الإرهاب الحلال!

صار واضحاً للعيان بلا أدنى شك أن الإرهاب حلال عندما تمارسه إيران وأنظمة تابعة لها أو أخرى مستبدة لصالح إسرائيل.

الأحد، 28-06-2015 الساعة 13:37


ليس كل الإرهاب حرام وليس كل الرعب مجرّم، يوجد إرهاب حلال تمارسه بكل رعب ضد البشر، أنظمة عربية وقوى استدمارية دولية ومليشيات مسلحة إيرانية، حتى وإن أدى إلى سقوط ملايين القتلى والجرحى والمهجّرين والمشرّدين والمختطفين والمعتقلين والمعذّبين والمعاقين والمغتصبين.

لقد بلغ الكيل بمكيالين مع الإرهاب درجة خطيرة للغاية، لذلك تفادى المجتمع الدولي وضع قوانين أممية تحدّد هذا الإرهاب الذي يجب محاربته، والتصدّي له، واجتثاث جذوره، والقضاء على أسبابه، وتجفيف منابعه، ومعاقبة المتسبّبين فيه، وملاحقة من يمارسونه أو يحرّضون عليه أو يدعون له أو يختلقونه بخطط استخباراتية مختلفة.

الإرهاب لم يعد ظاهرة إجرامية يحاربها العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي حولت نفسها ذات يوم من 11 سبتمبر/ أيلول 2001 إلى أحد ضحايا الإرهاب العابر للقارات والحدود. بل تحوّل إلى مجرد وسيلة تجارية في مزاد دولي –إن صحت التسمية– يستغلها الكثيرون لتحقيق مصالحهم الخاصة وللأسف على حساب أمن الشعوب واستقرار الدول والحكومات.

أول المستفيدين من الحرب على الإرهاب، والصراعات القائمة في المنطقة العربية، هي شركات السلاح العملاقة التي كانت مهددة بالإفلاس، بعدما لم تجد أسواقاً جديدة لبيع أسلحتها المتجددة والمتطورة، فالغرب يعيش في أزمات اقتصادية خانقة تمنعه من تخصيص ميزانيات ضخمة لتجديد عتاد مؤسساته العسكرية والأمنية، أما الدول العربية فأكثرها تعيش وضعاً اجتماعياً متذبذباً وأزمات سياسية كبيرة جداً.

كل شركات الأسلحة لديها لوبيات نافذة في الأجهزة العسكرية والأمنية، وتتحكم في الكثير من صنّاع القرار بالعالم، ولهذا وجدت ضالتها في ما يسمى بالحرب على الإرهاب التي منذ اندلاعها وهي تؤدي إلى حروب أهلية وطائفية مدمرة للبنيان والإنسان.

لو تتبعنا مداخيل شركات صناعة الأسلحة في الآونة الأخيرة، لوجدناها صارت خرافية عند بعضها، وارتفعت ميزانيات الجيوش العربية، خاصة بالنسبة للدول النفطية التي لم تصل إليها هذه الحروب القائمة، وقد لجأت إلى تحصين نفسها أمام التهديدات المتصاعدة على حدودها، برفع حجم الإنفاق العسكري حتى بلغ منتهاه.

هذه المصالح الاقتصادية والجيو استراتيجية أدت إلى صناعة إرهاب حلال مدعوم من قوى كبرى تعتبر من أهم مصدري الأسلحة في العالم، كما أن إشغال الدول العربية بنفسها وخاصة بالنسبة لتلك المجاورة للكيان العبري، يحقق الكثير من المكاسب وعلى جميع المستويات والأصعدة.

العالم يهتزّ عندما يهجم مسلحون على مواطنين أو سائحين أو مصلين في مساجد، ويجعل من هذا الإرهاب، العنوان الأبرز في كبريات وسائل الإعلام من صحف وفضائيات. ولكن في المقابل لا يتحرك ضد إرهاب آخر تمارسه سلطة معينة أدت إلى مقتل مئات الآلاف من الأبرياء والعزّل.

ونذكر في هذا السياق أن العالم أثارته جرائم استهداف المصلين الشيعة في السعودية والكويت، وقتل السواح في تونس، وهي طبعاً جرائم مدانة وغير مقبولة بالمرة، ولكن العالم نفسه لم يتحرك مع جرائم أخرى أبشع وأقذر وأنجس، مثل تلك التي يقترفها نظام بشار الأسد الذي يقصف المساجد والمستشفيات والبيوت ببراميل متفجرة أدت إلى مقتل ما لا يمكن حصره من الأطفال والنساء والشيوخ والجرحى والمرضى.

العالم تحرّك ضد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" المعروف اختصاراً بـ"داعش" الذي صار يمتلك دولة تعادل في مساحتها بريطانيا العظمى، وراح يطارد المقاتلين الأجانب الذي أغلبهم هبّوا من دول مختلفة لنجدة الشعب السوري الذي يتعرض للإبادة، ولكنه لم يفعل شيئاً ضد تنظيم "حزب الله" الذي حرّك جيشه ودخل سوريا وصار يسيطر على مناطق، وارتكب ما لا يمكن وصفه من الجرائم ضد الإنسانية. بل وصل به الحال إلى اقتراف أعمال إرهابية في دول غربية مثل تفجير فندق بورغاس في بلغاريا صيف 2013.

العالم أيضاً لم يتحرّك ضد مليشيات طائفية أخرى دخلت تحت رعاية رسمية من العراق للدفاع عن نظام الديكتاتور بشار الأسد ضد الشعب السوري. بل إن إيران جنّدت مرتزقة من أفغانستان وغيرها للقتال في صفوف عصابات "الشبّيحة" مقابل أموال تدفع في وضح النهار وبعلم من الأجهزة الاستخباراتية الغربية.

قد يقول أحد إن هذه المليشيات ليست رسمية ولا تنتمي إلى دولة معينة، رغم أن العالم كله يدرك أنها لم تتحرك إلا بأمر من خامنئي، ولكننا نسلم بذلك جدلاً وننساق وراء صحة هذه الادعاءات، ولكن توجد مليشيات الحرس الثوري التابع لدولة إيران تقاتل في سوريا والعراق، حيث إن الجنرال قاسم سليماني تحوّل إلى "سوبرمان" تحت أنظار دول العالم كلها.

كما أن الحوثيين أسقطوا شرعية الدولة بقوة السلاح وهم مجرد مليشيات متمردة، وقتلوا الآلاف من الشعب اليمني، رغم كل ذلك لم يتصد لهم العالم بتهمة الإرهاب، بل إن أمريكا تقاتل تنظيم "القاعدة" في مواقع باليمن وفي الوقت نفسه تدعم الحوار السياسي مع من يسمون أنفسهم بكل غلو ديني "أنصار الله"، حتى صار وفدهم يعقد الندوات الصحفية في جنيف وهي عاصمة حقوق الإنسان، كما سبقه إلى ذلك وفد نظام بشار الأسد النازي.

هل إرهاب إيران الشيعية والغرب المسيحي حلال وجب دعمه والإرهاب المحسوب على أهل السنّة حرام يجب تصفيته؟

الغرب الذي نصّب نفسه رسول الديمقراطية في العالم برمّته، يدعم أنظمة عربية فاشية مستبدة لأنها تخدم مصالحه، بل يصفّق للانقلابات العسكرية التي يقودها جنرالات على رؤساء منتخبين في إطار هذه الديمقراطية الغربية.

حدث ذلك في الجزائر عام 1992، وتكرر في مصر عام 2013 حتى صار عبد الفتاح السيسي يستقبل في الغرب بحفاوة، رغم أنه انقلب على رئيسه الشرعي محمد مرسي المنتخب ديمقراطياً وفي استحقاق رئاسي شهد له كل العالم بنزاهة وشفافية أقرّ بها السيسي نفسه في ألمانيا.

هذا الجنرال المغمور الذي حلم بأن يحكم مصر، قد قتل آلاف المدنيين في مجازر جماعية مروّعة لم تشهد لها مصر مثيلاً عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين، وحتى خلال حربها مع الكيان الصهيوني، ورغم كل ذلك لم يتحرّك الغرب لحماية المؤمنين بديمقراطيته والملتزمين بها، وطبعاً السر في تل أبيب وليس واشنطن ولا حتى القاهرة.

أما بشار الأسد فلا يزال في منصبه مدعوماً من كل قوى الإرهاب في العالم، حيث تمارس القتل على الهوية وتبيد المدنيين في محرقة تجاوزت النازية بكثير، وطبعا ظل هذا العالم المتشدّق بحقوق الإنسان والحريات يلتزم الصمت وإن أحسّ ببعض الحرج يندّد على مضض أو يعبّر عن شعوره بالقلق على طريقة بان كي مون من قلب مبنى الأمم المتحدة التي هي من المفروض تحمي السلم العالمي وتضرب بيد من حديد كل من يتجرأ ويهدد أمن البشر على وجه الأرض.

طالما سمعناهم يدينون اعتقال فلان أو علان في دولة عربية ما مثل السعودية ويتهمونها بانتهاك حق التعبير، ولكن لا يفعلون ذلك مع إيران التي تعلق الناس على المشانق في الساحات العمومية. ولا يفعلون ذلك مع أنظمة يقبع في سجونها عشرات الآلاف من المساجين السياسيين أغلبهم يتعرّضون للتعذيب الممنهج ويهددهم حكم الإعدام كما يجري في مصر السيسي.

لم يتوقف الأمر على ذلك، فقد غزت أمريكا العراق ومارست كل ما لا يمكن تخيّله من إرهاب الدولة، حيث قتلت المدنيين في مجازر دموية، وعذّبت الناس في السجون حدّ الموت، وبعدها سلّمت بغداد لمجرمين طائفيين نكّلوا بالشعب العراقي لمنتهى المازوخية الإيرانية.

والأمر نفسه بالنسبة لفرنسا التي غزت مالي لمكافحة الإرهاب ولكنها مارست الإرهاب المضاد وبدعم من أنظمة دول عربية في شمال أفريقيا. أما "إسرائيل" فإرهابها لا يزال متواصلاً ضد الفلسطينيين سواء في غزّة التي تحاصرها منذ سنوات أو بقية التراب الفلسطيني المحتل وبما يتنافى مع كل المواثيق والقوانين الدولية.

للأسف الشديد، صار واضحاً للعيان وبلا أدنى شك أن الإرهاب حلال عندما تمارسه إيران وأنظمة تابعة لها أو أخرى مستبدة خصوصاً مع دول محورية بالنسبة لمصالح "إسرائيل".

وهو حلال أيضاً عندما تمارسه قوى عظمى مثل أمريكا وفرنسا وروسيا وغيرهم، من أجل حماية مصالحهم تحت ذريعة الأمن القومي. ولكن هذا الإرهاب سيغدو حراماً وجريمة عابرة للحدود والقارات عندما يدافع الضحايا عن أنفسهم ضد حروب إبادة يتعرضون لها.

على المجتمع الدولي إن كان صادقاً في الحرب على الإرهاب أن يضع الإطار القانوني الأممي لذلك، حتى يعرف الجميع حقيقة ما يجب مكافحته، أما أن يترك الحبل على الغارب، وكل من يريد تصفية الآخر يتهمه بالإرهاب ويدرجه ضمن قائمة سوداء معدة على المقاس سلفاً، فهذا بحد ذاته إرهاب دولي سيبقى يلاحق كل الهيئات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة أو الإقليمية كالاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة