاب من أجل المصلحة المشتركة بينهما، وما المظاهرات التي تخرج في تركيا وخارجها منددة بإرهاب حزب العمال الكردستاني من كل أطياف الشعب التركي وفي مقدمتهم الأكراد إلا دليلاً على وحدة الموقف الشعبي التركي ضد الإرهاب مهما كان مصدره.

وإن ممّا ينبغي التركيز عليه لدى الرأي العام التركي هو كشف مؤامرات الجهات التي تعمل ضد تركيا، سواء كانت من الداخل أو الخارج، فالحديث عن كتاب "البطاقة الكردية لأمريكا" من تأليف "طوران يافوز"، يكشف مدى القلق الإسرائيلي والأوروبي نتيجة شروع تركيا بعملية السلام مع الأكراد، فهذا الكتاب وأمثاله فضلاً عن الكتابات المعادية لتركيا في الصحف الإسرائيلية والغربية وأتباعها الإقليمية تكشف أسباب كراهتهم لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المخابرات الوطنية التركية؛ وذلك بسبب الدور الذي يقومون به في حفظ الأمن القومي التركي، وحماية الوحدة الوطنية، وتثبيت أواصر الأخوة الوطنية بين كل أبناء الشعب التركي دون استثناء، فالسياسيون الذين يدعون ويعملون لوحدة الشعب التركي وإقامة الدولة المدنية والديمقراطية والقانونية هم أعداء لمن يعملون لزعزعة الاستقرار التركي، وهم أعداء لمن يسعون لإيقاف عجلة التقدم الاقتصادي والاستقرار المالي في تركيا.

إن الجهات المعادية لتركيا وشعبها تبحث عن كل ثغرة يمكن أن تنفذ منها لمحاربة تركيا، ولعل الثغرة القومية الكردية هي إحدى الثغرات التي تعمل عليها الأجندة المعادية لتركيا، إضافة إلى ثغرة الحرب على الإرهاب الطائفي والداعشي بكل ألوانه، سواء كان في سوريا أو العراق أو داخل تركيا أيضاً، فالدعاية الكاذبة لا تنفك باتهام تركيا بدعم الإرهابيين، وهم يعلمون أنهم يكذبون ولكن هدفهم الإساءة إلى تركيا وسياستها وشعبها، بهدف إثارة المشاكل داخل تركيا، وتحريض العالم ضدها، فالورقة الكردية سلاح بيد أعداء تركيا إذا لم يعمل الأتراك أنفسهم على أخذه منهم، وجعله سلاحاً بيد المجتمع التركي ضد أعدائه.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة